السياسة الأمريكية تجاه سوريا الجديدة: الخطاب والممارسة

مقدمة:

كان سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في الثامن من ديسمبر 2024 مفاجئًا، ليس فقط للقوى الدولية والإقليمية، بل لبعض قيادات النظام نفسه وحركة أحرار الشام التي سيطرت على دمشق في فترةٍ قصيرةٍ وكانت تتوقع مقاومة أقوى من ذلك[1]. بالتالي، لم يكن مستغربًا غياب استراتيجية واضحة لدى عدة أطراف دولية وإقليمية تجاه سوريا الجديدة، ومنها الولايات المتحدة، خاصةً أن سقوط نظام الأسد تزامن مع خسارة إدارة ديمقراطية للانتخابات الرئاسية واستعداد أخرى جمهورية ذات طابع فريد لتسلم السلطة ولديها العديد من الأولويات الداخلية والخارجية لم يكن من بينها سوريا في ضوء جمود الوضع واستمرار نظام الأسد في السلطة بعد سنواتٍ من الحرب الأهلية[2]. ورغم مضي ما يقرب من عامٍ على سوريا الجديدة، إلا أنه من الصعوبة الحديث عن رؤية استراتيجية واضحة تجمع المصالح الأمريكية في هذا البلد الذي يُمثل مرتكزًا هامًا للمشرق العربي. والسبب في ذلك هو التناقض بين التصريحات المرحبة والمتفائلة بالفرص التي تمثلها سوريا الجديدة للولايات المتحدة، وبعض الأفعال التي تبطئ الاندفاع في هذا الاتجاه[3]. ومن تلك الملاحظة تحاول هذه الورقة الإجابة عن سؤال من أين يأتي هذا التضارب بين القول والفعل؟ وما هو مستقبل السياسة الأمريكية تجاه سوريا؟

الأدبيات السابقة والإطار النظري: 

اعتادت أدبيات دراسة السياسة الخارجية الأمريكية إيلاء الداخل الأمريكي اهتمامًا أكبر عند تفسير السياسة الخارجية مع وضع النظامين الإقليمي والدولي في مرتبةٍ أقل بعد نهاية الحرب الباردة، وذلك لأسبابٍ كثيرة في مقدمتها انفراد الولايات المتحدة لثلاثة عقود بقمة النظام العالمي، والدور الكبير للكونجرس في التأثير السياسة الخارجية مقارنةً بدور أي جهاز تشريعي آخر في العالم[4]، وكذلك الدور المهم للسمات الشخصية للرئيس الأمريكي ومؤسسات الدولة في صياغة السياسة الخارجية واتخاذ قرارات الأمن القومي. يُضاف إلى هذه الأسباب في الوقت الراهن الطبيعة المتفردة للإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب الذي جاء للسلطة رافعًا شعارات تقدم المصلحة الوطنية الأمريكية كما يراها، ولا يثق بمؤسسات الدولة والأمن القومي، وبالتالي ينفرد بعمليتي صنع واتخاذ القرار داخل دائرته المقربة من مساعديه، ويحاول التغلب على أي عوائق قانونية يضعها الدستور في إطار مبدأ “الضوابط والتوازنات”[5].

 وفي ضوء هذه الطبيعة المتفردة لتلك المرحلة، يعتمد التقرير على الإطار النظري لشبكات المحاباة والأقارب Patronage Networks كأساسٍ لتفسير السياسة الخارجية لهذه الإدارة تجاه سوريا الجديدة.

لم يحظ هذا الإطار في السابق باهتمام التيار السائد في دراسة السياسة الخارجية الأمريكية، الذي اهتم بالنظام الدولي على غرار النظرية الواقعية، أو السمات الشخصية للرئيس نظرية “طبولوجيا بابر”[6] نسبةً إلى صاحب النظرية، أو دور مؤسسات الدولة الأمريكية على غرار نظرية “جراهام أليسون”[7] عن عملية صنع واتخاذ قرار السياسة الخارجية الأمريكية. والسبب في غياب التركيز على نظرية شبكات المحاباة يعود إلى استخدامها لتفسير السياسة الخارجية في النظم غير الديمقراطية؛ حيث تتركز عمليتا صنع واتخاذ القرار حول الحاكم الديكتاتور.

 وبالتالي، فإن الدراسات التي ركزت على أبعاد تقع تحت مظلة نظرية شبكات المحاباة في تناول السياسة الأمريكية تجنبت الإشارة صراحةً إلى هذه النظرية باعتبار الولايات المتحدة أحد أهم قلاع الديمقراطية والحرية الغربية، ومن تلك الدراسات دراسة اللوبي الصهيوني لجون مرشيمر وستيفن والت التي تشرح دور جماعة الضغط الداعمة لإسرائيل في السياسة الخارجية الأمريكية[8]، وكذلك دراسة ألكس رونالد[9] “مثلث القوة” عن دور المركب الصناعي -العسكري في النظام السياسي، وغيرها من الدراسات التي ركزت على النخبة في النظم الديمقراطية. ولكن في ضوء طبيعة الإدارة الثانية للرئيس ترامب من حيث غياب الثقة في مؤسسات الدولة ورغبته في إدارة الأمور شخصيًا في إطار دائرته المقربة، سيكون من الأنسب استخدام الإطار النظري لشبكات المحاباة.

نشأ الإطار النظري لشبكات المحاباة والزبونية كنظرية في إطار حقل الدراسات المقارنة لتفسير عمل النظم السياسية داخليًا، بدايةً من ماكس ويبر[10] وصولًا إلى جميس سكوت الذي مهد لنموذج العلاقة الزبونية[11]، وهذا قبل أن يستخدم شوماكر وسبينر[12] ذلك الإطار لتفسير السياسة الخارجية للدول كعلاقة بين المسؤول عن السياسة الخارجية “رأس السلطة التنفيذية” والأطراف الأخرى الداخلية والخارجية التي تُحاول التأثير عليه. وأهم ما يُميز شبكات المحاباة أنها نظم غير رسمية من التأثير المتبادل، ويكون الرئيس هو المسؤول عن توزيع الموارد المختلفة من المناصب والصفقات وقرارات السياسة الخارجية للأشخاص والوحدات الاقتصادية وجماعات المصالح مقابل تقديم الولاء والدعم السياسي والتمويل. الزبونية كإطارٍ نظري ليست بالضرورة فاسدةً بالمعنى القانوني والأخلاقي، فعمل جماعات المصالح في الولايات المتحدة قانوني ويخضع للعديد من الضوابط القانونية، ولكنها قد تتحول إلى نظمٍ غير رسمية من الفساد إذا ما تمت بهدف تحقيق مصالح خاصة وشخصية كما أوضح جميس سكوت.

