العلويون بعد بشار: سياسات النظام الجديد ومواقف الداخل والخارج

مقدمة:
شكل تاريخ الثامن من ديسمبر 2024 نقطة تحول جذرية في تاريخ المشرق العربي، حيث أسقط الثوار نظام بشار الأسد بعد أكثر من خمسة عقود من حكم العائلة، لتنتهي بذلك حقبة طويلة من احتكار السلطة المستبدة بل الطاغية. لم يقتصر السقوط على رأس الهرم السياسي بل طال شبكة تحالفاته، ما جعل الطائفة العلوية، التي ارتبطت بنظام الأسد قلبًا وقالبًا، في مهب الريح في ظل السلطة الجديدة. تُجادل هذه الدراسة بأن التحدي الرئيس الذي يُواجه العلويين اليوم متعدد الأبعاد، لكن أعقد أبعاده كيفية الاندماج في نظامٍ سياسي جديد تقوده قوى كانت حتى الأمس القريب في خندق العداء المسلح.
العلويون إحدى الأقليات في سوريا حيث تتباين تقديرات نسبتهم من إجمالي السوريين لتتراوح بين 10%[1] و12%[2]، توطدت علاقتهم بالدولة منذ عام 1963، وهو العام الذي شنت فيه لجنة من ضباط الجيش -من بينهم حافظ الأسد- انقلابًا عسكريًا، حيث اعتمد عليهم الأسد اعتمادًا كبيرًا بعد وصوله إلى السلطة[3].
يتوزع العلويون بين الساحل -باعتباره الموطن التاريخي لهم- ويشمل المناطق الساحلية الجبلية ذات الأغلبية العلوية في محافظتي طرطوس واللاذقية، والداخل أو المناطق الداخلية المجاورة للمدن، خاصةً محافظتي حماة وحمص ذات الأغلبية السنية، إضافةً إلى حلب ودمشق. وقد كان العلويون يرحلون إلى الداخل بحثًا عن فرص العمل -لا سيما في القطاعين العسكري والمدني العام- وهربًا من المصاعب البيئية في الساحل مثل تدهور الزراعة والجفاف، ونظرًا للتغلغل العلوي في مؤسسات الدولة وعمل النظام على تطوير البنية التحتية في الساحل فلم يجد العلويون حاجةً إلى الهجرة خارج سوريا[4].
لا يمكن القول إن العلويين كتلة متجانسة، ذلك لأن النظام البائد لم يُعامِل كافة العلويين بالطريقة ذاتها، حيث تفاوتت حظوظهم من الثروة والنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري، إلا أن تمسك الطائفة بنظام الأسد كان مدفوعًا بالمصلحة والخوف من مغبة زوال حكم الأسد لا سيما بالنظر إلى أن 90% من قوام الجيش كان من العلويين.
لم يؤد توظيف العلويين في القطاع العام إلى ارتفاع مستواهم المعيشي عمومًا، إذ تفاوتت معايش العلويين وتركز النفوذ والثروة في أيدي مجموعة صغيرة من العلويين ارتبطوا مباشرةً بعائلة الأسد وحلفائها[5]، وعامةً ظلت المناصب العليا -رغم ذلك- بقبضة العلويين ومنها المناصب الأربعين الأعلى في الجيش العربي السوري، وينطبق الأمر نفسه على المناصب الحساسة في أجهزة أمن الدولة[6].
العلويون بعد الثورة
استغل نظام الأسد الثورة لابتزاز العلويين فضغط على الشخصيات المعارضة في صفوف العلويين من جهة وصوّر الثورة على أنها تمرد سني ضد حكم الأقلية العلوية من جهةٍ أخرى، وأجج التوترات الطائفية بين السنة والعلويين على نحوٍ أسفر عن زيادة العسكرة وانعدام الثقة وحشد العلويين حول النظام. في المقابل، تكبد العلويون ضريبةً باهظة خلال الحرب، حيث تأثرت جميع العائلات العلوية تقريبًا بالأحداث الدائرة. وقد لقى العديد من العلويين حتفهم، ما دفع الكثير من الشباب العلويين إلى الاختباء وتجنب التجنيد الإجباري، ذلك أنه في بعض القرى والبلدات قُتل أو جُرح ما بين 60% و70% من الشبان العلويين خلال الحرب، لا سيما في محافظتي اللاذقية وطرطوس[7]. بشكلٍ عام، في ختام حكم الأسد، كان العلويون قد طوروا موقفًا بالغ التعقيد من النظام يجمع بين التأييد غالبًا والمعارضة أو الحياد أحيانًا.
وفيما يلي نناقش المسألة العلوية بعد عامٍ من خلع حكم الأسد، وذلك عبر التطرق إلى الأبعاد التالية: المخاوف في ظل السلطة الجديدة، وسياسات الحكومة الحالية للتعامل معها، وكذلك أبرز المواجهات بين الحكومة والعلويين، وتفاعلات القوى الإقليمية والدولية مع الملف العلوي، وصولا إلى أبرز السيناريوهات المحتملة.
أولا- مخاوف العلويين في ظل السلطة الجديدة:
رغم تحفظات شرائح من العلويين على حكم آل الأسد، إلا أن السلطة الجديدة أثارت الهلع في نفوسهم حيال واقعهم ومستقبلهم، وتتمثل أغلب مخاوف العلويين الآنية في:
1- المعضلة الأمنية
تواجه الحكومة الحالية تحديًا في التحول من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد دولة، ويتطلب ذلك في المقام الأول تأسيس مؤسسات أمنية على أساسٍ وطني، إذ إن القوات التي قادت عملية “ردع العدوان” كانت مختلفة المشارب، كما اعتمد نظام الأسد أيضًا على عددٍ من الميليشيات المعروفة باسم “الشبيحة” ومنحها صلاحيات واسعة تُضاهي صلاحية الجيش. وبذلك أصبح العمل العسكري مصدرًا للمال، ومن ثم فالتحول إلى نموذج دولة يُحتكر فيها حمل السلاح واستعماله من قبل أجهزة الدولة قد لا يكون محبذًا للغاية، لا سيما من قبل فلول نظام الأسد أو من قبل باقي الأقليات كالدروز والأكراد، وقد ظهر ذلك خلال ثُلة من المواجهات العسكرية التي سيلي الحديث عنها[8].
