نظام ثورة يوليو والإسلاميون: ستون عامًا من الشد والجذب


مقدمة:
واجهت الأقطار العربية والإسلامية –وعلى رأسها القطر المصري- منذ بداية القرن العشرين العديد من التحديات المصيرية على المستويات كافة، ويمكن إجمال هذه التحديات في نقاطٍ ثلاثة، أولها: الجمود الفكري الذي أصبح قيدًا على أي تحرك من شأنه مواجهة التحدي الحضاري الغربي، ثانيها: انهيار السلطة العثمانية التي اتخذت من الدين رباطًا قوميًا يربط الأمة الإسلامية، بجانب تراجع القوة العسكرية والمناعة الحضارية لديها؛ فأصبحت تلك الأوضاع ثغرة للتسلل الاستعماري للشرق، ثالثها: بلوغ الحضارة الغربية مرحلة فتوة الشباب ونضج الحكماء، وسعيها لإنهاء الصراع التاريخي لصالحها باحتواء العرب حضاريًا بالقوة المادية تارة، وبالغزو الثقافي والإغراء الحضاري تارةً أخرى[1].
فانبرت الجهود الوطنية بمختلف ألوانها الفكرية والأيديولوجية لمواجهة هذه التحديات، وتمثل أبرزها في جهود الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا –دعوات الانتماء العقائدي- بجانب سعي مصطفى كامل ومحمد فريد -الانتماء القومي-، وتبلورت هذه الجهود في قيام ثورة 1919، وما تلاها من أحداث وتفاعلات والتي عززت من ضروريات الترابط بين الانتماء العقائدي والانتماء الوطني في مواجهة المحتل الغربي، كما أكدت الحضور الإسلامي على الساحة السياسية من خلال نشأة العديد من الحركات السياسية الإسلامية –في مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين- التي انخرطت في العمل السياسي وشكلت عاملا مؤثرًا في المعادلة السياسية التي عاشتها مصر منذ أكثر من قرن وحتى يومنا هذا.
تشكلت الحياة السياسية المصرية بعد ثورة 1919 من طرفين رئيسيين، الأول: القصر ومن ورائه الإنجليز، الثاني: الفرقاء المصريون (الأحزاب السياسية والحركات الإسلامية..إلخ)، لكل طرف منهم تصورات وأولويات، إلى أن جاءت ثورة يوليو 1952 حيث أُقصي الطرف الأول بسقوط الملكية وقيام النظام الجمهوري وجلاء الإنجليز عن مصر، وأنتجت ثورة 1952 نظامًا سياسيًا جديدًا وظهر طرف جديد في الحياة السياسية المصرية تمثل في العسكريين أو الضباط الأحرار.
كانت الفترة مابين 1919 – 1952 فترة تحولات فارقة في السياسة المصرية، حيث شهدت صعود الطرفين الرئيسيين في العملية السياسة المصرية لفترات طويلة وهما: العسكريون، ممثلون في تنظيم الضباط الأحرار والإسلاميون، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، وجدير بالإشارة أن الساحة السياسية المصرية لم تقتصر على هذين الطرفين، فكان هناك تيارات فكرية متعددة ومتنوعة صعدت خلال هذه الفترة بفعل حالة السيولة الاجتماعية التي أحدثتها ثورة 1919، كالوفد المصري والتيارات الليبرالية والعلمانية، إلا أن الورقة ستركز على الإسلاميين والعسكريين كأطراف رئيسية في معادلة السياسة المصرية.
منذ ذلك الحين، عاشت مصر حالة من الشد والجذب بين الطرفين -الإسلاميين والنظام الذي أنتجته ثورة 1952- وعليه فإن الهدف الرئيس لهذه الورقة يتمثل في رصد وتحليل وتقييم محددات وأبعاد إشكالية العلاقة بين الإسلاميين ونظام ثورة يوليو كواحدة من أبرز القضايا التي تمحورت حولها السياسة المصرية بعد 1952. وهنا تثار العديد من التساؤلات حول هذه العلاقة من قبيل: ما طبيعة العلاقة بين الطرفين؟ وما أسس الخلاف – الصراع أو التعاون؟ وهل كان هذا الصراع نابع عن دوافع عقائدية دينية أم أنه خلاف سياسي؟ وكذلك تداعيات وانعكاسات هذه العلاقة على الحياة السياسية بشكلٍ عام.
جدير بالإشارة، أن دراسة وتحليل العلاقة بين الإسلاميين والعسكريين لابد وأن تنطلق من مستويين رئيسيين، الأول: وهو مستوى النصوص، سواء النصوص المقدسة أو الدستورية، وفق هذا المستوى يتم بحث العلاقة من ثنايا نصوص مجردة ساهمت في تكوين تصورات ورؤى كل طرف، وبعيدًا عن التطبيق الفعلي لهذه النصوص، الثاني: مستوى الخبرة والحركة، هو المستوى الذي يبحث العلاقة من خلال مراجعة التحركات والخبرات التاريخية لكل طرف في علاقته بالطرف الآخر، أي التطبيق الفعلي للنصوص[2]، ونظرًا لأن موضوع الورقة هو دراسة العلاقة بين الإسلاميين والعسكريين في الخبرة المصرية في الفترة 1952 – 2011، -أي سياق تاريخي وجغرافي محدد-، فإن الاهتمام سينصب على المستوى الثاني حيث رصد خبرات وتحركات الفاعلين الذين صاغوا تلك العلاقة ورسموا أبعادها وفق ما تبنوه من تفسيرات وتأويلات للنصوص.
من جهة ثانية، فإن ما يقتضيه التحديد المنهجي، وما يفرضه هذا المستوى –مستوى الحركة- أن يتم التركيز على جماعة الإخوان المسلمين في إطار تناول الاتجاه الإسلامي وعلاقته بنظام ثورة يوليو، وذلك انطلاقًا من كون الجماعة مثلت القطاع الأكبر من حركات الإسلام السياسي، والأكثر انتشارًا داخل وخارج مصر، كما أنها الأقوى تأثيرًا وتفاعلا مع كل الأنظمة السياسية في مختلف السياقات التاريخية والجغرافية، ذلك لما تمتعت به هذه الجماعة من قدرات تنظيمية وفكرية جعلت منها نظامًا يواجه كل الأنظمة، علمًا أنه سيتم التطرق إلى غيرها من حركات الإسلام السياسي كلما كان ذلك ضروريًا وفق مقتضيات الورقة وما تطرحه من إشكاليات وتساؤلات.