   يُقدم إطار شبكات المحاباة والزبونية عددًا من آليات التفسير لقرارات السياسة الخارجية مثل تعيين أشخاص معينين يدينون بالولاء للرئيس في مناصب معينة، وعقد الصفقات التجارية والتسليحية، وقرارات السياسة الخارجية بفرض أو رفع العقوبات بالإضافة لتقديم أو تخفيض أو وقف المساعدات، والاستجابة إلى رغبات جماعات الضغط المختلفة. ويتم تحليل هذه الآليات في إطار الأهداف المعلنة للسياسة للخارجية، وبتطبيق هذا الإطار على حالة السياسة الأمريكية تجاه سوريا الجديدة، فإنه يطرح عددًا من الأسئلة التي سيتم الإجابة عليها في هذا التقرير، وهي:

  • ما هي مصالح الولايات المتحدة في سوريا الجديدة؟

– ما هي السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة لتحقيق هذه المصالح؟

– كيف يمكن تفسير تبني هذه السياسات دون غيرها في إطار شبكات المحاباة والزبونية؟

أولًا- المصالح الأمريكية في سوريا الجديدة

  مثلت سوريا تحديًا للسياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث كانت معقلًا للاشتراكية، وحليفًا وثيقًا للاتحاد السوفيتي، وتهديدًا لإسرائيل ولاعبًا رئيسيًا مناوئًا في الساحة اللبنانية، وداعمًا للقومية العربية منذ أن حصلت على استقلالها من فرنسا عام 1946[13]. حتى بعد سقوط المشروع العربي القومي في المنطقة وانتهاء الحرب الباردة، ظلت سوريا رقمًا صعبًا في الإقليم بتوثيق صلتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع روسيا، والتحالف العلني مع النظام الإيراني المعادي لإسرائيل والمتحدي للهيمنة الأمريكية على الإقليم[14].

 في ضوء هذه الخلفية التاريخية، فإن سقوط نظام الأسد مثل خبرًا سارًّا للإدارة الأمريكية، رغم ما مثله من مفاجأةٍ وغموض لمستقبل البلاد بعد استيلاء حركة أحرار الشام التي هي بالأساس ائتلاف ما بين عددٍ من الحركات السلفية الجهادية. تحركت إدارة بايدن الديمقراطية سريعًا للتعامل ببراجماتية واضحة مع التحول في سوريا، مركزةً على إمكانية تواجد فرص للمصالح الأمريكية. أولت إدارة بايدن مسالتي الأسلحة الكيماوية وتحقيق تحول شامل في سوريا يخضع لحكم القانون الأولوية القصوى خلال الأسابيع القليلة المتبقية لها، تاركةً المصالح الاستراتيجية لإدارة ترامب. وقد يسرت الإدارة الجديدة في سوريا الأمر بإعلانها الاستعداد للتعاون في هذا المجال[15]. وفي ذات السياق، استغلت إسرائيل الفترة الانتقالية بين الإدارتين الديمقراطية والجمهورية في الولايات المتحدة، واندفعت في الجنوب السوري لاحتلال المزيد من الأراضي السورية معلنةً عدم التزامها باتفاق فض الاشتباك في الجولان الذي عٌقد مع سوريا عام 1974، وتبع ذلك سلسلة من الضربات الجوية التي استهدفت مخزون الجيش السوري من الأسلحة والذخيرة[16].

لم يبد ترامب في أيام إدارته الأولى اهتمامًا واضحًا بتطورات الأمر في سوريا، إلا في سياق الإِشادة بالرئيس التركي، الذي يرى ترامب أنه من أسقط نظام الأسد[17]، واستقبال الرئيس السوري الجديد على هامش زيارته إلى السعودية في مايو 2025[18]. وقد أشاد الرئيس الأمريكي بالرئيس السوري الجديد خلال لقائهما الأول في المملكة، وخلال استقباله في البيت الأبيض خلال نوفمبر 2025[19]. وكان من الملفت للنظر تركيز ترامب على أهمية إعطاء فرصة لذلك النظام لتثبيت حكمه وإدارة الأمور في سوريا، وكذلك التعرف على فرص الاستثمار للشركات الأمريكية في سوريا خاصةً في مجال الطاقة وكذلك عمليات إعادة الإعمار التي قد تحصل على تمويل خليجي.

 بالانتقال إلى التصريحات الصادرة عن توم باراك المبعوث الأمريكي للشأن السوري وبيانات الخارجية الأمريكية، يتسع تعريف الإدارة للمصالح الأمريكية لتشمل استمرار عمليات مكافحة الإرهاب وتعقب ما تبقى من تنظيم داعش، والإشارة لأهمية الاستقرار في سوريا كركيزة للاستقرار الإقليمي[20]. ما أجملته تصريحات المسؤولين الأمريكيين عن المصالح الأمريكية في سوريا لم يتطرق إلى مصالح أخرى استفاضت في عرضها عدد من مراكز الأبحاث، والتي تُركز على أن سوريا الجديدة لا يجب أن تكون حليفًا لإيران ويجب أن تكون فاعلة في عزل “حزب الله” وكذلك أمن إسرائيل؛ تمهيدًا لإلحاقها باتفاقيات التطبيع[21]. وعمومًا، فإنه من المهم التفصيل في هذه المصالح:

  1. مكافحة الإرهاب: كان للولايات المتحدة ما يقرب من ألفي جندي أمريكي في شرق وجنوب سوريا عشية إسقاط النظام؛ ذلك من أجل استمرار دحر تنظيم داعش وخلايا القاعدة بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الكردية. وتُشير التقديرات الأمريكية إلى استمرار احتمالية إحياء تنظيم داعش في ضوء ضعف السلطة المركزية، وانتشار التنظيمات السلفية في البلاد، مع امتلاك بعضها لعلاقاتٍ مع السلطة الجديدة[22].
  2. الفرص الاقتصادية في سوريا: كان الرئيس السوري حريصًا في لقائه الأول بالرئيس الامريكي في الرياض على عرض الفرص الكامنة للولايات المتحدة اقتصاديًا في سوريا، بالنظر إلى الخلفية التجارية للرئيس الأمريكي، سواء في مجال الطاقة أو إعادة الإعمار[23].
  3. استقرار سوريا: مثلت سوريا كبؤرة للصراع ومصدر لعدم الاستقرار على مدار ثلاثة عشر عامًا عبئًا على الأمن الإقليمي، بما صدرته من لاجئين ونازحين سوريين إلى دول الجوار خاصةً الأردن وتركيا، وكذلك مثلت مركزًا لتجارة المخدرات التي لجأ إليها نظام الأسد في سنواته الأخيرة، بالإضافة لكونها مصدر جذب للإرهابيين من مختلف دول العالم. وبالتالي، فإن دعم قدرة النظام السوري الجديد لبسط سيطرته على البلاد يُمثل ركيزةً للأمن الإقليمي، ويتعلق بأمن حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة مثل الأردن وتركيا ولبنان، فضلا عن تأمين التواجد الأمريكي في العراق[24].
  4. أمن إسرائيل: دعم نظام حليف للولايات المتحدة في سوريا يُمثل ركيزةً رئيسية لأمن إسرائيل، ليس فقط بتأمين حدودها مع سوريا، ولكن أيضًا بتحويل ميزان القوى الإقليمي بفقدان إيران لحليفٍ رئيسي لها في الإقليم، وعزل “حزب الله” جغرافيًا عن إيران، ومشاركة سوريا في حصاره ما يُسهل عملية إضعافه مستقبلا[25]

رغم وضوح المصالح الأمريكية، كما عبر عنها مسؤولو إدارة ترامب وعدم تعارضها ظاهريًا على الأقل، إلا أن ذلك لم يقُد إلى تطوير استراتيجية أمريكية واضحة في سوريا، ولعل سبب رئيسي في ذلك هو الارتباك الذي أصاب الإدارة في التعامل مع السلطة الجديدة التي تُصنف أغلب أعضائها كإرهابيين مطلوبين لديهم تاريخ في الانضمام لتنظيم القاعدة، وبافتراض الانفتاح على التعامل معهم، فلم يكن واضحًا إلى أي مدى يمكن الوثوق بهم[26]. حاولت عدد من الدول الإقليمية التوسط لدعم انفتاح الإدارة الأمريكية على القيادة السورية الجديدة، وعلى رأسها تركيا والسعودية وقطر[27]، بينما كررت الحكومة الإسرائيلية على مستوياتٍ مختلفة تصريحات بشأن عدم إمكانية الوثوق بالحكومة السورية الجديدة التي تُظهر غير ما تضمر تجاه إسرائيل والمصالح الغربية، ومبعث الإصرار على ذلك الموقف هو توفير الغطاء السياسي للاعتداءات المتكررة على السيادة السورية[28]، واحتلال المزيد من الأراضي والتدخل في الشأن السوري تحت ذريعة حماية الطائفة الدرزية، ثم الدعوة صراحةً إلى تقسيم سوريا إلى أربع دول على خطوط طائفية وعرقية[29].    

ثانيًا- السياسة الأمريكية تجاه سوريا

كان غياب استراتيجية ناظمة لتحقيق المصالح الأمريكية سببًا رئيسيًا في اتباع عدد من السياسات غير المتسقة بشأن سوريا، والمتناقضة في بعض الأحيان مع الهدف المرجو. وفي هذا السياق، فإنه يمكن النظر في السياسات المتبعة للتعامل مع كلٍ من الأهداف المذكورة أعلاه. يُعد الاستمرار في مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم داعش من أهم التزامات وأهداف الولايات المتحدة في سوريا[30]، إلا أنها أعلنت عن تقليل عدد جنودها في سوريا من ألفي جندي إلى بضع مئات وإعادة نشرهم للتخفيف من المسؤوليات المالية الخاصة بهم[31]. وبالتوازي مع ما سبق، يطرح عدد من مراكز الأبحاث اليمينية أهمية إنشاء قاعدة أمريكية في الجنوب السوري، من أجل ضمان أمن إسرائيل ولتصبح ركيزةً لمكافحة الإرهاب في المنطقة، بما في ذلك مراقبة الحدود السورية -اللبنانية وحرمان “حزب الله” من أي متنفسٍ لتهريب الأسلحة وإعادة بناء ترسانته. هذا الطرح الذي لم تتخذ الإدارة موقفًا بشأنه، يتنافى مع طرح المبعوث الأمريكي بتقليل التواجد العسكري في سوريا[32]. ورغم ما سبق، أوضحت بعض التقارير الصحفية على هامش زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن، أن البنتاجون يعتزم إنشاء قاعدة في قاعدة دمشق السورية ضمن الجهود الأمريكية للتوصل إلى اتفاق أمني إسرائيلي -سوري[33]، في الوقت الذي نفى الرئيس السوري أي إمكانية للتطبيع مع إسرائيل في ذات الزيارة إلى واشنطن بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ سورية[34].