مع هروب بشار الأسد وتحرير العاصمة، أعلنت إدارة العمليات العسكرية في سوريا -المؤلفة من طوائف المعارضة المسلحة- مجموعةً من القرارات بينها حل جميع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، بفروعها وتسمياتها المختلفة، وجميع المليشيات التي أنشأها، وتشكيل مؤسسة أمنية جديدة تحفظ أمن المواطنين.
مثلت الأجهزة الأمنية المحلولة ركائز لتثبيت حكم آل الأسد، وأُطلقت يدها لتلعب دورًا متعاظمًا في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفي الشؤون اليومية والحياتية للمواطنين، وبعد قيام الثورة لعبت دورًا محوريًا في قمع المتظاهرين إلى حد ارتكاب جرائم حرب بحق الشعب السوري، مع منحها حماية قانونية ودستورية ضد هذه الجرائم.
ونظرًا لهيمنة العلويين على هذه المؤسسات والأجهزة الأمنية منذ انقلاب حافظ الأسد على السلطة، فإن سقوط النظام أولى الصدمات، وحل الأجهزة الأمنية ثاني الصدمات. هذا، إذ تولى عناصر من هيئة تحرير الشام مسؤولية المرور على المنازل في طرطوس لمطالبة السكان بتسليم أي أسلحة لديهم.
في المقابل، انتشرت بيانات عدة موقعة من رجال دين ومشايخ علويين في منطقة القرداحة -مسقط رأس الأسد في شمال محافظة اللاذقية- يُعربون فيها عن تأييدهم للنهج الجديد وللجيش الوطني، ودعوا إلى التعاون مع الهيئة والجيش الوطني الحر لبناء سوريا الجديدة. كما دعوا المواطنين في المنطقة إلى عدم حمل السلاح وتسليمه وإزالة جميع التماثيل والصور الخاصة بالنظام السابق من الأماكن العامة، وأعقب هذه الدعوات لقاء مجموعة من مشايخ الطائفة العلوية في القرداحة مع ممثلين عن هيئة تحرير الشام.
لا تنحصر المخاوف فيما يتعلق بفقد الوظيفة، بل يخشى العلويون أيضًا تعرضهم للاعتقال أو القتل على يد قوات الأمن السورية التابعة للنظام الحالي في إطار حملاتها المناهضة للشبيحة -والذين كان أغلبهم من العلويين- لا سيما مع إرث الفظائع التي ارتكبها نظام الأسد.
2- انهيار دولة الأسد وإعادة هيكلة الجهاز البيروقراطي
مكّن الأسد العلويين من مفاصل الدولة السورية، سواء الجيش أو القطاع العام المدني أو الصناعات التي تُديرها الدولة، وإن تفاوتت حظوظ العلويين ولم يكونوا جميعًا على قدم المساواة من حيث امتيازات النظام، لكنه بشكلٍ عام حقق لهم قدرًا من الأمان. وبالتالي، فإن انهيار حكم آل الأسد وتولي حكومة جديدة -تسعى لتطهير إرث الحكم البائد في كافة المؤسسات وليس المؤسسات الأمنية فقط- يعني إبعاد العلويين عن المؤسسات الرئيسية التي كانت تدمجهم في الدولة خاصةً وزارات الدفاع والداخلية والتعليم ووسائل الإعلام، ومن ثم تراجع نصيبهم من الوظائف ذات الدخل الثابت، فضلا عن مخاوف الضباط السابقين من نزع ممتلكاتهم[9].
3- المعضلة الاقتصادية للساحل بعد خلع الأسد
تعمد نظام الأسد سحب أبناء الساحل إلى الوظائف الحكومية وخاصةً القطاع الأمني، ما جعل الوظيفة الحكومية المصدر الأول للدخل، ولذا فقد أهمل أهل الساحل مصادر الدخل التي اعتمدوا عليها تاريخيًا، ومنها:
– الزراعة: حيث تنتشر زراعة الحمضيات والخضار والفواكه الاستوائية، ويؤدي نشاطها لتنشيط القطاع الحيواني.
– السياحة: إذ توجد آثار تاريخية وطبيعة ساحرة وشواطئ كانت تجذب السياح من كافة بقاع العالم، وتوقف النشاط السياحي مع اندلاع الثورة السورية.
– الموانئ ومصافي النفط.
وبالتالي، فإن قرارات حل الجيش وتسريح الكثير من الموظفين العلويين في القطاع الحكومي أو إحالتهم إلى إجازاتٍ طويلة أثار القلق حيال الأوضاع الاقتصادية، وتضطرهم للعودة إلى القطاعات السابقة[10].
4- معضلة التمثيل والمشاركة السياسية في النظام الحالي، والهوية الدينية
يشمل ذلك التمثيل والمشاركة السياسية عمومًا، مثل غياب العلويين عن اللجنة الصغيرة التي تشكلت لصياغة الدستور. هنا تُثار مسألة الهوية الدينية للنظام الجديد؛ إذ تنتمي الحكومة إلى السنة بينما يُحسب العلويون على الشيعة، وهذا يُثير تخوفات العلويين، وإن كان الأغلب أن بعض العلويين إن عوقبوا فسيكون ذلك راجعًا إلى انتهاكات قاموا بها في ظل نظام الأسد وليس راجعًا إلى هويتهم كعلويين.
5- وجود طرف ثالث وحروب إلكترونية لإيقاد الفتنة
كشفت الأحداث الأخيرة عن حملةٍ إلكترونية تُحرض العلويين ضد الحكومة الحالية، حيث أُنشئ عدد من صفحات الفيسبوك بأسماءٍ تُشبه أسماء جماعات تُراقب حقوق الإنسان، وتنشر هذه الصفحات معلومات مضللة كما تستخدم حساباتٍ وهمية أو برامج آلية لتضخيم هذه المعلومات، بغرض إرهاب العلويين ودعوتهم إلى المقاومة المسلحة للسلطة الجديدة[11].
لا يقف التضليل عند هذا الحد، بل أحيانا يتم استدعاء فيديوهات طائفية لحوادث وقعت في الماضي لتأجيج الشارع العلوي، فقد انتشر فيديو لهجومٍ على مزارٍ علوي في الشمال لإثارة الفتنة واتضح لاحقًا أن الفيديو قديم، وتُنسب هذه الحملات إلى فلول نظام الأسد[12].
ثانيًا- سياسات الحكومة لتطمين التخوفات:
في مقابل هذه التخوفات، عملت الحكومة الجديدة على طمأنة العلويين بأنهم لن يتعرضوا لأعمال انتقامية عنيفة، وأنها ستُحاسب مرتكبي الجرائم ضدهم باتباع السبل القانونية، ويُفيد العديد من العلويين بأن هيئة تحرير الشام عاملتهم باحترام، وأن مخاوفهم لم تتحقق[13].