ويمكن رصد وتقييم هذه العلاقة من ثنايا خمس ثنائيات[3] حددت بشكل كبير ملامحها، من خلال المقابلة بين الفرص والتحديات التي واجهت الطرفين في تفاعلاتهم مع بعضهم البعض، وتمثلت هذه الثنائيات في: القبول والرفض: أي تحدي الجمع بين سياسات القبول والتعايش مع الطرف الآخر أو رفض وجوده، حيث انتقلت العلاقة –بشكل درامي- من الجانب الأيمن (القبول) إلى الجانب الأيسر (الرفض)، التغاضي والتبرير: شهدت العلاقة بين الطرفين فترات تعاون وتعايش جعلت البعض يتصور أن هناك فرص حقيقية لمد جسور بين الطرفين تقوم على التغاضي: أي تغافل كل طرف عن تجاوزات الطرف الآخر بل والتبرير له، مع إدراك علاقة التلازم بين التعايش أو التعاون مع السلطة والتغاضي لها. المعارضة والمواجهة: وهنا لم يدرك الطرفان –أو أبيا أن يدركا- أن المعارضة لا تعني بالضرورة المواجهة أو الصراع، وعليه فلم توجد خطوط فاصلة بين حدود المعارضة والمواجهة ما حدى بالعلاقة إلى مستوى عالٍ من الدموية في كثير من الأحيان، الإستراتيجية والتكتيك: أي الموازنة بين الأهداف المرحلية والأهداف البعيدة في علاقة كل طرف بالآخر، واستثمار كل طرف ما بينهما من أمور مشتركة في تحقيق أهدافه دون الإضرار بالطرف المقابل، وهو ما لم يحدث، الخطاب والفعالية: تبنى الطرفان خطابًا نقديًا يرفض امتداد علاقة تعايش أو تعاون مع الطرف الآخر بالرغم مما بينهما من مساحات متقاطعة، وكان لهذا الخطاب فعالية الشد والجذب التي امتدت بين الطرفين، فالإسلاميون يرفضون التشارك في الحكم غير الإسلامي، والعسكريون يبنون عقيدتهم العسكرية على ضرورة مواجهة أي حكم غير عسكري، بمعنى أن الخطاب كان له أثره السلبي في الفاعلية.
تأسيسًا على ذلك، تنقسم الورقة إلى ثلاثة محاور رئيسة بجانب التمهيد والخاتمة كالتالي، تمهيد: يتناول الفترة من 1919 – 1952 كفترة صعود وتحول لكلٍ من العسكريين والإسلاميين. أولا: فترة ما بعد ثورة 1952 وحكم الرئيس جمال عبد الناصر (1952 – 1970): من التحالف إلى الصدام. ثانيًا: فترة حكم الرئيس محمد أنور السادات (1971 – 1980): انفراج مؤقت. ثالثًا: فترة حكم الرئيس محمد حسني مبارك (1981 – 2011): من المهادنة إلى الصدام. خاتمة: وتتناول أهم ما توصلنا إليه من نتائج وخلاصات.
تمهيد- الإسلاميون والعسكريون: فترة الصعود والتحول (1919 – 1952)
على صعيد العمل الإسلامي، مثلت حقبة (1919 – 1952) تبلور ونشأة الحركات السياسية الإسلامية الحديثة، كردة فعل على ضعف السلطنة العثمانية وقدراتها الجامعة، فحاول البعض التوجه لإنشاء حركة إسلامية شاملة، على رأس هؤلاء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا[4]، حيث نشأت العديد من هذه الحركات تأسيسًا على جهودهم ودعوتهم[5].
جاءت ثورة 1919 لتحدث تغييرات جذرية في المجتمع المصري، حيث أدخلت الأمة (الشعب) كقوة ثالثة مؤثرة وفاعلة بين السلطتين الشرعية (الملك أو القصر) والفعلية (الإنجليز)[6]، وهو المناخ الذي هيأ لصعود قوى أو فصائل مصرية مؤثرة في الحياة السياسية بعد أن كانت مقتصرة على الملك والإنجليز، ففي عام 1928 تأسست أكبر جماعة إسلامية –الإخوان المسلمون- وبدأت ممارسة عملها الدعوي والتطوعي ثم اندمجت في العمل السياسي بدءًا من عام 1938[7]، ثم وُضعت الأسس الأولى لتنظيم الضباط الأحرار عام1939[8] –وإن لم يعرف بذات الاسم وقتها- ليمثل طرف ثاني صاعد في المعادلة السياسية المصرية، بعد أن فتحت الأكاديميات والكليات العسكرية أبوابها أمام أبناء الفئات الفقيرة والمتوسطة بعد أن كانت مقتصرة على أبناء أصحاب الأملاك والأرستقراطية الزراعية عام 1936[9]، وكان من بين هذه الفئات شريحة ضمت ثمانية من الضباط الأحرار ولحق بهم البقية فيما بعد[10]. ليظهر بذلك أثر الثورة –ثورة 1919- في فتح المجال العام المصري للترقي الاجتماعي وصعود فئات جديدة أثرت –بل وحددت- شكل ومسار بنية الدولة المصرية.
ومن هنا بدأت تتجمع خيوط مسيرة طويلة من الشد والجذب بين العسكر والإسلاميين، حيث استطاعت جماعة الإخوان جذب بعض شباب ضباط الجيش للاهتمام بالقضايا العامة، لاسيما بعد تولي عزيز المصري –المعروف بعدائه للإنجليز- القيادة العامة للجيش والذي جمعت بينه وبين جماعة الإخوان صلات طيبة، وقد اتخذ الإخوان قضايا مثل اضطهاد الجنود داخل الجيش موضوعًا لإلقاء الخطب والمحاضرات بالوحدات العسكرية، وقد قام حسن البنا –مؤسس جماعة الإخوان- بترتيب لقاءات مختلفة بين الضباط وعزيز المصري لمناقشة آليات مواجهة الاحتلال الإنجليزي، ثم ازدادت العلاقة بين الطرفين وثوقًا خلال حرب فلسطين ليتولى الضباط تدريب متطوعي الإخوان، إلى أن ساهم قرار النقراشي بحل الجماعة 1948 في ازدياد تعاطف الضباط مع الإخوان، كذلك حادث اغتيال البنا عام 1949، كما استمر التواصل فيما بين الطرفين في حرب الفدائيين في منطقة القناة 1950 – 1951[11].