أما فيما يتعلق بالمصلحة الأمريكية الثانية، فهي تحظى باهتمام الرئيس الأمريكي شخصيًا بما يمكن أن تمثله سوريا كفرصةٍ اقتصادية للشركات الأمريكية في مجال الطاقة، وإعادة الإعمار، وأبدت الحكومة السورية الجديدة ترحيبًا كبيرًا بالاهتمام الأمريكي[35]. ولكن الأمر كان بحاجةٍ لرفع العقوبات الأمريكية والدولية سواء على الدولة السورية أو أفراد الحكومة السورية، لذلك اتخذ الرئيس الأمريكي قرارًا في يونيو 2025 برفع أغلب العقوبات الأمريكية على الحكومة السورية مع تعليق لمدة ستة أشهر لقانون “القيصر”. أغلب العقوبات التي تم رفعها ذات طبيعة اقتصادية تُمكن الحكومة السورية من استئناف عمليات الاستيراد والتجارة الدولية، وتُتيح لها التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، وكذلك رفع أسماء المسؤولين السوريين الجدد من قائمة الإرهاب، ولكن تمسك الكونجرس الأمريكي باستمرار العمل بقانون “قيصر” الذي يستهدف الأفراد المتورطين في الحرب الأهلية السورية حتى مع تعليقه لمدة ستة شهور يتم تجديدها بالنظر لأداء الحكومة السورية[36]. وعلى الرغم من تعليقه، تبذل الحكومة السورية جهودًا متواصلة لإلغاء القانون، مشيرةً إلى أن استمرار وجوده حتى مع تعليق أثره يُمثل عامل طرد لأي مستثمر أجنبي يطمح في الدخول إلى السوق السوري. لذا كان الرئيس السوري حريصًا على زيارة بعض قيادات الكونجرس لشرح الأثر السلبي لهذا القانون، بل والاستعانة بالمواطن السوري الذي كان سببًا في فرض ذلك القانون لمحاولة إقناع الكونجرس بهذا الأمر، حيث لا يُعارض البيت الأبيض إلغاء القانون ولكن الأمر يبقي مرهونًا بيد الكونجرس[37]. في السياق ذاته، قدمت الإدارة الأمريكية دعمًا واضحًا لإزالة أسماء المسؤولين السوريين الجدد من قوائم التنظيمات الإرهابية الأممية. وتبدو السياسات الأمريكية هنا لديها بعض الاتساق مع الهدف النهائي، وهو تحقيق مكاسب اقتصادية أمريكية في سوريا، وإن كانت تحاول اتخاذ خطوات يُسيطر عليها الحذر من النخبة السورية الجديدة[38].

فيما يتعلق بالمصلحة الأمريكية الثالثة، مارست كل من السعودية وتركيا ضغوطًا واضحة على الإدارة الأمريكية الحالية لإعطاء الفرصة لسوريا الجديدة للاستقرار، دافعين بأن استقرار سوريا ضروري للأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، وإعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة بدعم نظام سني “معتدل” في دمشق، بعد أن سقطت العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 في نطاق التأثير الإيراني[39]. وقد جاء استقبال الرئيس السوري الجديد من جانب الرئيس الأمريكي في الرياض وواشنطن في هذا السياق، وكذلك ما تبع هذه اللقاءات من جهودٍ أمريكية لرفع العقوبات على الحكومة السورية دولةً وأفردًا، خاصةً أن هذه السياسات تحقق مصلحة أمريكية أصيلة بأن تحل محل التواجد الروسي في سوريا.

 لكن يُعد غض النظر الأمريكي عن التمدد الإسرائيلي العسكري، والتدخل المباشر في الشأن السوري الداخلي، واستباحة سوريا وتوجيه ضربات متتالية للعاصمة دمشق خصمًا رئيسيًا من جهود دعم استقرار سوريا الجديدة. لم يتوقف الموقف الأمريكي عند غض النظر، ولكنه امتد إلى تبرير هذه السياسات الإسرائيلية على لسان المبعوث الأمريكي لدى سوريا توم باراك بأن الحدود الدولية التي قسمت المشرق العربي طبقًا لاتفاق “سايكس -بيكو” لا تُلزم إسرائيل في شيء، الأمر الذي يُبرز عدم اتساق السياسات الأمريكية مع مصالحها في سوريا مرةً أخرى[40].

أخيرًا، فإن أمن إسرائيل من الجبهة السورية يُعد مصلحةً أمريكية في سوريا الجديدة، وفي هذا السياق فقد أطلقت الإدارة الأمريكية العنان للحكومة الإسرائيلية للتمدد في الجنوب السوري حتى وصلت إلى “ريف دمشق”، واستهدفت الترسانة السورية العسكرية في مختلف أنحاء البلاد، وتدخلت في الشأن السوري تحت ذريعة حماية الأقلية الدرزية، وأطلق مسؤولوها تصريحات تنادي بتقسيم الأراضي السورية إلى أربع دول على أسسٍ طائفية وعرقية[41]. ولكن يظل التساؤل: هل تنفيذ ما تطمح إليه إسرائيل سيُوفر لها الأمن من جهتها الشمالية، أليس من المرجح أن تدخل سوريا في حالةٍ من الفوضى التي لا يُمكن السيطرة عليها وتكون قواعد للتنظيمات المتطرفة، والتي ستطال إسرائيل بشكلٍ أو بآخر، كما أن استمرار تل أبيب على هذا النهج قد يضعها في مواجهة غير مرغوبة مع حليفٍ أمريكي آخر في المنطقة وهو تركيا؟

غياب الاتساق بين السياسات والأهداف الأمريكية لم يكن السمة الوحيدة للسياسة الأمريكية تجاه سوريا الجديدة، ولكن أيضًا تقديم أمن إسرائيل كمصلحةٍ على غيره من بقية المصالح. في السياق الأمريكي، من المفهوم الحرص على أمن إسرائيل، ولكن غض الطرف عن الممارسات الإسرائيلية في الجنوب السوري وما يمكن أنه يحمل معه ضررًا على المصالح الأمريكية الأخرى أمر آخر، على سبيل المثال الدفع بسوريا الجديدة للبحث عن رادع لإسرائيل وإن لم تقم بذلك حتى الآن، مما قد يفتح الباب لعودة إيران أو توثيق التواصل مع روسيا، وعلى أقل التقديرات مطالبة تركيا بلعب دور في حمايتها. هذا التضارب يطرح المزيد من التساؤلات حول تفسير سياسات إدارة ترامب تجاه سوريا.

ثالثًا- الزبونية كإطارٍ للسياسة الخارجية الأمريكية

تحت مظلة الزبونية يوجد عدد من المصادر التي تشكل السياسة الخارجية الأمريكية في إدارة ترامب الثانية، وعلى رأسها الاستعانة بشبكةٍ من الأقارب والأصدقاء في مناصب السياسة الخارجية وتهميش المؤسسات والخبراء من البيروقراطية، وهو ما يُعد جديدًا على الإدارات الأمريكية، بالإضافة للمصدر التقليدي الذي يمكن إدراجه تحت مظلة الزبونية وهي جماعات المصالح وعلى رأسها اللوبي الصهيونى والمركب الصناعي-العسكري، وتتنافس تأثيرات الزبونية مع تأثيرات القاعدة الانتخابية لترامب من حركة “ماجا” صاحبة شعار “أمريكا أولًا”، لذا سيتم التركيز على هذه المكونات الثلاثة في سياق الملف السوري.