من خلال تصريحات قوى الأمن وحكومة الشرع يمكن تلخيص أبرز ركائز سياسة التعامل الرسمية مع العلويين -خاصةً من الناحية الأمنية- فيما يلي:
1- التأكيد على القصاص من مرتكبي الانتهاكات في عهد الأسد
أكد أحمد الشرع أن المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في ظل نظام الأسد، ولا سيما المسؤولين عن التعذيب والإعدام، سيُحاسبون عبر الإجراءات القانونية والقضائية[14]. وقد اعتقلت إدارة الأمن العام عددًا من الشخصيات العسكرية والأمنية التي شغلت مناصب رفيعة إبان عهد بشار الأسد، حيث كشفت الإحصاءات الرسمية منذ بدء الحملة العسكرية في ديسمبر 2025 حتى الأول من يناير 2026 عن إلقاء القبض على 587 مطلوبًا ورافضًا للتسوية في مختلف المحافظات السورية، ومن بينهم:
- وسيم الأسد: ابن عم بشار الأسد، ومن أبرز تجار المخدرات ومرتكبي الجرائم في عهد النظام البائد.
- نمير الأسد: أحد أبناء عمومة بشار الأسد، والأخ الأصغر لوسيم الأسد، ومتهم بالإتجار بالمخدرات وعدد من الجرائم تتعلق بالسطو والابتزاز.
- قصي إبراهيم: قائد كتيبة الجبل في اللاذقية، ويرتبط بعلاقة مع العميد علي ميهوب المتحدث الرسمي باسم الجيش والقوات المسلحة، ويعود نسبهما إلى صالح ميهوب -أحد شيوخ الطائفة العلوية- في منطقة جبلة.
- شادي محفوظ: عمل لدى شعبة المخابرات العسكرية فرع 277 لدى النظام المخلوع، واعتُقل لاتهامه بالمشاركة مع فلول النظام في استهداف القوات الأمنية والعسكرية في الساحل السوري.
- محمد كنجو: المعروف باسم “سفاح صيدنايا”، حيث كان مسؤولًا عن إصدار آلاف الأحكام بالإعدام أو السجن المؤبد والأحكام التعسفية، فضلا عن الإعدامات الميدانية والجماعية.
- حيان ميا: كان مسؤولًا مباشرًا عن تقديم التقارير الاستخباراتية عن المشاركين في المظاهرات، وعمليات دهم واعتقالات نفذتها أجهزة المخابرات السورية.
- أوس صدام: أحد أبرز السجانين، وعُرف باسم “عزرائيل صيدنايا”.
- عاطف نجيب: شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي بدرعا في عهد بشار الأسد.
- منذر الجزائري وكامل شريف العباس: وهم من مجرمي مجزرة حي التضامن.
- محمد الشعار: وزير داخلية نظام الأسد.
- عبد الكريم حمادة: مسؤول ملف التسوية في النظام المخلوع، ومسؤول التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.
- مهند نعمان: مشرف تصنيع الكبتاغون المخدر.
- أكرم سلوم العبد الله: قائد الشرطة العسكرية في وزارة الدفاع بين عامي 2014- 2015.
- آصف محسن يونس: كان مساعدًا أول في أمن الدولة بمحافظة اللاذقية، وتورط في جرائم ضد المدنيين في عهد بشار.
- نائف صالح درغام: النائب العام العسكري في عهد بشار.
- رياض حمدو: عميد في الأمن السياسي في عهد النظام البائد[15].
2- عدم القبول بالاعتداء على المحتجزين والتأكيد على كونها حوادث فردية
رغم الإفراج عن العديد من المعتقلين بعد تبرئتهم من التورط في أنشطةٍ إجرامية، وردت تقارير عديدة عن وفيات في مراكز الاحتجاز، لا سيما في منطقة حمص، حيث ذكر أقارب المعتقلين أن جثثهم كانت تحمل آثار تعذيب عند إعادتهم[16].
وتُشير التقارير المعنية إلى أن هذه الأعمال تستهدف عمومًا الموالين للنظام الذين ارتكبوا (أو يُشتبه في ارتكابهم) جرائم كالتعذيب أو الإعدام. وبينما أقرت قيادة هيئة تحرير الشام ببعض هذه الحوادث، إلا أنها تُصرّ على أنها حوادث فردية ولم تُصدر بشأنها أي لوائح رسمية، كما وردت تقارير عن قيام جهات مسلحة مجهولة الهوية بطرد العلويين و(المشتبه بهم) من مؤيدي الأسد من منازلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم. ومما هو جدير بالذكر أنه عندما طلب السكان المساعدة من الأجهزة الأمنية التابعة لهيئة تحرير الشام في هذه الحالات، استجابت الهيئة، وقامت باعتقال الجناة والسماح للناس بالعودة إلى منازلهم، وأفاد الأشخاص الذين أبلغوا عن أعمال عنف ارتكبها عناصر هيئة تحرير الشام، على سبيل المثال عند نقاط التفتيش، بحلٍ سريعٍ لشكاواهم. فعندما وردت شكاوى من بعض أفراد الأمن العام عند أحد حواجز التفتيش استجابت الحكومة وأقالتهم من مناصبهم[17].
3- العفو عن جميع المجندين تحت الخدمة الإلزامية
أعلنت إدارة العمليات العسكرية العفو العام عن جميع العسكريين المجندين تحت الخدمة الإلزامية (ولا شك أن أغلبهم من العلويين)، ومنحتهم الأمان على أرواحهم ويُمنع التعدي عليهم[18].
4- افتتاح مراكز لتسوية أوضاع عناصر النظام السابق
افتتحت الحكومة السورية المؤقتة مراكز لتسوية الأوضاع القانونية لعناصر خدموا سابقًا في الجيش السوري في ظل بشار الأسد، وافتُتحت هذه المراكز في عدة محافظات سورية منها دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية[19].
ثالثًا- اندلاع المواجهات الأمنية وتدبير التمردات العسكرية
رغم التطمينات والمساعي التي بذلتها الحكومة الجديدة، ظل هناك عددًا من الملفات الشائكة بين العلويين والحكومة، والتي تفاقمت حتى بلغت الذروة والمواجهة العسكرية فيما عُرف بأحداث مارس 2025 أو أحداث الساحل، فضلا عن غيرها من المواجهات.