من الواضح إذن أن هناك مجموعة من العوامل أو الأهداف المشتركة التي جمعت بين الإخوان المسلمين والضباط الأحرار، سواء العداء للإنجليز، أو السخط على الظروف العامة والسياسات الحكومية، وكذلك أوضاع الجيش المتردية وما يعانيه الجنود من اضطهاد، ثم جاءت حرب فلسطين لتبرز القدرة التنظيمة والتطوعية لأفراد الجماعة والتي أُعجب بها العديد من الضباط، وقد ساهمت هذه العوامل في صعود الطرفين ولعب أدوار مهمة.
على الرغم من ذلك، لم ينجح الطرفان في التفاهم على طول الطريق، ولم يسع أي منهما إلى استغلال ما بينهما من أهداف مشتركة في بناء جسور ممتدة للتخلص من الاحتلال والحكم الملكي الذي يرون فيه مفاسد كثيرة؛ وبدأ يظهر الشقاق في رؤية كل منهما للسلطة وكيفية تقلدها وعملية الإصلاح، وعليه، فإن العلاقة بين الطرفين بالرغم من بدايتها التوافقية أو التحالفية، إلا أنها اتحذت مسار المواجهة والصراع في العديد من المراحل –كما سيتضح فيما بعد.
أولًا- فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر (1952 – 1970): من التحالف إلى الصدام[12]
ظهر التعاون أو التحالف بين الإسلاميين (الإخوان المسلمين) والعسكريين (الضباط الأحرار) في التنسيق والتحضير لثورة 23 يوليو 1952، حيث –كما سلف الذكر- قد بدأت علاقة الضباط بالإخوان في وقت سابق للثورة، إذ كان بين هؤلاء الضباط أعضاء منتمون لجماعة الإخوان المسلمين تنظيميًا وفكريًا، فتنظيم الضباط الأحرار لم يكن تنظيمًا سياسيًا ذات إطار فكري موحد أو يتبنى أهدافًا سياسية محددة[13].
وكان من تجليات هذا التحالف، قيام جماعة الإخوان بإصدار بيان لتأييد حركة الضباط الأحرار ووصفها بأنها حركة مباركة، وكذلك اتجاه نظام الثورة لرد الاعتبار للجماعة من خلال إعادة فتح التحقيق في قضية اغتيال حسن البنا والقبض على المتهمين، والإفراج عن أعضاء الجماعة المسجونين في قضايا سياسية كاغتيال النقراشي أو الخازندار[14]، بجانب طلب محمد نجيب ترشيح الجماعة لثلاثة من أعضائها لعضوية الوزارة التي شكلها –محمد نجيب- عقب استقالة على ماهر 1952[15]، ولما صدر قانون حل الأحزاب السياسية في يناير 1953 أُستثنيت منه جماعة الإخوان باعتبارها جماعة خيرية دينية[16].
قدَّر كثيرون –حينذاك- أن هناك بوادر لتحالف استراتيجي فريد من نوعه بين النظام الجديد الذي أفرزته ثورة يوليو 1952 والاتجاه الإسلامي بقيادة جماعة الإخوان، لكن حين تبدلت موازين القوى لصالح الطرفين، بدأ كل طرف في ترتيب أولوياته، وهنا ظهر الخلاف والتنافر، حيث تمثلت أهداف النظام الجديد في، أولا: ضرورة إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وصياغة دورها السياسي وفرض هيمنتها على مفاصل الدولة، ثانيًا: تحقيق جلاء الجيش الإنجليزي بهدف كسب الظهير الشعبي، ثالثًا: الإصلاح الزراعي في الريف المصري بهدف شل مقدرات الأرستقراطية المصرية وتحييدها. ويبدو أن أولويات الإخوان كانت تختلف عن هذا التسلسل، بل يمكن القول بأن نظام الأولويات وترتيبها لدى الإخوان لم يكن واضحًا بالقدر الكافي، بمعنى أن الإخوان وقتها كانوا يعرفون بالضبط ما لا يريدون لا ما يريدون[17]، فقد كانوا ضد سيطرة الجيش على مقدرات الدولة ولم يكن لديهم نظام بديل واضح لشكل الحكم، كانوا ضد الوجود الإنجليزي في مصر لكنهم عارضوا مفاوضات عبد الناصر مع الإنجليز بشأن الجلاء (باعتبار أن عدم مشاركتهم في هذه المفاوضات يبطل مشروعيتها الشعبية الوطنية)، كانوا ضد استحواذ فئة صغيرة على الأطيان ورفضوا تهميش المعدمين ومع ذلك عارض الهضيبي قانون الإصلاح الزراعي[18].
لم تكن عوامل التنافر على مستوى الأهداف فقط، فعلى الرغم من اعتماد كلا الطرفين على فكرة فردية القيادة والطاعة المطلقة، إلا أن الأسس الأيديولوجية الحاكمة لهذا التصور اختلفت اختلافًا جذريًا، وهو الأمر الذي جعل مساعي التوفيق بين الطرفين في نظام سياسي واحد أمر صعب ومعقد، كما امتد هذا التنافر ليشمل التناقض بين الفكر الديني للطرفين، أو تصور كل منهما لعلاقة الدين بالدولة، حيث يرى عبد الناصر أن الدين ما هو إلا جزء من عملية التنمية الشاملة ويمكن توظيفه لدعم توجهاته السياسية والإجتماعية[19]، بينما ترى جماعة الإخوان أن الأساس الديني هو جوهر أي رؤية إصلاحية وموجهًا لها وليس العكس.