1- شبكة علاقات الأقارب والأصدقاء         

على العكس من إدارة “ترامب الأولى”، استطاع ترامب تشكيل فريقه بحريةٍ كاملة وبرؤيةٍ واضحة لمكافأة داعميه وأقاربه وأصدقائه المقربين من عالم الأعمال، الذين عرفهم على مدار سنوات طويلة أو تجمعه بهم صلات أسرية. تمتع ترامب بقدرٍ كبير من الحرية في تشكيل فريقه للسياسة الخارجية هذه المرة، في ضوء سابق خبرته خلال إدارته الأولى، والتي استعان خلالها بعددٍ من العسكريين السابقين مثل جنرال ماكماستر- مستشار الأمن القومي السابق- وبعض كوادر الحزب الجمهوري مثل جون بولتون -مستشار الأمن القومي السابق أيضًا- ومايكل بومبيو -وزير الخارجية السابق. ولم يجد ترامب توافقًا مع الجميع، وهو ما كشف عنه لاحقًا بعد خروجه من السلطة، ووصل الأمر إلى العداء العلني مع بولتون[42]. هذه المرة قلل ترامب من أعداد الكوادر الحزبية التي انحصرت في وزير الخارجية ماركو روبيو، تبع ذلك تهميش دور وزارة الخارجية في أغلب ملفات السياسة الخارجية التي أٌسندت لمبعوثين ترامب وعلى رأسهم ستيف وتيكوف مبعوثه للشرق الأوسط والأزمة الأوكرانية، والذي يتمتع بصلة شراكة أعمال وصداقة معه على مدار عقودٍ طويلة، وهو رجل ليس لديه أي خبرة بالملفات التي يعمل عليها. كذلك مسعد بوليس صهره ومبعوثه للشؤون الأفريقية، والذي يتولى ملفات مثل ليبيا والكونغو والسودان، وهو كذلك رجل أعمال من أصولٍ لبنانية لم يعمل بالسياسة الدولية من قبل. قام أيضًا ترامب بتوزيع مناصب السفراء على عددٍ من المقربين والداعمين مثل تشارلز كوشنر صهره الآخر الذي تم تعيينه كسفيرٍ في فرنسا، وهو أيضًا رجل أعمال غير ناجح لم يسبق له العمل بالسياسة[43].

  هذه الخيارات كان لها تأثيرًا واضحًا على كافة الملفات لاستخدام السياسة الخارجية لتحقيق مصالح شخصية للرئيس والمقربين منه، ومنها على سبيل المثال، استباق زيارة ترامب إلى الخليج في مايو 2025 بزيارة لنجلي ترامب وويتكوف لعقد عدة صفقات في دول الخليج الثلاث “السعودية، والإمارات، وقطر”، وكافة الصفقات المبرمة هي صفقات إنشائية لا تحتاج لاستيراد تكنولوجيا معقدة أو مبرر قوي لإبرامها ليس فقط مع شركة ترامب وويتكوف، ولكن مع أي شركة أمريكية أو حتى غربية سوى شراء رضا ترامب[44].

فيما يخص الملف السوري، فلم يختلف مصيره كثيرًا عن الملفات السابقة؛ حيث تم تكليف السفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك بهذا الملف ضمن شبكة زبونية ومحاباة واضحة. باراك هو رجل أعمال ومحام عقارات من أصولٍ لبنانية، تعرف على جاريد كوشنر صهر ترامب عن طريق الأعمال التجارية، ودعم أعمال كوشنر في أوقاتٍ صعبة، ومن الملفت للنظر الدور المهم للسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة في تعريف الطرفين ببعضهما البعض خلال العقد الماضي. ومع صعود ترامب في الحزب الجهوري وفوزه بالرئاسة عام 2016، تقرب باراك من ترامب عن طريق صهره كوشنر وكان مدافعًا دائمًا عن ترامب في الإعلام خلال فترته الأولى. تعرض باراك لاتهاماتٍ علنية بالعمل مع دولة أجنبية -الإمارات- بعد ترك ترامب للسلطة، وعاد للمشهد مرةً أخرى مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض[45].

كان من الملفت ليس فقط تكليف باراك بالملف السوري، ولكن مد اختصاصه للملف اللبناني مع احتفاظه بمنصبه كسفير لدى تركيا، على الرغم من ضخامة الملف السوري[46]. طبقًا للمصالح الأمريكية، فليس هناك حاجةً واضحة لدمج هذه المناصب مع بعضها البعض وتكليف شخص واحد بها، الأمر الذي يطرح تساؤل حول إدارة الجانب الأمريكي للملف السوري: هل تتم طبقًا للمصالح الأمريكية؟ قد تكون الإجابة بنعم حيث إن هذه المقاربة لرؤية الملف السوري من زاوية أمن إسرائيل تجمع الملف اللبناني مع نظيره السوري وتُحقق مصلحة أمريكية، ولكن هذه الإجابة ليست دقيقة حيث إن أمن إسرائيل ليس بالمصلحة الوحيدة. وبالتالي، كان من الأولى تكليف خبيرين على الأقل بالأمر بدلًا من رجل أعمال ليس له أي خبرة دولية ورصيده الرئيسي هو دعمه الاقتصادي لصهر ترامب عندما تأزمت أوضاعه المالية، وضعًا في الاعتبار الصلة الوثيقة بين جاريد كوشنر ورئيس الوزراء الإسرائيلي.

لم يتوقف الأمر عند تكليف باراك بالملف اللبناني إلى جانب الملف السوري على مستوى المسميات والمناصب، بل امتد لحركة المبعوث الأمريكي التي ركزت على مسألة “نزع سلاح حزب الله” كأولوية يضغط لأجلها على الحكومة اللبنانية، مقارنةً بالعديد من الملفات الهامة على الساحة السورية. قام باراك خلال عام 2025 بأكثر من خمس زيارات رسمية إلى لبنان لمناقشة مسألة نزع سلاح حزب الله، بينما زار دمشق مرتين على الأكثر[47]. أضف إلى ذلك مستوى التصريحات المختلفة عن مسألة ترسيم الحدود في الشرق الأوسط وعدم أهميتها بالنسبة لإسرائيل، وأن سوريا ولبنان كانتا جزءين من بلاد الشام الكبرى. وهو الأمر الذي لا يمكن فصله عن خلفية الرجل وقربه من جاريد كوشنر الموالي لإسرائيل[48].