1- أهم المواجهات المسلحة مع الحكومة
نظم بعض الشبيحة صفوفهم واتخذوا قرارًا بالمواجهة المسلحة مع الحكومة عام 2025، وبدأت سلسلة متصاعدة من الاشتباكات المسلحة والهجمات من قبل شبيحة نظام الأسد وفلوله في محاولةٍ لتقويض الحكومة الجديدة، تكررت المواجهات أكثر من مرة خلال العام، وذلك كما يلي:
-أحداث مارس 2025: شنت هذه العناصر هجمات على مواقع حكومية في طرطوس واللاذقية في 6 مارس 2025، لتُعلن الحكومة استعادة السيطرة على هذه المناطق في 8 مارس 2025 وفتح ملف للتحقيق في ملابسات الحادث بعد مقتل العديد من المدنيين والعسكريين، ثم ساد هدوء نسبي.
– أغسطس 2025: تجددت المواجهات مرةً أخرى حينما أُصيب عنصر أمن وقُتل آخر في هجومٍ قرب قرية القرداحة -مسقط رأس الأسد.
– ديسمبر 2025: شهد موجةً أخرى من المواجهات حينما أُصيب 3 من عناصر الأمن في اشتباكاتٍ مع فلول النظام في مدينة جبلة الساحلية، وهو ما يعني استمرار نشاط فلول النظام عسكريًا، وقد تصاعدت الأحداث مع مقتل 3 من فلول النظام في 24 من الشهر ذاته في مواجهاتٍ أيضًا في ريف جبلة، وعثرت قوات الأمن في اليوم نفسه على عبواتٍ ناسفة وأسلحة خلال حملة استهداف (سرايا الجواد) التابعة للعميد سهيل الحسن أحد أبرز القيادات العسكرية في النظام السابق[20].
2- أبرز الفاعلين في التمرد وإجهاض الحكم الجديد
كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تحقيقٍ استقصائي لها عن تخطيط جنرالات سابقين تابعين للنظام البائد لتمردٍ مسلح على الحكومة السورية الجديدة؛ بغية إزاحتها أو اقتطاع مناطق نفوذ داخل البلاد، ويترأس هذا التمرد رجلان يسعى كل منهما إلى أحد السيناريوهات:
– سهيل الحسن (قائد فرقة لقوات النخبة التابعة للنظام المخلوع): يتبنى الخيار العسكري، وقد أحصى ووثق ما يزيد عن 168 ألف مقاتل من الطائفة العلوية في منطقة الساحل السورية: منهم 20 ألف لديهم إمكانية الوصول إلى المدافع الرشاشة، 331 يمتلكون مدافع مضادة للطائرات، 150 يمتلكون قذائف مضادة للدروع، 35 قناصًا لا يزالون يحتفظون بأسلحتهم. ويُمول هذا السيناريو رامي مخلوف -ابن خال بشار الأسد- حيث يسعى للعب دور قيادي من منفاه في موسكو، ولذا يضخ مئات الآلاف من الدولارات إما كرواتب شهرية للمقاتلين أو لشراء الأسلحة.
– كمال الحسن (الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية): يتبنى خيار العمل السياسي من خلال بناء نفوذ خارجي، حيث يقف خلف مؤسسة “تنمية غرب سوريا” التي تعمل تحت غطاء إنساني من بيروت، لكنها سعت إلى التعاقد مع شركات ضغط أمريكية بعقد بلغت قيمته مليون دولار من أجل الدفع بفكرة الحماية الدولية لمناطق العلويين، ويرى خبراء أن الضغط المنظم يُمهد للمطالبة بحكم ذاتي لهذه المناطق[21].
ولا يقتصر الأمر على ما سبق، ولكن هناك جهود تمرد أخرى كما يلي:
– غياث دلة (القائد السابق في الفرقة الرابعة للجيش): حيث أشارت الوثائق إلى إدارته عمليات لوجستية من لبنان تتضمن محاولات تهريب أسلحة بالتنسيق مع ميليشيات عراقية مرتبطة بإيران.
– جهود تمرد مدعومة إيرانيًّا: وفرت طهران ملاذات آمنة لطيارين سوريين سابقين متهمين بجرائم حرب في فنادق لبنانية ليكونوا على أهبة الاستعداد لأي تصعيدٍ عسكري في سوريا[22].
– غزال غزال ودعوات التظاهر: استغلت بعض الأطراف العلوية الأحداث أيضًا للانخراط في التمردات ضد الحكومة الجديدة، ودعا رئيس المجلس العلوي الإسلامي الشيخ غزال غزال -في كلمةٍ مصورة بُثت السبت 28 ديسمبر 2025- إلى الخروج إلى الساحات في مظاهراتٍ سلمية للتنديد بواقع العلويين في سوريا إثر انفجار وقع في جامع علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بمدينة حمص، ما أدى إلى سقوط 5 مدنيين بينهم أطفال، وأكد غزال أن ما حدث ليس حدثًا عابرًا وإنما حرب إبادة وقتل على الهوية مطالبًا بفيدرالية سياسية[23].
وقد عكست المظاهرات التي دعا إليها الشيخ غزال عدة دلالات ودوافع كامنة، وذلك كما يلي:
– رفعت الاحتجاجات مطالب متعلقة بالفيدرالية والمركزية: وبالتالي، فهو لا يعترض على حادثة عابرة وإنما على المسار برمته، والذي تظهر فيه الدولة كعاجزة -في أحسن الظنون- أو طرف غير مأمون الجانب- في أسوأ الظنون-، ومن ثم فهو يضرب مشروع الدولة المركزية الذي تحاول السلطة المركزية تثبيته في مقتل، ويُضفي مشروعية على مساعي العلويين إلى بدائل خارج إطار الدولة.
– محاولات كسر احتكار الدولة للمجال العام وجدالات حول الشرعية والتمثيل: هذا من خلال التأكيد على الفعل السياسي عبر الاحتجاج، وتثبيت غزال نفسه كفاعلٍ لا يمكن تجاوزه في العملية السياسية، وإلا فإن وحدة البلاد واستقرارها محل جدل.
– التصدع داخل المجتمع العلوي نفسه: فعلى الرغم من استجابة العديدين لما طالب به غزال، خرجت مظاهرات أخرى مضادة ترفع شعارات مؤيدة للحكومة، وبالتالي يغيب الاتفاق حول الغايات والمقاصد التي يسعى لها الحراك؛ فبينما يراه البعض وسيلة ضغط لتحسين الاندماج في الدولة الجديدة يراه آخرون فرصة ثمينة لإعادة تدوير شبكات نفوذ النظام المخلوع أو الاحتماء بها[24].