على مستوى الممارسات، كان من الضرورة بمكان أن تتقاطع ممارسات الطرفين بشكل يظهر الاختلافات والتناقضات على مستوى الأهداف والأسس الفكرية، فإذا كان رفض جماعة الإخوان المسلمين المشاركة في وزارة نجيب التي تشكلت ديسمبر 1952 قد مثل تجسيدًا واقعيًا مبكرًا للخلافات بين الطرفين على مستويات أعلى، فإن عام 1954 كان بمثابة مفترق طريق، حيث وقع خلاله أزمات عصفت بما تبقى من أواصر التفاهم، تمثلت الأزمة الأولى: إصدار قرار – 14 فبراير 1954- بحل جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها حزبًا سياسيًا[20] واعتقال العديد من أعضائها بتهم التواطؤ مع الإنجليز والسعي لقلب نظام الحكم، الأزمة الثانية: أنه عقب استقالة محمد نجيب -23 فبراير 1954- قامت جماعة الإخوان بتنظيم المظاهرات المطالبة بعودة نجيب ما خلق حالة من المواجهة المباشرة بين أفراد الجماعة والبوليس وتحولت المظاهرات إلى اضطرابات عامة، الأزمة الثالثة: محاولة أحد أعضاء الجهاز السري لجماعة الإخوان اغتيال جمال عبد الناصر أثناء إلقاء خطاب في الإسكندرية فيما عُرف بحادث المنشية[21]. هكذا، كان عام 1954 بمثابة حجر الأساس الذي حدد وجهة ومسار العلاقة بين الإسلاميين ونظام ثورة يوليو، فقد رسمت هذه الأزمات وما تبعها من حلقات صراعية متصلة ملامح ستين عامًا شدًا وجذبًا بين الطرفين.
كان جمال عبد الناصر على وعي شديد بأهمية الدين ودوره في مشروعه التحديثي، وحرص على توظيف الدين في دعم توجهاته الداخلية والخارجية، لكنه سعى إلى احتكار المشروعية الدينية وسحبها مجتمعيًا من تحت سيطرة التنظيمات الإسلامية وأيضًا المؤسسات الدينية التقليدية[22]، وفي إطار تحقيق هذا الهدف، سلك عبد الناصر طريقين متقاطعين، الأول: تحييد الجماعات والتنظيمات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمون وإبعادهم عن الحياة السياسية بشكل كامل، الثاني: احتواء المؤسسة الدينية التقليدية (الأزهر) وتحجيم دورها في حدود دعم النظام، وعليه قام عبد الناصر بتأميم الأوقاف الأهلية عام 1953، والأوقاف الخيرية عام 1957 التي كانت بمثابة الأساس الاقتصادي لمؤسسة الأزهر، كما ألغى العمل بنظام المحاكم الشرعية عام 1955 وأحل نظامًا قضائيًا مدنيًا، واستحدث المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عام 1960 وضم إليه العديد من المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين[23]، بهذا استطاع عبد الناصر إحكام سيطرته على مؤسسة الأزهر وطرحها كبديل للتنظيمات الإسلامية التي أبعدها عن العمل السياسي.
ساهمت فترة حكم عبد الناصر وما صاحبها من تسلط وقمع -لأبناء التيار الإسلامي- في ظهور مدرسة فكرية جديدة داخل صفوف الإخوان المسلمين، وهي المدرسة القطبية نسبةً لصاحبها (سيد قطب)، الذي كان منهجه يمثل إطارًا مرجعيًا لكثير من الجماعات الإسلامية التي تأسست فيما بعد كجماعة الجهاد وجماعة المسلمين (التكفير والهجرة)، وقد اشتملت هذه الجماعات على رؤى وأفكار خرجت عن فكر مؤسسي جماعة الإخوان [24]، ويُعد الفكر القطبي بمثابة ردة فعل طبيعية على الظروف غير الإنسانية التي تعرض لها المعتقلون داخل سجون عبد الناصر، وما إن وصل هذا الفكر إلى ذوي المعتقلين الذين يعيشون ظروفًا اقتصادية اجتماعية سيئة حتى وّلد حالة من السخط على النظام ورغبة جامحة في الانتقام.
وقد سعى العديد من المتأثرين بالأفكار القطبية لإعادة ترتيب صفوفهم وإحياء تنظيمات جديدة لمواجهة النظام وتسلطه، وما إن خرج الزعيم الفكري لهذه التنظيمات بعفو صحي عام 1964 إلا ووجد ثمار أفكاره تزاحم الواقع مدفوعة بروح الانتقام، وقد سعت هذه التنظيمات إلى مواجهة النظام بالقوة من خلال شل حركة البلاد وضرب المنشآت العامة واستهداف شخصيات سياسية ذات شأن، إلا أن الحكومة قد كشفت هذه المخططات -عام 1965- وأبطلت مفعولها، في إطار الصراع الدموي بين النظام والإسلاميين[25].
وقد طُويت صفحة من صفحات الصراع بين نظام ثورة يوليو والإسلاميين بمشهد مأسوي، ومنعرج أيديولوجي تاريخي، حيث قاد النظام مواجهة حاسمة عقب ما عُرف بقضية تنظيم 1965، إذ أُعدم ستة من قيادات الإخوان –بينهم سيد قطب- وسُجن الآلاف وهاجر العدد الأكبر إلى المنفى[26]، لتبدأ مرحلة جديدة بعد وفاة عبد الناصر وأفول نجم الاشتراكية القومية العربية.
ثانيًا- فترة حكم الرئيس محمد أنور السادات (1970 – 1981): انفراج مؤقت
انتقلت مصر برحيل الرئيس جمال عبد الناصر –سبتمبر 1970– لمرحلة جديدة سياسيًا ومجتمعيًا، وشكلت الفترة التي تولاها الرئيس محمد أنور السادات –1970: 1981– فصلا جديدًا من رواية الشد والجذب بين الاتجاه الإسلامي والسلطة السياسية، حيث طرأت على كل طرف تغيرات مهمة أضفت على هذه الفترة –فترة السبيعينات- شيءً من الخصوصية التاريخية في مسير ومسار العلاقة بين الطرفين.
جاء نظام السادات ليشكل ارتدادًا على النظام الذي أرسى دعائمه عبد الناصر، وسلك طريقًا بدا وكأنه مناقض لما رسمه سلفه من حيث التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية، إذ إن السادات لم يكن يمتلك ما يمتلكه عبد الناصر من مقومات سواء من حيث الشعبية الجماهيرية أو الكاريزما الشخصية، فكان من الطبيعي أن يتجه اتجاهًا مخالفًا لعبد الناصر ليؤسس ويرسي دعائم نظامه الجديد وفق ما يراه وما يمليه عليه الظرف التاريخي داخليًا وخارجيًا، فانتقل السادات بمصر من محاباة السوفيت إلى تأييد الغرب، ومن تبني الأيديولوجية الاشتراكية كأساس للتنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي إلى الرأسمالية والانفتاح على الغرب، وفي هذا السياق أنهى السادات القطيعة التي صنعها عبد الناصر مع التيارات الإسلامية، ففتح المجال أمامهم وأخرجهم من غيبات السجون لمسارات العمل الدعوي والسياسي.