2- جماعات الضغط “اللوبي الصهيوني” 

  لا يمكن تجاوز تأثير جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة على مختلف الإدارات ومنها إدارة ترامب، والذي تطرق له تفصيلا جون مرشيمر وستيفن والت قبل عقدين من الزمان[49]. وإدراج جماعات الضغط تحت مظلة الزبونية، رغم قانونية ما تقوم به من أنشطة، يعود إلى طبيعة العلاقة التي تقوم على تبادل المصالح بين مجموعة ذات مصالح ضيقة مقابل دعم المرشح في اعتلاء السلطة، وفي الحالة الأمريكية غالبًا الدعم يكون تمويل للحملات الانتخابية المطلوبة في بلد شاسعة مثل الولايات المتحدة[50].

 وجدير بالذكر، أن ترامب كان من أكثر الرؤساء امتنانًا لجماعات الضغط الصهيونية وحقق لها خلال فترته الأولى ما لم يجرؤ أي رئيسٍ أمريكي على القيام به، وهو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وما يحمله ذلك من اعتراف بأن القدس عاصمة إسرائيل، وكذلك الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السورية. ولم يختلف الوضع كثيرًا خلال الإدارة الثانية له؛ حيث أزال كافة القيود على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وفتح لها المجال للإجهاز على ما تبقى من غزة، وعمل على فرض تسوية مجحفة لصالح إسرائيل على القطاع، ويبدو ذلك منطقيًا بضخ مريم إديلسون إحدى قيادات جماعات الضغط الصهيونية لما يقرب من مائة مليون دولار في حملته الانتخابية للرئاسة، وهي ذاتها التي لعبت دورًا جوهريًا لحث إدارة ترامب الأولى لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس[51].

في ضوء ما سبق، يُمثل تعيين توم باراك وثيق الصلة بجاريد كوشنر نقطة التقاء بين مكافأة شبكة الأقارب للرئيس ترامب وإرضاء للوبي الصهيوني، حيث تُفسر المعطيات السابقة تحركات وتصريحات المبعوث الأمريكي التي تعكس تبني كامل لرؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي تجاه سوريا ولبنان، وغض الطرف عن الاحتلال الإسرائيلي لمزيدٍ من الأراضي السورية، بل وتبرير هذه التحركات أحيانًا أخرى بتقديم الأمن الإسرائيلي كأولوية على أية قواعد للقانون الدولي، فضلا عن التفسير بشكلٍ لا يناقض المصالح الأمريكية. كذلك، فإن تواجد اللوبي الصهيوني في الكونجرس عطل سوريا الجديدة عن التخلص الكامل من العقوبات، وتحديدًا قانون “قيصر” حتى نهاية عام 2025[52]، حيث تم تمرير بند ضمن قانون التفويض الوطني للدفاع للعام 2026 يقوم برفعٍ كامل لهذه العقوبات في 18 ديسمبر 2025. وبهذا تكون عملية رفع عقوبات “قانون قيصر” بمثابة حالة لتحول الموقف الأمريكي لتقديم المصالح الأمريكية عند تعارضها مع نظيرتها الإسرائيلية.

3- حركة “ماجا”… توجه مختلف

  الاختلاف الرئيسي بين إدارتي ترامب الأولى والثانية هو التواجد القوى لحركة “ماجا” في تكوين إدارته الثانية ممثلةً بشكلٍ رئيسي في نائب الرئيس، وكانت الحركة أحد أهم محركات السياسة الخارجية الأمريكية إبان إدارة ترامب الثانية تجاه عدد من الملفات ومنها حرية الملاحة في البحر الأحمر واليمن، خاصةً بعد تسريبات المحادثات داخل الإدارة التي أوضحت اختلافًا واضحًا عما يجب أن تقوم به الولايات المتحدة نيابةً عن أوروبا لضمان حرية الملاحة، وكذلك الحرب الروسية ضد أوكرانيا[53].

 ولا يقع تأثير حركة “ماجا” تحت مظلة الزبونية؛ حيث إن تأثيرها هو تمثيل لقاعدة انتخابية ذات مصالح واسعة. وتُفضل الحركة عدم تبني الولايات المتحدة لأية سياسات من شأنها زيادة الإنفاق أو التواجد العسكري الأمريكي في الخارج، وخاصةً في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من عدم اهتمام الحركة بالتحولات في سوريا الجديدة، كان هناك توجه واضح لدى الإدارة وقبل صياغة أي استراتيجية بضرورة سحب ما تبقى من قوات أمريكية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد[54]، إلا أنها سرعان ما تخلت عن هذا التوجه. وأشارت العديد من التقارير إلى رغبة رسمية أمريكية في إنشاء قاعدة أمريكية في الجنوب السوري، تكون بمثابة تعزيز للتواجد الأمريكي في الإقليم وتأمين للحدود الإسرائيلية الشمالية، وإن كان من غير الواضح إذا كان ذلك سيكون مصحوبًا بانسحاب إسرائيلي من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد[55].

 وهذا التحول بالطبع يُقدم المصلحة الإسرائيلية على المصلحة الأمريكية التي لا تحتاج بالضرورة إلى هذه القاعدة، إلا إذا كانت ضمن اتفاق أشمل يضمن السلام الدائم بين سوريا وإسرائيل، وهو ما يصعب تصوره مع الحكومة اليمينية الحالية في إسرائيل. 

بالنظر إلى سياسة ترامب تجاه سوريا إبان إدارته الأولى حيث لم تكن لحركة “ماجا” ذات الثقل، نجد أن ترامب روج لمسألة سحب القوات الأمريكية من سوريا واتخذ قرارًا بذلك نهاية عام 2018[56]، ولكن استطاعت مؤسسات الدولة الأمريكية التحايل على ذلك القرار والاحتفاظ بالتواجد العسكري في سوريا مع تقليله لارتباط الأمر بمسألة مكافحة الإرهاب، ولم يستطع ترامب تنفيذ ما كان يصبو إليه خلال فترته الأولى. ولكن في ظل الإدارة الثانية، فإن ترامب لا يُواجه المعارضة ذاتها من مؤسسات الدولة الأمريكية، لذلك عندما أعلن توم باراك نية الولايات المتحدة إنهاء تواجدها في سوريا تصور البعض أن إجلاء ما تبقى من جنودٍ أمريكيين في سوريا مسألة وقت، ولكن ما تم هو استمرار التواجد العسكري الأمريكي مع احتمالية زيادته لإنشاء قاعدة أمريكية. وهذا ما يدعم حجة التقرير بأن شبكات المصالح والمحاباة والزبونية المتداخلة، مثل اللوبي الصهيوني وأقارب الرئيس، أقوى تأثيرًا في السياسات الأمريكية من تمثيل “حركة ماجا” التي تُمثل القاعدة الانتخابية.