في المجمل، كشفت هذه التمردات عن إمكانية عمل العلويين كجماعة ضغط وليس كسلطةٍ حاكمة، فما يستطيعه العلويون هو الضغط باتجاه بعض المطالب لهم -باستثناء مطلب الانفصال. ولا يعني ذلك وهن قوتهم تمامًا؛ إذ لا زالوا قوةً فاعلة في المجتمع السوري بل قنبلة موقوتة يمكن أن تؤدي الإدارة غير الحكيمة معها إلى انفجارها، وهو ما يُهدد مصالح سوريا والنظام الوليد. كما يتضح أن قوة العلويين التي كانت تأتي من حصولهم على كبرى المناصب في سوريا في طريقها للضعف أو التحجيم على يد الشرع الذي يستعين في تأسيس الجيش والقوى الأمنية الجديدة بالقوى السنية، بينما يبقى في يدهم ورقة ضغط أخرى ألا وهي إمكانية التحالف مع الكيان الصهيوني المحتل للأراضي الفلسطينية (على نمط ما فعل الدروز)، وهذه الخطوة رغم أنها يمكن أن تمنحهم نفوذًا إلا أنها قد تبرر تعامل النظام الجديد بخشونة مع العلويين -في حالة حدوث ذلك.
في المقابل، استدعت هذه التمردات السخط الغربي على القيادة السورية الجديدة، فقد تعالت الأصوات الأوروبية التي تدافع عن العلويين باسم حقوق الأقليات، كما صدّرت صورة عدم الاستقرار في سوريا وهو ما سيكون له تداعياته الاقتصادية حتمًا إذ سيجبن أصحاب الاستثمارات عن الدخول إلى الساحل السوري بسبب عدم الاستقرار. لكن على الجانب الآخر، نجد أن تعامل النظام مع هذه التحركات العلوية أكسبه داخليًا؛ إذ تصدر المشهد كنظامٍ قادرٍ على بسط نفوذه وسيطرته على الأراضي التي يحكمها، كما أجهض سيناريو الانفصال حتى الآن.
3- استراتيجية الاحتواء: مراسيم العفو وإعادة الهيكلة
من جانبها حاولت الحكومة السورية تفادي التعامل الأمني مع المواطنين، ومنح السوريين أكبر قدر ممكن من الحقوق المدنية والسياسية، فألغت في 2 أكتوبر 2025 مذكرات البحث الصادرة عن القضاء العسكري في عهد المخلوع بشار الأسد، حيث أعلنت وزارة العدل السورية إصدار قرار يقضي بإلغاء النشرات الشرطية ومذكرات البحث الصادرة عن القضاء العسكري خلال فترة حكم نظام الأسد، وما يُرافقها من إجراءاتٍ مثل الملاحقات القضائية ومنع السفر.
تشمل الجرائم المُعفى عنها 68 جرمًا، وتنوّعت هذه الجرائم بين مخالفات مرتبطة بالاحتجاجات السياسية مثل التظاهر وتحقير رئيس الدولة والنيل من هيبة الدولة، وأخرى ذات طابع مدني أو اقتصادي مثل الغش ومخالفة البناء والاحتيال والإتجار بالسلع المدعومة وحيازة مواد منتهية الصلاحية، كما شملت القائمة مخالفات مرورية وإدارية، إضافة إلى قضايا متعلقة بالخدمة الإلزامية مثل التخلف والفرار. ويُمثّل القرار خطوةً جوهرية في مسار العدالة الانتقالية؛ حيث يسعى إلى طي صفحة الملاحقات التعسفية التي كانت تمارسها الأفرع الأمنية والعسكرية خلال حكم النظام السابق، والتي استُخدمت كأداةٍ للترهيب والتقييد السياسي[25]، بينما يكف النظام الحالي يده عن استخدام مثل هذه الأدوات ضد معارضيه.
كما أفرجت السلطات السورية عن عددٍ من العسكريين الموقوفين في محافظة اللاذقية السورية شمال غرب البلاد بعد ثبوت عدم ضلوعهم في جرائم حرب في 26 ديسمبر 2025، وبلغ عدد المفرج عنهم حوالي 70 عسكريًا، وهذه الدفعة تُعد الأولى ضمن عدة دفعات سيُطلق سراحها لاحقًا[26].
ورغم الجهود والمساعي التي تبذلها الحكومة، إلا أن هناك عتبة ثقة لم تجتزها بعد في نظر الشارع العلوي، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات تمردات أخرى مستقبلا.
رابعًا- الجغرافيا السياسية ولعبة التحالفات: روسيا، وإيران، والغرب في “سوريا الجديدة”
لا يمكن فهم المسألة العلوية بمعزلٍ عن سياقها الإقليمي والعالمي، فقد ساهم طوفان الأقصى في إعادة ترتيب خريطة التحالفات في المنطقة، واغتنم الفاعلون على تنوع مآربهم اللحظات المواتية لتعظيم المكاسب، وبالتالي فالمسألة العلوية ليست استثناءً على قاعدة التحاكم إلى التوازنات الإقليمية والعالمية.
1- روسيا: مصالح الدب الروسي أولًا
تحكم المصالح الحسابات الروسية في سوريا، ولذا فالارتباط الروسي بالعلويين رهينة المصالح الروسية وما ستؤول إليه التفاهمات بينها وبين حكومة الرئيس أحمد الشرع، ومجملا حافظت روسيا على التواجد في المشهد السوري من خلال مسارين:
– استضافة بعض العناصر الأمنية التي خدمت سابقًا نظام الأسد أو بعض العلويين الخائفين من النظام الجديد في صورة لاجئين، وذاك من خلال شبكةٍ من الوسطاء والسماسرة، حيث يدفع الشخص الواحد مبلغ يتراوح بين 1,5 و5 آلاف دولار بحسب سياقات التوقيت الذي رغب فيه في اللجوء[27].
– التواجد العسكري من خلال قاعدتي حميميم وطرطوس، لكن لم يعد وجودها بذات الثقل الذي تواجدت به إبان حكم الأسد.
حضت موسكو إدارة الشرع -في إطار زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أغسطس 2025- على مراجعة علاقتها بمختلف الأقليات كالمسيحيين والعلويين والأكراد والدروز، كما طالبت موسكو بعدة مطالب منها:
– إعادة ضباط مرتبطين بها إلى مواقع حساسة في الجيش وقوى الأمن، ويُقال إن بعض هؤلاء الضباط قد فروا سابقًا إلى قاعدة حميميم ثم نقلوا إلى داخل روسيا.