كان عقد السبعينيات بالنسبة للاتجاه الإسلامي بمثابة فترة الصعود والإحياء الجديد بعد ما تعرضت له تيارات هذا الإتجاه من تنكيل، وتحجيم، وتحييد في فترة حكم عبد الناصر، ويمكن إجمال عوامل[27] هذا الصعود في، أولا: الفراغ السياسي الذي نتج عن إخفاق قوى المعارضة غير الدينية واليسارية في التعامل مع معضلات التخلف والتنمية ومواجهة التحديات المختلفة، وكذلك الإخفاق في استيعاب الثقافة الإسلامية والتعامل معها كأحد أهم مقومات المجتمع المصري[28]، ثانيًا: التنكيل الذي تعرضت له الجماعات الإسلامية في الفترة 1954: 1970 بما ساعد في تنامي التعاطف الشعبي وإعادة صياغة توجهات الرأي العام وتصوراته عن فلسفة هذه الجماعات ودورها السياسي والاجتماعي، ثالثًا: الظرف التاريخي عربيًا وإسلاميًا، إذ حملت هذه الفترة ظروفًا إقليمية ساعدت على تزايد ونمو الحركات الإسلامية، فبعد تولي السادات أصبحت المواجهة مع إسرائيل مسألة وقت، والعديد من الدول العربية والإسلامية استغلت هذه الحركات كورقة تقارب مع نظام السادات وهو الأمر الذي أدى إلى تزايد الوزن السياسي لهذه الحركات، كما ساهمت أحداث إقليمية مثل التدخل السوفيتي في أفغانستان والثورة الإيرانية 1979 في اتجاه الأنظار لهذه الحركات وما تقوم به، رابعًا: المناخ السياسي المواتي الذي حرص على تهيئته نظام السادات لتشكيل جبهة قادرة على مواجهة التيارات الناصرية واليسارية[29].
القراءة الأولية للعلاقة بين نظام السادات والإسلاميين تقول بقيام تحالف استراتيجي على خُطى عبد الناصر، إلا أن هذه العلاقة يمكن تفسيرها من ثنايا اتجاهين رئيسيين، الأول: يقول بوجود دعم مباشر من النظام للجماعات الإسلامية بهدف إحداث توازن سياسي في المجتمع والتصدي للمد الناصري واليساري، الثاني: أن النظام كان يقوم بدور المراقب من بعيد لحركة إسلامية تنمو بسرعة ويتزايد تأثيرها، وبمقابلة هذين الاتجاهين يمكن رصد الواقع التاريخي بأن هذا الترابط أو التحالف جاء نتيجة لمناخ سياسي معين ألم بالمجتمع المصري والعربي والإسلامي، وتضافرت عوامل عديدة -سبق ذكرها-داخلية وخارجية، بنيوية ووظيفية، ذاتية وموضوعية- في تشكيل هذه العلاقة ورسم ملامحها[30].
على جانب آخر، إن القول بتشابه البدايات بين نظامي عبد الناصر والسادات من حيث التحالف مع الإسلاميين واستغلالهم سياسيًا قول يمكن الرد عليه بأن السياق التاريخي للحالتين يتناقض بشكل يجعل هذا التشابه من قبيل الصدفة ليس إلا، حيث إن التنسيق بين جماعة الإخوان وعبد الناصر –كأطراف ثانوية في المعادلة السياسية- كان سابقًا على التقارب المباشر حيث جمعت بينهم العديد من العوامل المشتركة –كالرغبة في التخلص من الإنجليز والملكية- التي هيأت الظروف لقيام مثل هذا التحالف، بينما كان السادات جزءً من النظام الناصري في عدائه للإسلاميين، وجاء هذا التقارب وفق ما فرضته مقتضيات اللحظة الراهنة حينذاك.
بالتالي، لم يكن هذا التحالف سوى انفراجة مؤقتة في العلاقة بين الطرفين، حيث ظهرت بوادر الخلاف والصدام حين أبدت بعض الجماعات الإسلامية معارضتها لسياسيات السادات، مثل توجهات السادات الخارجية “مصر أولًا”، والشعارات الليبرالية المنفتحة التي رفعها، واتخذ هذا الصدام منحنى عنيف عام 1974 حين حاولت منطمة التحرير الإسلامي تنفيذ أول “انقلاب إسلامي” بتفجير مقر الاتحاد الإشتراكي والقبض على السادات، وتوالى الصدام بين النظام وجماعات إسلامية أخرى كالتكفير والهجرة، وجند الله، وجماعة الجهاد[31]، ومع زيارة السادات للقدس -9 نوفمبر 1977- اتجهت عملية السلام مع إسرائيل على عكس الرياح التي تصورتها الجماعات الإسلامية، حينها أعلنت التيارات الإسلامية في مصر بكل مضامينها –باستنثاء الأزهر كمؤسسة- رفضها لمشروع السادات مع إسرائيل، وعليه اهتدى السادات بالخبرة التاريخية لفترة عبد الناصر وشن حملة تضييق أمني واعتقالات بحق التيارات الإسلامية[32].
عقب ذلك، اتجهت الدفة نحو مزيد من المواجهة، حيث ازداد السخط العام على سياسات السادات بعدما تدهورت الأوضاع الاقتصادية تأثرًا بقوانين الانفتاح الاقتصادي، واتخاذ عملية السلام مع إسرائيل شكل سافر لم يراع التوجهات العامة لمختلف التيارات، وما إن جاء عام 1981 إلا وكان السادات قد فقد كل قواعد التأييد من اليمين إلى اليسار، ما دفع بعض شباب الجماعات الدينية لاغتياله في 6 أكتوبر 1981 فيما يُعرف بحادث المنصة[33]، ومعه انتهى فصل آخر من رواية الشد والجذب بين نظام ثورة يوليو والإسلاميين.