خاتمة:

حاول التقرير تفسير عدم الاتساق بين الخطاب السارد للمصالح الأمريكية والممارسة التي لا تتبع ما يلزم من سياساتٍ لتحقيق هذه المصالح. واعتمادًا على إطار شبكات الزبونية والمحاباة لتفسير عملية صنع واتخاذ القرار الأمريكية تجاه سوريا الجديدة، يمكن استخلاص أن تعيين توم باراك كمبعوثٍ للملف السوري كان بمثابة مكافأة له على دعم الرئيس وصهره على مدار سنواتٍ طويلة سياسيًا وماليًا، وإرضاءً للوبي الصهيوني، وهو ما يفسر تحركات وتصريحات توم باراك التي تطرح المصالح الأمريكية ثم تتبنى سياساتٍ تولي الأولوية للمصالح الإسرائيلية. لذلك؛ كان الصدام بين هذه التناقضات حتميًا، وقد عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي نفسه في الأول من ديسمبر 2025 على حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث حاول بتعليقٍ طويل وغير مباشر مطالبة إسرائيل بالتوقف عن الأنشطة التي تُقيد الجهود الأمريكية والإقليمية لتوفير فرصة للحكومة السورية الجدية، واصفًا الوضع في سوريا بالفرصة التاريخية للسلام. وتُعد هذه المرة الأولى التي يُقرر فيها الرئيس الأمريكي عدم التغاضي عن السياسات الإسرائيلية التي تُناقض المصالح الأمريكية في جزءٍ منها[57].      

   وفي ضوء عدد التصريحات والسياسات التي عبر عنها الرئيس الأمريكي ومبعوثه تجاه سوريا ثم تم التراجع عنها، فإنه يصعُب التنبؤ بما ستؤول إليه التطورات خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار التفاعل بين صلات الأقارب والمصالح مع اللوبي الصهيوني من جانب، في مواجهة ما تدفع به حركة “ماجا” من ضرورة التوقف عن الاستثمار في العديد من الملفات الخارجية من جانبٍ آخر. وإن كان يمكن القول، بشكلٍ مبدئي، إنه في ضوء محدودية أهمية الملف السوري لحركة “ماجا”، فمن المنتظر أن تقترب السياسات الأمريكية أكثر من الأولويات الإسرائيلية في سوريا، في حال كانت الجهود المطلوبة سياسية ودبلوماسية ولا تكلف أموالا ولا دمًا.


باحث دكتوراه، ومحاضر العلاقات الدولية والدبلوماسية بمركز دراسات السلام والصراعات بجامعة Wayne State بولاية ميتشجن.

[1] Wedeen, Lisa. “Forever Has Fallen: The End of Syria’s Assad.” Journal of Democracy 36, no. 2 (April 2025): 50-58.

[2] Al Jazeera Staff, “‘Not Our Fight’: President-Elect Trump Distances US from Syria’s Conflict,” Al Jazeera, December 7, 2024, available at: https://tinyurl.com/y8rybvxn

[3] على الرغم من قيام الإدارة الأمريكية برفع العقوبات عن سوريا في 30 يونيو إلا أنها قللت من المساعدات الموجهة إلى سوريا في ذات الوقت:

Aron Lund, “In Syria, It’s Trump vs. Trump,” Foreign Policy, July 18, 2025, available at: https://tinyurl.com/4s6d8w2z

[4] Jonathan Masters, “U.S. Foreign Policy Powers: Congress and the President,” Council on Foreign Relations, March 2, 2017, available at: https://tinyurl.com/mtmu9w8w

[5] Brian Katulis, “US Policy in the Middle East: Second Quarter 2025 Report Card,” Middle East Institute, July 31, 2025, available at: https://tinyurl.com/4xzs9y5h

[6] James David Barber, The Presidential Character: Predicting Performance in the White House (Englewood Cliffs, N.J: Prentice Hall, 1972).

[7] Graham T. Allison, Essence of Decision: Explaining the Cuban Missile Crisis (Boston: Little, Brown, 1971).

[8] John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt. The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2007.

[9] Alex Roland, Delta of Power: The Military-Industrial Complex (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 2021.)

[10] Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich. Berkeley: University of California Press, 1978.

[11] Scott, James C. “Patron-Client Politics and Political Change in Southeast Asia.” American Political Science Review 66, no. 1 (1972): 91-113.

[12] Shoemaker, Christopher C., and John W. Spanier. Patron-Client State Relationships: Multilateral Crises in the Nuclear Age. New York: Praeger, 1984.

[13] Metz, Helen Chapin, ed. Syria: A Country Study. Washington, DC: Library of Congress, 1988.

[14] Zisser, Eyal. “Syria and the United States: Bad Habits Die Hard.” Middle East Quarterly 10, no. 3 (2003): 29-38.

[15] Unit For Political Studies, “Biden’s Approach to Post-Assad Syria,” Doha Institute, January 12, 2025, available at: https://tinyurl.com/y5tzhjne

[16] Al Jazeera, “Israeli Army Carries out Its Latest Ground Incursion in Southern Syria,” Al Jazeera, September 14, 2025, available at: https://tinyurl.com/3876f47b

[17] Hürriyet Daily News, “Trump Hails Türkiye as Key Player in Post-Assad Syria – World News,” Hürriyet Daily News, December 17, 2024, available at: https://tinyurl.com/4vmrvt6c

[18] William Christou, “Trump Meets Syria’s ‘attractive, Tough’ President after Lifting US Sanctions,” The Guardian, May 14, 2025, available at: https://tinyurl.com/3h5m8hz5

[19] Al Jazeera Staff, “Trump Hosts Syria’s Al-Sharaa at White House as US Extends Sanctions Relief,” Al Jazeera, November 11, 2025, available at: https://tinyurl.com/5a69n6cr

[20] JACOB WIRTSCHAFTER and AHMED QWAIDER, “US Envoy Tom Barrack’s ‘integration’ Vision Sparks Debate on Syria’s Future,” Yahoo! News, November 5, 2025, available at: https://tinyurl.com/4ah5wu66

[21] Christopher Blanchard, “Syria: Transition and U.S. Policy ,” Congressional Research Service, September 5, 2025, available at: https://tinyurl.com/2np2574t

[22] Ibid.