– تكييف وجودها في القواعد العسكرية -حميميم وطرطوس- قانونيًّا.
لكن بشكلٍ عام، يُستبعد أن يُؤثِر الروس العلويين على النظام الحاكم نظرًا لحدود قدرة العلويين على تحقيق مصالح روسية مقابل قدرة حكومة الرئيس أحمد الشرع، والتي تسعى للتفاهم مع الدب الروسي خاصةً فيما يتعلق بقضية الأقليات، لا سيما في ظل الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية[28] وما يسعى له الصهاينة من تأجيج ملف الأقليات والزج بسيناريو التقسيم.
مثل سقوط النظام السوري خسارةً كبرى لإيران؛ باعتبار أن سوريا كانت خطًا للإمداد لأذرع إيران وتحديدًا حزب الله في لبنان -باعتباره أقوى وكلاء إيران في المنطقة- ولعل هذا أقوى مصالح إيران في سوريا. ولذا؛ تسعى إيران لمد نفوذها في سوريا من خلال شتى السبل؛ وعلى رأسها زعزعة الأمن وعقد تحالفات مع قيادات تنظيم داعش في البادية السورية وبقايا فلول النظام السوري، إضافة إلى عقد صفقات مع مهربين وتجار بغية إيصال الأسلحة إلى حزب الله[29].
أما المصلحة الثانية، فتكمن في مصالح بعض قيادات الحرس الثوري وجنرالاته في المنطقة العربية مثل إسماعيل قآني -قائد فيلق القدس، وحسين سلامي، وعلي رضا التاكاسيري، والأمير علي حاجة زاده، والذين يترسخ نفوذهم في الحرس الثوري على قدر المنجزات الإيرانية في المنطقة[30].
أشارت أصابع اتهام من جهاتٍ أمنية إلى إيران متهمةً إياها بإمداد بعض الميليشيات المسلحة التي تحاول التمرد على الحكومة الجديدة عسكريًا، وفي مقدمتها قوات “درع الساحل” و”سرايا الجواد”، والتي تسلل بعض أفرادها إلى المظاهرات التي قام بها بعض العلويين في ديسمبر 2025، واتهم مدير الأمن الداخلي في اللاذقية العميد عبد العزيز الأحمد تلك الميليشيات بالقيام بعمليات تصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة[31]. ومما يُرجح الضلوع الإيراني في تمويل هذه الميليشيات الصلات المباشرة لقادتها بإيران مثل غياث دلة الذي تمتع بدعمٍ إيراني مباشر لأنشطته الداعمة للنظام أثناء الثورة السورية، ومقداد فتيحة -قائد لواء درع الساحل- والذي تحالف مع (جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا- أولي البأس) المدعومة إيرانيًّا[32].
بالرغم من كل هذه المساعي الإيرانية، إلا أن طهران تُواجه معضلةً كبرى تتمثل في اتفاق كافة الفاعلين على استبعادها من التأثير في الشأن السوري وتقليص نفوذها بل القضاء عليه. ويشمل ذلك الفاعلين المحليين وفي مقدمتهم العلويين من عموم الشعب، والإقليميين وتحديدًا السعودية والاحتلال الصهيوني، والعالميين مثل الولايات المتحدة الأمريكية[33].
تُحتم الجغرافيا والتاريخ الاجتماعي والثقافي المشترك بين الدولتين أهمية كبرى لسوريا في الحسابات التركية، فالدولتان ترتبطان بحدودٍ مشتركة تصل إلى 900 كم، وهو ما مثل تحديًا لتركيا خاصةً في الجانب الأمني، فقد دعم نظام الأسد حزب العمال الكردستاني الذي يتمرد على الدولة التركية، ومن ثم فاستقرار سوريا والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها في مواجهة مشاريع التقسيم يصب في قلب المصالح التركية. وتقود قوى استعمارية متعاقبة مثل هذه المشاريع الرامية إلى تقسيم سوريا مثل فرنسا التي دعمت قيام دولة “جبل العلويين” قبل مجيء حزب البعث، أو الولايات المتحدة التي دعمت قيام “دولة كردية”[34].
يمكن تلخيص المصالح التركية في سوريا الحالية في عدة نقاط كما يلي:
- مصالح سياسية: قيام نظام حليف لتركيا في المنطقة بما يُعزز قوتها ونفوذها الإقليمي، خاصةً مع الدعم الذي قدمته تركيا إلى المعارضة السورية إبان الثورة حتى نجاح عملية ردع العدوان التي أطاحت بحكم بشار الأسد.
- مصالح أمنية: تتمثل في الحفاظ على حدود تركيا آمنة، ولذا تجعل وحدة سوريا واستقرارها في الصالح التركي خاصةً في ظل تصاعد المطالب والتوترات الطائفية. ومن ثم؛ فقد أعربت وزارة الدفاع التركية عن دعمها لسوريا ضد التنظيمات الإرهابية انطلاقًا من مبدأ وحدة وسلامة أراضيها، مؤكدةً تقديمها الدعم اللازم لسوريا إذا طلبت دمشق ذلك[35].
وفي هذا الصدد، تُراعي تركيا وجود العلويين ضمن النسيج الوطني السوري والتركي، فيوجد في جنوب تركيا إقليم يُعرف باسم هاتاي وتقطنه أغلبية مسلمة سنية وعلويون بجانب المسيحيين، وبينما يبلغ عدد سكان الإقليم حوالي 1,5 مليون نسمة فإن حوالي نصفهم من العلويين، وكان هذا الإقليم تابعًا لسوريا في وقتٍ سابق. وتكمن أهمية الإقليم في كونه نقطة انطلاق للعبور من سوريا إلى تركيا أو العكس، كما كان يسكن به بعض من أعلى الضباط المنشقين بالجيش السوري رتبًا في مخيم وسط حراسة تركية إبان الثورة السورية، ولذا فقد مثل هذا الإقليم قنبلةً موقوتة للتوترات الطائفية لا سيما في ظل رفض العلويين المقيمين به سياسة تركيا -الدولة التي ينتمون إليها- تجاه المسألة السورية عمومًا وعلويي سوريا خصوصًا[36].
وقد أكد أردوغان في لقائه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في أنقرة ضرورة إنشاء إدارة تشاركية في سوريا، لكنه أكد مع ذلك على عزم تركيا عدم السماح للتنظيمات الإرهابية -مثل حزب العمال الكردستاني وداعش- بالتواجد على مقربة من حدودها، كما أكد على أهمية بعض الخطوات التنفيذية لتحقيق هذه الرؤية[37].
- مصالح اقتصادية: تتمثل في تفعيل الدور التركي في ملف إعادة الإعمار، بالإضافة إلى ملف الطاقة في شرق المتوسط أو ما يُعرف بـ “الوطن الأزرق” الذي تحدث عنه الرئيس التركي في عدة مناسبات. ولذا؛ فقد أعلن وزير النقل والبنية التحتية التركية عبد القادر أوال أوغلو بعد سقوط بشار بأيامٍ قليلة، وتحديدًا في 24 ديسمبر 2025 اعتزام بلاده بدء مفاوضات مع سوريا لترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط بما يسمح للبلدين بتوسيع مناطق نفوذهما في استكشاف الطاقة[38]، وبالتالي تتطلب هذه الخطط بلا شك حالة من الاستقرار السياسي للحكم الوليد في منطقة الساحل.
تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية سياسةً تحول دون الانخراط العسكري العميق في الملف السوري برمته، واكتفت بوضع إطار للتعامل مع الإدارة السورية الجديدة وفق شروط عدة منها احترام حقوق الأقليات احترامًا تامًا، وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية إلى كافة المحتاجين، ومنع استخدام سوريا قاعدة للإرهاب أو محط تهديد لجيرانها، وضمان تأمين كافة مخزونات الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وتدميرها بشكلٍ آمن[39].
على صعيد المسألة العلوية، اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوات فعلية حين تعلق الأمر بالمساس بمصالحها الأمنية البحتة، ولذا فقد أطلقت عملية “عين الصقر” ضد مواقع داعش في سوريا بـ 70 ضربة متزامنة[40]، لكنها مع الأقليات وتحديدًا مع أحداث الساحل اكتفت بالبيانات والتي أدانت فيها وجود مقاتلين أجانب في سوريا كما أدانت تعامل الحكومة السورية مع الأحداث[41].
خاتمة- سيناريوهات المستقبل والتوصيات
لا تُعد التجربة السورية تجربة يسيرة لا سيما مع الإرث التاريخي الذي تحمله، ومع تعدد الأطياف والفاعلين المنخرطين فيها، وبالنظر إلى المكون العلوي ربما لا يبدو المستقبل في غاية الإشراق، وتتعدد السيناريوهات بين أحد السيناريوهات الثلاثة التالية:
الأول: عزلة العلويين في الساحل السوري، والتمتع بقوةٍ ذاتية (على غرار نموذج حزب الله اللبناني).
الثاني: الاندماج القسري للعلويين في النظام الوليد.
الثالث: التمرد المسلح.
يبدو السيناريو الثاني هو الأقرب للتحقق، خاصةً أن الأمارات الأولى للحكومة التي تشكل النظام الوليد تشير إلى استماتتها على أمرين وتجييشها كافة طاقاتها لهما، وهما:
– وحدة سوريا ورفض كل سيناريوهات التقسيم.
– احتكار حمل السلاح واستخدام العنف لصالح الدولة.
يبدو أيضًا أن الحكومة المركزية أقرب للنجاح في هذا الأمر، خاصةً أنها أتت من خلفية جماعة أطاحت نظام بشار بالمواجهة العسكرية، ومن ثم فلا يعسر عليها السيطرة على التمردات المسلحة، لا سيما أيضًا مع التزامها الأسلوب الدبلوماسي على مستوى الخطاب.
ويمكن للوضع أن يتحسن في حالة المعالجة الحكيمة للملفات التالية:
- ملف العدالة الانتقالية: من حيث التفرقة بين طوائف المنتمين للنظام وأخذ خطوات سريعة في هذا الملف تحديدًا، والإسراع في الإفراج عن البريئين من أي انتهاكات لتعزيز ثقة الجماهير العلوية في الحكومة المركزية. يرتبط بذلك ملف العسكريين العلويين المفصولين من وظائفهم، والسبل المقترحة لتعامل الحكومة معهم.
- ملف بناء الأمة (خاصةً بعد تجربة وإرث آل الأسد): إذ إن المجتمع السوري متعدد الهويات لكن سنوات الثورة قادت المجتمع إلى العسكرة، ومن ثم يمثل هذا تحديًا للحكومة الحالية.
- الملف الإعلامي في زمن التكنولوجيا: ذلك حيث إن هناك حالة عامة من التربص بالتجربة وتصيد الأخطاء من قبل قوى محلية وإقليمية وعالمية، ومن ثم فالعناية بهذا الملف أمر مهم جدًا تفاديًا لإثارة النعرات الطائفية وتشويه جهود الحكومة أو التطفيف من مساعيها.
يرتبط بذلك ما يتصل بالدعاية لمجهودات الحكومة في ملفات العدالة ومناقشتها بشكلٍ موضوعي، مما يعزز الثقة بها: حيث تشكلت لجنة تحقيق للنظر في انتهاكات الساحل، وصدر عنها تقرير بالفعل، وبدأت محاكمات في مدينة حلب بحق عدد من المتهمين بارتكاب هذه الانتهاكات، غير أن هذه الخطوة لم يُحسن تقديمها إلى الرأي العام العلوي ضمن إطار أوسع للسعي إلى العدالة.
- الملف الاقتصادي وتنمية الساحل: وذلك في إطارٍ أوسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية الرامية إلى الاحتواء، إذ يُعاني الساحل قلقًا اقتصاديًا. فعلى الرغم من التحسن النسبي في بعض المؤشرات العامة، إلا أن إجراءات أخرى مضادة أسهمت في تأجيج القلق؛ منها إلغاء عقود استثمارية كبرى وغياب رؤية واضحة ومعلنة لمستقبل المرافئ والقطاعات المتعلقة بها، ما كان له بالغ الأثر على الشركات والنخب الاقتصادية وعموم الشرائح التي تعتمد معيشتها على اقتصاديات هذه المرافق[42].
في حالة عدم الالتفات إلى هذا المدخل، فإن ذلك يفتح الباب أمام رواج الخطابات التي تربط بين تدهور الوضع الاقتصادي وسياسات الحكومة المركزية، بما يخلق عذرًا للانفراط من عقد الدولة المركزية والبحث عن أفقٍ خارج إطارها.
⁕ باحثة في العلوم السياسية.
[1]Adam Fefer, Regime Change and Minority Risks: Syrian Alawites After Assad, Carnige Endowment for international peace, 21 July 2025, accessed: 9 January 2026, available at https://shorturl.at/gLCKg
[2] إيثار شلبي، سوريا: ما مصير العلويين بعد سقوط الأسد؟، BBC عربي، 10 ديسمبر 2024م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://www.bbc.com/arabic/articles/cn081pwyz54o
[3] Adam Fefer, Op. cit.
[4] Ibid.
[5] Cathrin Schaer,Syria’s Alawite community: Once feared, now living in fear?, DW, 28 December 2024, accessed: 9 January 2026, available at: https://shorturl.at/9Dhtv
[6] Country policy and information note: Alawites and actual or perceived Assadists, Syria, July 2025 (accessible), Gov. UK, July 2025, acessed: 9 January 2026, available at: https://shorturl.at/ZNzIT
[7] Ibid.
[8] Adam Fefer, Op.cit.
[9] المرجع السابق
[10] الوضع العام في منطقة الساحل بعد نصف عام من سقوط نظام الأسد، مركز الحوار السوري، 29 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح على الرابط https://shorturl.at/76vv6
[11] Country policy and information note: Alawites and actual or perceived Assadists, Syria, July 2025 (accessible), Op.cit.
[12] المرجع السابق
[13]Country policy and information note: Alawites and actual or perceived Assadists, Syria, July 2025 (accessible), Op.cit.
[14]الشرع يتوعد بـ”محاسبة المتورطين في تعذيب الشعب السوري”، وانتهاء عمليات البحث عن معتقلين داخل سجن صيدنايا، BBC عربي، 9 ديسمبر 2024م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2btdjsys
[15] تسنيم حسناوي، أبرز رموز نظام الأسد الذين اعتقلهم الأمن العام السوري، الجزيرة نت، 7 ديسمبر 2025م، تاريخ الاطلاع: 15 يناير 2026م، متاح على الرابط https://shorturl.at/UaiuN
[16] Country policy and information note: Alawites and actual or perceived Assadists, Syria, July 2025 (accessible), Op.Tc.
[17] المرجع السابق.
[18] إدارة العمليات العسكرية للمعارضة السورية: العفو عن جميع العسكريين المجندين تحت الخدمة الإلزامية، RT، 9 ديسمبر 2024م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/SnysC
[19] افتتاح مراكز تسوية لعناصر “جيش الأسد” في دمشق، Sky News عربية، 21 ديسمبر 2024م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/JGuwP
[20] تسلسل زمني لأهم أحداث الساحل السوري في 2025، الجزيرة نت، 28 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/C1qmC
[21] Ousted and in Exile, Generals Secretly Plot Insurgency in Syria, The New York Times, 24 December 2025, accessed: 9 January 2026, available at: https://bit.ly/49PrlxE
[22] المرجع السابق.
[23] الشيخ غزال غزال يطالب بالخروج في مظاهرات سلمية حاشدة يوم غد، ANHA، 27ديسمبر 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://hawarnews.com/ar/134325
[24] نوار شعبان، “فيدرالية” غزال غزال في مواجهة المركزية: ديناميات التعبئة الطائفية ومأزق العدالة الانتقالية في الساحل السوري، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 29 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/5rpTC
[25] وزارة العدل تلغي مذكرات البحث الصادرة عن القضاء العسكري في عهد الأسد المخلوع، شبكة شام، 3 أكتوبر 2025ن، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/4FqQi
[26] السلطات السورية تفرج عن عشرات العسكريين من عهد النظام المخلوع باللاذقية، القدس، 27 ديسمبر 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://www.alquds.com/ar/posts/221230
[27] من “حميميم” إلى موسكو.. رحلات لجوء العلويين تتحول إلى تجارة رابحة، إرم نيوز، 3 يونيو 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2n4vktum
[28] روسيا تريد الضباط العلويين؟.. فهل تنوي العودة بقوة إلى الساحل السوري؟؟، المشهد، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mrxsrvkv
[29]تأثيرات إيران على طائفة “العلويين” في سوريا، الحدث، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/7vbyrywb
[30] المرجع السابق
[31] عمر علاء الدين، منها “درع الساحل”.. هل تتلقي ميليشيات سورية دعمًا من إيران؟، المدن، 31 ديسمبر 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/g1aL1
[32] تسنيم حسناوي، أحمد العكلة، الحكومة في الساحل السوري، الجزيرة نت ، 2 يناير 2026م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/7fkJK
[33] أحمد بكر، مستقبل العلاقات السورية الإيرانية بعد سقوط نظام الأسد، منتدى الدراسات المستقبلية، فبراير 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3t8xnyny
[34] سمير العركي، ما ملامح الإستراتيجية التركية في سوريا؟، الجزيرة نت، 23 ديسمبر 2024م، تاريخ الاطلاع: 16 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/tsyUY
[35] الدفاع التركية: سنقدّم الدعم لسوريا في حربها ضد التنظيمات الإرهابية إذا طلبت دمشق ذلك، TRT عربي، 8 يناير 2026م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5fsp33sk
[36] تركيا.. عين على الأسد وأخرى على علوييها، الجزيرة نت، 24 أكتوبر 2012م، تاريخ الاطلاع: 16 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/oleW2
[37] سمير العركي، مرجع سابق.
[38] عباس الزين، طموحات تركيا في الساحل السوري… وقود لصراع جديد في شرق المتوسط؟، The Cradle عربي، 12 إبريل 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://thecradlearabic.com/articles-id/30044
[39] ليث السواعير، فيصل الرفوع، التوجهات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تجاه سوريا بعد عام 2024 قراءة في المصالح والصراع على النفوذ، المركز الديمقراطي العربي، 22 سبتمبر 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://democraticac.de/?p=106490
[40]بـ 70 ضربة متزامنة.. أمريكا تطلق عملية “عين الصقر” ضد مواقع داعش في سوريا، Euro News، 20 ديسمبر 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/bdfjv24w
[41] أول تعليق من أميركا على أحداث الساحل السوري، SKY News عربية، 9 مارس 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/59zf86b7
[42] نوار شعبان، “فيدرالية” غزال غزال في مواجهة المركزية: ديناميات التعبئة الطائفية ومأزق العدالة الانتقالية في الساحل السوري، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 29 ديسمبر 2025م، تاريخ الاطلاع: 9 يناير 2026م، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/39tcmyx7