ثالثًا- فترة حكم الرئيس محمد حسني مبارك (1981 – 2011): من المهادنة إلى الصدام
بنيويًّا، لم يكن الرئيس محمد حسني مبارك –الذي تولَّى الحكم عام 1981– ينتمي إلى تنظيم الضباط الأحرار، وإنما انتمى لهذا التنظيم فكريًا ووظيفيًا -وبالتالي مثل نظام مبارك حلقة أخيرة من حلقات نظام ثورة يوليو-، حيث كان مبارك حديث العهد بالحياة السياسية، إذ عينه السادات نائبًا له عام 1975 تقديرًا لجهوده في حرب أكتوبر 1973، وعليه استمرت أهم التوجهات السياسية والاقتصادية لنظام السادات في مرحلة حكم مبارك (1981 – 2011)، مع إدخال بعض التعديلات والتغييرات بشكل تدريجي لتشمل مختلف جوانب النظام[34].
يمكن قراءة العلاقة بين نظام مبارك والإسلاميين على مرحلتين، الأولى: فترة الثمانينيات التي مثلت التعايش والمهادنة بين الطرفين، إذ كان الإسلاميون في أمس الحاجة لإعادة البناء الداخلي وتنظيم صفوفهم بعد خروجهم من محنة المعتقلات التي ضربتهم بعد حادث اغتيال السادات، وكذلك كان النظام يسعى لترسيخ أركانه والابتعاد عن المواجهة المباشرة مع أي طرف، الثانية: فترة التسعينيات وما بعدها والتي مثلت فترة صدام وصراع متجدد بين الطرفين، وكان أبرز سمات هذه المرحلة ما يمكن تسميته “مباراة الصراع على الشرعية”، فكان كل طرف يسعى من خلال ما يمتلكه من أدوات لكسب الشرعية القانونية أو الشعبية.
أدخل الإسلاميون أساليب جديدة في علاقتهم بالنظام، تمثلت هذه الأساليب في، 1- استغلال الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية والنقابية كورقة ضغط على النظام، 2- الخدمات المتميزة التي قدموها من خلال مؤسسات كالنقابات والاتحادات الطلابية ونوادي أعضاء هيئة التدريس، 3- الشبكات التنظيمية الفعالة، حيث قدموا هذه الخدمات من خلال شبكة تنظيمية جعلتهم يكسبون شرعية التنظيم والتنسيق في مقابل عشوائية النظام وتيارات المعارضة الأخرى[35].
مع مطلع التسعينيات، لاحت بوادر الصدام والخلاف بين الطرفين، حيث قاطعت جماعة الإخوان المسلمين الانتخابات البرلمانية عام 1990 كتوظيف عكسي لورقة الاستحقاقات الانتخابية، كما اختلفت الجماعة مع توجهات النظام بشأن بعض القضايا مثل حرب الخليج الثانية 1991 فكان موقف الجماعة مؤيدًا للعراق ورافضًا للتدخل الأجنبي في الشأن الإسلامي والعربي على عكس موقف النظام، وقد استخدمت الجماعة سيطرتها على النقابات والاتحادات الطلابية للتعبير عن موقفها، وهنا أدرك النظام خطورة التنظيمات الإسلامية وما وصلت إليه من قوة فكرية وتنظيمية داخل المجتمع المصري، فعمد لاتباع أساليب قمعية متنوعة سواء كانت إعلامية أو سياسية أو تشريعية بهدف تحجيم دور هذه التنظيمات[36].
يمكن قراءة فترة التسعينيات وما حملته من تفاعلات وتشابكات بين نظام مبارك والتنظيمات الإسلامية عمومًا في ضوء المراجعات الفكرية التي تعرضت لها هذه التنظيمات بما جعلها تتجه للعنف كسبيل للرد على قمع النظام، فقد شهدت هذه الفترة –التسعينيات- عمليات إرهابية داخل وخارج مصر استهدفت مصالح وأهداف مصرية، ففي عام 1993 حاولت بعض العناصر المنتمية للتنظيمات الإسلامية اغتيال رئيس الوزراء عاطف صدقي، كما حدثت محاولة لاغتيال وزير الداخلية حسن الألفي، أيضًا شهد عام 1995 محاولة اغتيال الرئيس مبارك بالعاصمة الأثيوبية[37]، أظهرت هذه العمليات التحولات التي طرأت على التنظيمات الإسلامية فكرًا وحركةً، وهو الأمر الذي أدركه النظام فاتجه لسياسات تهدف إلى تحجيم وتفكيك هذه التنظيمات بمختلف أشكالها.
الرغم من حصول الإسلاميين –أو الإخوان المسلمين على وجه التحديد- على ثمانية مقاعد في انتخابات عام 1984، إلا أن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية بعد ذلك أصبحت مشروطة برؤية نظام مبارك، ففي عام 2005 –على سبيل المثال- سمح النظام للجماعة بالمشاركة في الانتخابات مقابل عدم التحالف مع جهات داخلية أو خارجية للضغط على النظام، وفي عام 2006 شن النظام حملة أمنية موسعة على جماعة الإخوان لمنع مرشحيها من خوض الانتخابات العمالية والطلابية، وتكرر الأمر نفسه في انتخابات مجلس الشورى 2007، والانتخابات المحلية 2008، وصولًا لانتخابات مجلسي الشعب والشورى 2010[38].
لم تقتصر مظاهر الصراع والصدام بين الطرفين على القضايا السياسية مثل قضية الديمقراطية وآليات تطبيقها، بل امتدت لتشمل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة ورؤية كل طرف لعملية التنمية والإصلاح، كما عارضت التيارات الإسلامية سياسات النظام الخارجية مثل استمرار العمل باتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات مع إسرائيل، وسياسات الانفتاح على الغرب التي رسخها السادات واستمرت –مع إعادة تمظهرها- لعهد مبارك، وبقيت علاقة الشد والجذب بين الطرفين إلى أن جاءت ثورة 25 يناير 2011 ووضعت نهاية نظام ثورة يوليو 2011.
خاتمة:
يأتي التساؤل الإشكالي في مقدمة ما نود الإشارة إليه، حول ما إذا كان الصراع بين الطرفين ينبع عن دوافع عقائدية أم سياسية، وهل كان الإسلاميون في صراعهم مع نظام ثورة يوليو يبتغون من وراء ذلك الوصول إلى السلطة؟، وهل قامت ثورة يوليو في فلسفتها وفق أسس فكرية ومنهجية معادية للإسلام؟ وهل قامت الأنظمة السياسية المختلفة على أساس العداء للتيارات الإسلامية أم أن هناك عوامل موقفية دفعتها لذلك؟
يمكن تصوير الإجابة على هذه التساؤلات من ثنايا اتجاهين، الأول: يتخذ من ثورة يوليو موقفًا صلبًا، بل ولا يرى أنها ثورة من الأساس بل انقلابًا عسكريًا نفذه مجموعة من الضباط على النظام الملكي بالتعاون من الولايات المتحدة[39]، وعليه يرى هذا الاتجاه أن ممارسات الأنظمة السياسية التي أنتجها هذا الانقلاب لا تعبر إلا عن الرؤية الأمريكية في عدائها للإسلام والمسلمين، وكان من اللازم أن تعادي هذه الأنظمة كافة التنظيمات السياسية المعارضة وترتكب بحقهم أفظع الجرائم، أو تعمل على احتوائهم لتنفيذ سياستها الداخلية والخارجية، وبالتالي فإن هذا الاتجاه يرى أن الصراع بين الإسلاميين والسلطة في هذه الفترة ما هو إلا صراع عقائدي وحرب على الإسلام، الثاني: يرى أن صدامات ثورة يوليو مع التيارات الإسلامية ما هي إلا صراع على السلطة، ولم تكن دينية أو عقائدية، وعليه فإن أي مظهر من مظاهر هذا الصراع لم يكن سوى تعبير عن ميزان القوة بين الطرفين، ويعتبر هذا الاتجاه أن أي سلوك قمعي انتهجه النظام السياسي في أي مرحلة من المراحل ضد أي من التيارات الإسلامية كان تعبيرًا من السلطة عن قلقها وأن هذه التيارات أصبحت تشكل خطرًا عليها، كما يدلل هذا الاتجاه بالقول إنه لم تنشب –مثلا- معارك بين الطرفين حول أي عنصر من عناصر العقيدة الإسلامية، وأن ثورة يوليو عبرت عن موقفًا معتدلًا تجاه الإسلام واختلفت عن الثورات الأخرى التي أعلن بعضها اتجاهًا علمانيًا صريحًا (ثورة أتاتورك مثلًا)، وأعلن البعض الآخر التشدد والمغالاة وتضخيم دور الدين ومؤسساته (الثورة الإيرانية مثلًا)[40].
انطلاقًا من كون أن الحقيقة التاريخية تقع بين متناقضين، فإن المقابلة بين هذين الاتجاهين تشير بأن: إذا كانت ثورة يوليو قد تمت بإيعاز من المخابرات الأمريكية وانطلقت في مسيرتها لعداء الإسلام والتيارات الإسلامية، فإن الدور المجتمعي للدين لم يسمح بذلك، فحركة الضباط الأحرار لم يكن لها بناء فكري أو أيديولوجي موحد وهو الأمر الذي سمح بولوج عناصر إسلامية ذات تأثير داخل هذا التنظيم، وعليه فإذا كان القول بأن ثورة يوليو أمريكية الصنع، فإن دور هذه العناصر قد فرغ هذا القول من مضمونه، كما أن أي من التيارات الإسلامية بمختلف مشاربها لا يمثل الإسلام ذاته كعقيدة، لذا فالقول بأن عداء النظام لهذه التنظيمات عداء للإسلام ذاته هو قول غير سليم، كما أنه من الضروري التفرقة بين الأفكار والأشخاص، فإذا كانت ثورة يوليو فكرة عبرت عن مجتمع، فإن الشخص الذي تولى السلطة بعد ذلك لا يمكن أن يعبر عن هذه الفكرة قولًا واحدًا، فإذا اعتبرنا أن نظام عبد الناصر –مثلا- كان نتاجًا لثورة يوليو، فإن ممارسات هذا النظام لا يمكن أن تنسب للثورة مباشرةً دون تمحيص وتحليل.
إجمالًا، يمكن تبني موقفًا وسطًا بشأن علاقة الشد والجذب بين نظام ثورة يوليو 1952 والإسلاميين، يقوم على حقيقة أن التحالف الذي قام بين الطرفين يمكن قراءته في حدود الرؤى الاستراتيجية والمعطيات الداخلية والخارجية وما تفرضه من قيود وفرص أمام كل طرف، كما أن حالة الصراع المستمر من عبد الناصر لمبارك بين النظام والإسلاميين ما هي إلا حالة صراعية بين أطراف معادلة سياسية واحدة ينبغي قراءتها على مستويات متعددة وليس مستوى واحد، ذلك لإدراك حقيقتها.
*****
هوامش
(*) باحث في العلوم السياسية.
[[1]) محمد عمارة، العرب والتحدي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ، العدد 29، مايو 1980، ص127.
[[2]) حسنين توفيق إبراهيم، الإسلام والسياسة في الوطن العربي خلال القرن العشرين، في: الأمة في قرن (عدد خاص من أمتي في العالم)، الكتاب الرابع “أنماط الفواعل والتفاعلات في الداخل الإسلامي”، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، مكتبة الشروق الدولية، 2001)، ص ص 69 – 70، متاح عبر الرابط التالي:
[[3]) أشار الدكتور محمد مختار الشنقيطي إلى هذه الثنائيات الخمس في إطار حديثه عن الإخوان المسلمين وعلاقتهم بالسلطة، لكن تضمين هذه الثنائيات كان في سياق مختلف، حيث أوردها كمتناقضات تقع فيها جماعة الإخوان المسلمين في علاقتها بالسلطة، راجع: محمد بن مختار الشنقيطي، الإخوان المسلمون والعلاقة بالسلطة، مركز الجزيرة للدراسات، 26 أغسطس 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2HsVKWg .
- محمود عاشور مؤمن، نشأة الحركة السياسية الإسلامية: من الوهابية للإخوان: تحولات الفكر والحركة، فصلية قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، العدد 13، أبريل 2019، ص ص 96 – 106، متاح عبر الرابط التالي:
- دليب هيرو، الأصولية الإسلامية في العصر الحديث، ترجمة: عبد الحميد فهمي الجمال، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997) ، ص ص 99 – 113.
[[5]) للمزيد حول هذه الحركات وتقسيماتها وأنواعها ونشاطاتها، راجع: عبد المنعم منيب، دليل الحركات الإسلامية السياسية المصرية، (القاهرة: مكتبة مدبولي، ط1، 2010).
[[6]) طارق البشري، مقدمة عن ثورة 1919، فصلية قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، العد 12، يناير 2019، ص 27، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2lRYB3m
[[7]) طارق البشري، الحركة السياسية في مصر، (القاهرة: دار الشروق، ط 2، 2002) ، ص113.
[[8]) محمد سمير الجبور، الدور السياسي للمؤسسة العسكرية المصرية في ظل التحولات السياسية، (غزة: جامعة الأزهر، 2014)، ص ص 18 – 19.
[[9]) عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2017)، ص77
- انظر أيضًا: أنور عبد الملك، المجتمع المصري والجيش، (القاهرة: كتاب المحروسة، ط1، 2005)، ص86.
[10] طارق البشري، الحركة السياسية في مصر…، مرجع سابق، ص539.
[[11]) راجع في هذا الصدد: زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات 1952 – 1981، (القاهرة، مكتبة وهبة، ط1، 1987)، ص ص11 – 16.
[12] من المهم في سياق تناول العلاقة بين الإسلاميين ونظام عبد الناصر على وجه التحديد إدراك أهمية الجوانب المنهجية بشأن مراجعة الحدود الفاصلة بين الطرفين، وكذلك فلسفة المقابلة أو المقارنة بينهما وما تنطوي عليه من تحيز وإصدار أحكام عاطفية غير موضوعية، وصولا إلى التوظيف السياسي للمفاهيم والمصطلحات في تصوير كل طرف لعلاقته بالطرف الآخر، يمكن مراجعة ذلك في: محمد شومان، ملاحظات أولية حول إشكاليات الإسلام والناصرية، مجلة منبر الحوار، العددان 23 – 24، 1992، ص ص 63 – 71.
[13] عبد الله إمام، عبد الناصر والإخوان المسلمون، (القاهرة: دار الخيال، ط1، 1997)، ص 76.
[[14]) زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات 1952 – 1981…، مرجع سابق، ص ص 21 -22.
[16] المرجع السابق، ص 28.
[[17]) عبد الله النفيسي، الإخوان المسلمون في مصر: التجربة والخطأ، (في): عبد الله النفيسي، الحركة الإسلامية – رؤية مستقبلية: أوراق في النقد الذاتي، (الكويت: آفاق للنشر والتوزيع، ط1، 2011)، ص 224.
[[18]) دليب هيرو، الأصولية الإسلامية في العصر الحديث…، مرجع سابق، ص127.
[[19]) زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات 1952 – 1981…، مرجع سابق، ص 23.
[[20]) جدير بالإشارة أن وزارة الداخلية أرسلت خطابًا لجماعة الإخوان لتحديد هويتهم، وانقسم رأي الجماعة إلى فريقين، الأول: يرى أنها جماعة دينية، الثاني: يرى أنها حزب سياسي، وقد كانت الغلبة للرأي الثاني وأُرسل الرد يؤكد أنها حزب سياسي وبالتالي ينطبق عليها قرار حل الأحزاب، المرجع السابق، ص27.
[[21]) للمزيد حول تفاصيل هذه الأحداث، انظر: المرجع السابق، ص ص 24 – 64.
[22] حسام تمام، الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة، (القاهرة: دار الشروق، ط1، 2010)، ص 170.
[23] زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات 1952 – 1981…، مرجع سابق ص ص 66 – 76.
[24] عبد الله النفيسي، الإخوان المسلمون في مصر: التجربة والخطأ…، مرجع سابق، ص 231 – 232.
[[25]) زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات 1952 – 1981…، مرجع سابق، ص ص77 – 84.
[26] حسام تمام، الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة..، مرجع سابق، ص 117 – 172.
[27] للمزيد حول عوامل الإحياء الإسلامي في فترة السبعينيات بشكلٍ عام، راجع: رفعت سيد أحمد، الحركات الإسلامية في مصر وإيران، (القاهرة: سينا للنشر، ط1، 1989)، ص ص 33 – 42.
[28] المرجع السابق، ص 36.
[[29]) فؤاد عبد الرحمن محمد البنا، الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر، (الخرطوم: جامعة إفريقيا العالمية، مركز البحوث والدراسات الإفريقية، د. ت)، ص 197.
[30] أحمد التهامي عبد الحي، الأجيال في السياسة المصرية: دراسة حالة لجيل السبعينيات، (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، 2009)، ص ص 75 – 76.
[31] زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات 1952 – 1981…، مرجع سابق، ص ص 100 – 106.
[32] عبد المنعم أبو الفتوح، شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر 1970 – 1984، تحرير: حسام تمام، تقديم: طارق البشري، (القاهرة: دار الشروق، ط2، 2012)، ص ص 110 – 112.
[33] زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات 1952 – 1981…، مرجع سابق، ص ص 128 – 131.
[34] للمزيد راجع: على الدين هلال، النظام السياسي المصري: بين إرث الماضي وآفاق المستقبل، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، ط1، 2010).
[35] هشام العوضي، صراع على الشرعية: الإخوان المسلمون ومبارك 1982 – 2007، مجلة المستقبل العربي، المجلد 31، العدد 360، فبراير 2009، ص ص 255 – 260.
[36] البشير بوشلكه، تأملات في واقع الإسلام السياسي بالمنطقة: إخوان مصر نموذجًا، مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، العدد9، 2015، ص 279.
[[37]) للمزيد حول هذه العمليات ودلالاتها وإستراتيجية الدولة في مواجهتها، راجع: حسنين توفيق إبراهيم، مستقبل التنظيمات الإسلامية في مصر، شؤون الأوسط، العدد50، مارس 1996.
[38] للمزيد راجع: سامية جمعة طايل، أزمة التنظيمات السياسية في مصر: دراسة حالة حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين فترة حكم الرئيس مبارك، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، العدد3، 2011.
[39] للمزيد، انظر: محمد جلال كشك، ثورة يوليو الأمريكية: علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية، (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، ط2، 1988).
[40] للمزيد، انظر: فؤاد زكريا، الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة، (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1986).
- فصلية قضايا ونظرات- العدد الخامس عشر ـ أكتوبر 2019