[23] Ibid.

[24] Ibid.

[25] Ibid.

[26] Satloff, Robert B. “After Assad: Navigating Syria Policy (Part 1).” Washington Institute for Near East Policy, Policy Notes, December 2024. Available at: https://tinyurl.com/djweypfb

[27] Chatham House, “The meeting of al-Sharaa and Trump has shifted the balance of power in the Middle East” (Chatham House, May 16, 2025), available at: https://tinyurl.com/2pjun4zy

[28] Lazar Berman, “Israel warns rebel leader it won’t accept jihadist groups in southern Syria” (JNS.org, December 23, 2024), available at: https://tinyurl.com/3dm7fw2n

[29] Gideon Sa’ar. “US media: Israel wants to divide Syria.” ISNA News Agency. March 6, 2025. Available at:

https://en.isna.ir/news/1403121510635/US-media-Israel-wants-to-divide-Syria

[30] Christopher Blanchard, Op cit.

[31] Thomas Barrack. “Ambassador: US to reduce military bases in Syria ‘to one’.” Responsible Statecraft. February 28, 2025. Available at: https://tinyurl.com/3z2trkjd

[32] Ido Levy. “Reducing the U.S. Presence in Syria Too Quickly Could Help the Islamic State” (Washington Institute for Near East Policy, June 4, 2025), available at: https://tinyurl.com/3fz6rbsk

[33] Reuters, “US to establish military presence in Damascus to monitor potential Israel-Syria security pact,” The Times of Israel, November 6, 2025, available at: https://tinyurl.com/363s88bt

[34] Michael Hernandez, “Syrian president rules out normalization deal with Israel for now” (Anadolu Ajansı, November 11, 2025), available at: https://tinyurl.com/4ewpk423

[35] The Business Standard. “US firms to develop Syria energy masterplan after Trump lifts sanctions.” The Business Standard, August 2, 2025. Available at: https://tinyurl.com/3tvevtkm

[36] Christopher Blanchard, Op cit.

[37] Middle East Institute. “Help Syria move forward — Repeal the Caesar Act sanctions.” Blog post. November 10, 2025. Available at: https://tinyurl.com/4uk5bswu

[38] Ibid.

[39] Chatham House, Op. cit.

[40] Sean Mathews, “Israel sees Sykes-Picot borders as ‘meaningless,’ US envoy Tom Barrack says,” Middle East Eye, August 29, 2025, available at: https://tinyurl.com/47w5jhww

[41] Gideon Sa’ar, Op. cit.

[42] Judy Kurtz. “The history of how Trump and Bolton’s relationship fell to tatters.” Fox News, August 22, 2025. Available at: https://tinyurl.com/y42ujrwy

[43] Eric Petry. “Uncovering Conflicts of Interest and Self-Dealing in the Executive Branch.” The Brennan Center for Justice, February 19, 2025. Available at: https://tinyurl.com/5ha497cv

[44] The New York Times (Cited in PBS NewsHour). “Trump business deals revive questions about his family profiting off the presidency.” PBS NewsHour, May 16, 2025. Available at: https://tinyurl.com/yy7d4p4c

[45] Zamaan Qureshi. “US Foreign Policy For Sale: Thomas Barrack, Jared Kushner and the UAE.” Byline Times,  July 27, 2021. Available at: https://tinyurl.com/9ed9ner7

[46] Jacob Wirtschafter and Ahmed Qwaidr, Op. Cit.

[47] Al-Majalla. “The ‘Barrack Plan’ for Lebanon: A Final Push for Disarmament.” Al-Majalla News, August 18, 2025. https://www.majalla.com.

Middle East Institute. “U.S. Diplomacy in the Post-Assad Era: The Role of Ambassador Tom Barrack.” MEI Analysis, November 12, 2025. https://www.mei.edu.

National News Agency (NNA). “Speaker Berri Receives U.S. Envoy Tom Barrack at Ain el-Tineh.” NNA Lebanon, June 19, 2025. http://www.nna-leb.gov.lb.

Reuters. “U.S. Envoy Barrack Meets with Syrian Officials in Damascus to Discuss Border Security.” Reuters, September 16, 2025.

U.S. Department of State. “Press Release: Special Envoy Tom Barrack’s Travel to Beirut and Ankara.” U.S. State Department, August 7, 2025. https://www.state.gov.

[48] Imad Harb, “The Unmitigated Danger of Lebanon’s Current Moment,” Arab Center Washington DC, December 2, 2025, available at: https://tinyurl.com/yu3mmpd5

[49] John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt. Op. Cit.

[50] Ibid.

[51] Michael Wolff, All or Nothing: The Inside Story of the New Administration (New York: Henry Holt and Company, 2025), 45-52.

[52] . “Inside Congress’ battle to repeal Syria’s Caesar sanctions.” Al-Monitor, October 24, 2025. Available at: https://tinyurl.com/42r34875

[53] Jeffrey Goldberg, “The Secret War,” The Atlantic, March 24, 2025, available at: https://tinyurl.com/5fmsep8v

[54] Thomas Barrack, Op. cit.

[55] Reuters, Op. cit.

[56] Scott Anderson, “President Trump’s Mad Dash out of Syria,” Brookings, December 20, 2018, available at: https://tinyurl.com/4syjd7kb

[57] Lazar Berman and Nava Freiberg, “Trump Speaks to Netanyahu, Invites Him to Visit, Warns Israel Not to ‘interfere’ in Syria | The Times of Israel,” Times of Israel, December 1, 2025, available at: https://tinyurl.com/2ahcywf6

نشر في العدد 40 من فصلية قضايا ونظرات – يناير 2026

أحمد نبيل صادق

باحث دكتوراه، ومحاضر العلاقات الدولية والدبلوماسية بمركز دراسات السلام والصراعات بجامعة Wayne State بولاية ميتشجن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى