تقارير ودراسات

التراث السياسي الإسلامي وحقوق الإنسان

مقدمة:

عسيرٌ هو وضخمٌ سؤال هذه الورقة: ما عناصر رؤية التراث السياسي الإسلامي لحقوق الإنسان؟ وذلك بالمقارنة مع التناول المعاصر لهذه الحقوق؟  

مصدر الشعور بالعسر والضخامة هو – من ناحية أولى- ما يتراءى للدارس من اتساع مساحة التراث السياسي الإسلامي وتشابك خريطته وتعدد مداخله وكثرة مصادره(1)، ثم – من ناحية أخرى- ما تبدو عليه قضية حقوق الإنسان في واقعها المعاصر من تعقد وتركيب وتداخل للأبعاد الفكرية والعملية، واختلاف مستويات التناول والتعامل وزوايا النظر المتعلقة بها بين الدارسين والممارسين والمراقبين.

بداية نجد أن كثيرين – من إسلاميين وعلمانيين مع الفارق(2)يرون أن هذه مقولة لا مفهوم لها؛ بمعنى أنه لا يوجد في التراث الإسلامي ما يمكن أن يسمى “حقوق إنسان” بالمعنى الحديث، وأنه لا اشتراك في المعنى بين تعابير التراثيين – القدماء- عما هو “حق” أو “إنسان” وبين التناولات الحديثة لهذه المفاهيم. فالقضية، في تصورها وماصدقاتها، مُحدَثة تمامًا لا قديم لها لا سيما في الرؤية الدينية التي تدور حول الإله والمقدس الديني ويترتب فيها مقام الإنسان الأجرد(3)متأخرًا عن أن يكون هو المركز في رؤية العالم كما يتصورها هذا الفريق.

ومن العلمانيين والغربيين كثيرون يرون أن التاريخ السياسي الإسلامي –وكذلك تراثه الفكري غالبًا- هو أبعدُ مادةٍ يمكن أن يُستقى منها كلام أو شواهد على اعتراف بحقوق إنسانية أصيلة من قبيل حريات التفكير والتعبير والاعتقاد والانتقال عبر الأديان والمشاركة السياسية والمعارضة والتمكين للمرأة سياسيّا، ومفاهيم مثل المواطنة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون أو النسب أو اللغة أو الرأي والاتجاه السياسي وغير السياسي(4). فهذا التراث كان ذكوريًّا أبويًّا لا يفلح فيه قوم ولوا أمرهم امرأة(5)، وعشائريًّا نَسَبيًّا الأئمةُ فيه من قريش(6)، تراثًا كرَّس التمييز الديني باسم أهل الذمة ونظم الملة(7)وأحكام الديار وتقسيمها(8)، وأقصَى إمكانَ بروز معارضة سِلمية بدعوى أنها من عمل الخوارج والبغاة(9)، وبرَّر الانقلابات والاستيلاء غير القانوني على الحكم بمقولات الاستيلاء والتغلب والانقهار للسلطان القاهر(10)، وأكد على مفاهيم السمع والطاعة المطلقيْن وإن أخذ الحاكم مالَك وجلدَ ظهرك، وأن السلطان الغشوم خير من فتنة تدوم، وأن لا تنابذوهم ما أقاموا فيكم الصلاة، وما نجم عن عقيدة القضاء والقدر من التراخي والتواكل والعزلة والاكتفاء بلعن السياسة ورهبة الساسة(11). إلى غير ذلك من المزاعم التي بثها الاستشراق(12)وخاض فيها أبناء هذا التراث وخَلَفه ممن نقموا عليه وحمّلوه تبعة ما آلت إليه أحوالهم الراهنة من ضعف وفقر وفرقة، وتأخر عن ركب الغربيين المتمكنين.

أ.مدحت ماهر – الباحث السياسي والمدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات السياسية

مجلة المسلم المعاصر ، منشور في العدد 130 ، 1/ ديسمبر 2008

للحصول علي الدراسة كاملة

اضغط هنا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق