الحرب السيبرانية والبعد العقائدي فيها.. قراءة تحليلية في ضوء التحولات الأمنية والرمزية للفضاء الرقمي

تُشكل الحرب السيبرانية أحد أبرز ملامح الصراع في القرن الحادي والعشرين، حيثُ امتزج البُعد التقني بالبعد العقائدي والفلسفي ليكوِّنا معًا ميدانًا جديدًا للهيمنة وإعادة تشكيل المعنى. يسعى هذا التقرير إلى تحليل الحرب السيبرانية بوصفها ظاهرة تتجاوز المفهوم الأمني التقليدي نحو فضاء أيديولوجي عابر للحدود، تُستخدم فيه الشيفرة الرقمية كأداة رمزية لإعادة إنتاج الخطاب العقائدي والسيطرة على الوعي الجمعي[1].
يهدف هذا المقال إلى إبراز التفاعل بين العقيدة والتكنولوجيا، وإلى قراءة الحرب السيبرانية من منظور فلسفي يربط بين المعرفة والقوة والهوية، في عصر العولمة الرقمية من خلال استعراض مضمون بعض المصادر التي تناولت هذا الموضوع.
المقدمة
أحدثت الثورة الرقمية تحوُّلًا جوهريًّا في طبيعة الصراع البشري، إذْ لم تَعُدْ ميادينُ الحرب محصورةً في الجغرافيا المادية، بل امتدَّت إلى فضاء سيبراني غير مرئي يُدار عبر الخوارزميات والبيانات. هذا التحوُّل لم يغيِّر أدوات الصراع فحسْب، بل أعاد تعريف مفاهيم مثل:
الأمن – الهيمنة – الشرعية… ومع تزايد الاعتماد على النُظم الرقمية في البنى التحتية للدول، ظهرت الحرب السيبرانية كأحد أكثر أشكال المواجهة تعقيدًا وغموضًا.
وفقا لمقال مفهوم وتاريخ الأمن السيبراني المنشور على موسوعة الجزيرة؛ فالأمن السيبراني لم يعد مجرَّد فرعٍ من فروع أمن المعلومات، بل أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي. غير أن قراءة الظاهرة من منظور تقني بحت تُغفل جانبًا محوريًّا هو البُعد العقائدي، أي استخدام الفضاء الرقمي لتجسيد سرديات دينية أو أيديولوجية أو قومية تهدف إلى إعادة بناء الوعي الجمعي والسيطرة على رمزية الحقيقة.
انطلاقًا من هذا الإطار، نسعى إلى معالجة إشكالية مفادها:
كيف يتقاطع البعد العقائدي مع الممارسة السيبرانية لتشكيل نمط جديد من الحروب الرمزية؟
أولًا: الإطار المفاهيمي والتاريخي للحرب السيبرانية
يعرف الأمن السيبراني بأنه:
مجموع الإجراءات التقنية والتنظيمية الرامية إلى حماية الأنظمة والبيانات من التهديدات التي تستهدف سرية المعلومات وتكاملها وتوافرها. لكن هذا المفهوم تطوَّر تدريجيًّا منذ تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت الدول تدرك أن السيطرة على المعلومة لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.
ويُظهر تحليل سمير باي أن الحرب السيبرانية تمثِّل نقلة نوعية في الفكر الاستراتيجي، إذ تُتيح للدول والجهات الفاعلة من غير الدول استخدام أدوات رقمية لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية دون اللجوء إلى القوة المسلَّحة. ويُعَدُّ هجوم “ستوكسنت” على المنشآت النووية الإيرانية في 2010 نقطة مفصلية كشفت كيف يمكن للهجوم السيبراني أن يُحدث أثرًا استراتيجيًا يماثل العمل العسكري المباشر. منذ تلك اللحظة، تحوَّل الفضاء السيبراني إلى ميدان حرب غير تقليدي تتقاطع فيه أجهزة المخابرات والشركات الكبرى والجماعات العقائدية، في مشهد يعيد إنتاج الصراع حول “المعنى” أكثر من “المكان”.
ثانيًا: البعد العقائدي في الفعل السيبراني
يُظهر مقال سحنون أن العديد من القوى السياسية والحركات الأيديولوجية باتت تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره جبهة عقائدية لا تقل أهمية عن الميدان المادي. وفي التجربة الإيرانية، على سبيل المثال، يتجلَّى مفهوم “المقاومة الرقمية“في محاولة بناء فضاء سيبراني مستقل يحمي القيم الإسلامية من الاختراق الثقافي الغربي. هذا التوجُّه يربط بين الدفاع السيبراني وواجب “الجهاد المعرفي”، حين يُصبح الفضاء الرقمي مجالًا لصيانة الهوية الدينية في وجه الاستعمار المعلوماتي. أمَّا إسرائيل، فتتعامل مع الحرب السيبرانية ضمن عقيدة “الردع الذكي“، التي تسعى إلى تكريس السيطرة على تدفُّقات المعلومة كأداة لضبط الخصم دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة معه. في المقابل، تُقَدِّم الولايات المتحدة الفضاء السيبراني كامتداد لمشروعها الليبرالي العالمي، حيث تُؤَطِّرُ الهجمات أو الدفاعات الرقمية ضمن خطاب “الأمن القيمي”، الذي يرى أن حماية النظام المعلوماتي العالمي هي حماية للقيم الديمقراطية ذاتها.
إذن، لا يمكن فصل الممارسة التقنية عن خلفيتها الفكرية، فالحرب السيبرانية تُعيد صياغة الأيديولوجيا في شكل جديد: عقيدة رقمية تتغذَّى من الرموز والخوارزميات بقدر ما تتغذَّى من النصوص والمفاهيم.
ثالثًا: التحليل الفلسفي للحرب السيبرانية كأداة للهيمنة الرمزية
تُظهر المراجعة النظرية أن الحرب السيبرانية ليست فقط فعلًا عدائيًّا فيزيائيًّا، بل هي أداة فلسفية لإعادة توزيع السلطة المعرفية. إن السيطرة على المعلومة في هذا السياق تماثل السيطرة على الحقيقة ذاتها، بما يجعل من الفضاء الرقمي ساحة لصراع تأويلي بين الروايات. فحين تتحكَّم قوَّة ما في تدفُّق البيانات، فإنها لا تحمي أنظمتَها فحسْب، بل تُعيد تشكيل إدراك الآخرين للعالم. يؤكِّد هذا التحليل ما أشار إليه ميشيل فوكو في مفهومه عن “السلطة والمعرفة”، حيث لا يمكن فصل القوة عن إنتاج الحقيقة. في الحرب السيبرانية، تتحوَّل هذه الفكرة إلى ممارسة واقعية، إذ يُعاد بناء الإدراك الجمعي من خلال الخوارزميات، وتُوجَّه المجتمعات نحو تصورات محدَّدة عن الذات والآخر، دون أن تدرك أنها في قلب عملية “إخضاع معرفي ناعم”. من هذا المنظور، يمكن القول إن البعد العقائدي للحرب السيبرانية يقوم على احتكار الرمزية الرقمية، أي التحكُّم في المعاني الكامنة داخل البنية التقنية ذاتها، بما يجعل الحرب تتجاوز المجال المادي إلى مجالٍ فلسفي وجودي.
رابعًا: حقوق الإنسان وحرية التعبير في ظل السيطرة الخوارزمية
جوهر التحدي اليوم لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في المنطق الخوارزمي الذي يحكمها والذي يقوم على تحويل كلِّ تجربة بشرية إلى بيانات قابلة للقياس، مما يجرِّد الفعلَ الإنسانيَّ من عمقه القيمي ويختزله إلى مؤشِّرات كمية. في هذا السياق، تُعاد صياغة حرية التعبير وفق معايير الحساب، حيث تحدد الخوارزميات ما هو “مرئي” وما هو “مهم” وما يستحق الانتشار. إذ انتقلت سلطة الرقابة من الدول إلى المنصَّات، ومن المؤسسات القانونية إلى الأكواد الرياضية، في عملية خفية تتستَّر وراء مفاهيم الحياد التقني. النتيجة هي رقابة ناعمة تُمارس باسم تحسين التجربة الرقمية، لكنها في الحقيقة تشكِّل بنية هيمنة جديدة أكثر تعقيدًا، إذ تحجب أصواتًا، وتضخِّم أخرى، وتُعيد هندسةَ المجال العام بما يتَّسق مع مصالح رأس المال المعلوماتي.
من منظور حقوق الإنسان، تمثِّل السيطرة الخوارزمية تحديًا مضاعفًا. فهي تضع مبادئ الكرامة والخصوصية والاختيار الحر على المحكِّ، إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على التتبُّع الدقيق وتحليل السلوك للتنبُّؤ بالقرارات المستقبلية. بذلك، تتحول الذات الإنسانية من كيان عاقل حرٍّ إلى مُخْرَجٍ احتمالي في منظومة تحليلية أوسع. إنَّ الحق في حرية التعبير، كما نصَّت عليه المواثيق الدولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يقوم على افتراض استقلال الوعي الإنساني عن آليات السيطرة. لكن حين تُحاصر الكلمة ضمن فضاء خاضع للتصنيف الآلي، تفقد حريتها الجوهرية وتتحول إلى محتوى مُقاس بمستوى “التفاعل”. هذا الانزياح يخلق نموذجًا جديدًا للرقابة، ليس المنع الصريح كما في الأنظمة السلطوية التقليدية، بل الإغراق بالمعلومات والضجيج الموجَّه الذي يُغَيِّبُ المعنى الحقيقي للنقاش العام.
خامسًا: استعادة التوازن بين التقنية والإنسان
لا بدَّ من الاعتراف بسلطة الخوارزميات وأن نخضعها للمساءلة. لا يكفي سَنُّ القوانين لحماية الخصوصية أو تقييد استخدام البيانات، بل يجب تطوير مدونة “حقوق رقمية” تضمن الشفافية في تصميم الخوارزميات، وتمنح الأفراد حق فهم كيف تُتَّخَذَ القرارات التي تؤثِّر على حياتهم اليومية. كما أن النهوض بمبدأ “الذكاء الاصطناعي الأخلاقي” لا يمكن أن يتحقَّق دون إشراك فلاسفة الأخلاق وعلماء الاجتماع إلى جانب المبرمجين، في إطار حوار عابر للتخصُّصات يُعيد الاعتبار للإنسان كغاية وليس كوسيلة تحليلية. فالمسألة في جوهرها ليست تقنية، بل أنثروبولوجية وأخلاقية، تتعلق بحدود السيطرة ومفهوم الذات في زمن أصبحت فيه الخوارزميات هي الحَكَم بين الفكرة وصداها، وبين الإنسان وصورته في العالم الرقمي.
وهكذا، يبدو أن الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير في عصر السيطرة الخوارزمية لم يعد مهمة قانونية فحسب، بل مشروعًا حضاريًّا لإعادة تعريف علاقة الإنسان بالمعرفة والسلطة. إن بناء فضاء رقمي عادل لا يتحقَّق إلَّا بإرساء مبادئ الشفافية والمساءلة والتمكين الأخلاقي للوعي البشري. فبينما تُعَدُّ الخوارزميات نتاج العقل الإنساني، فإن خطرها يكْمن في قدرتها على تجاوزه، حين تُترك بلا ضابط قيمي أو نقد فلسفي. ومن هنا تنبثق مهمَّة للمفكرين وصنَّاع القرار: أن يجعلوا من الذكاء الاصطناعي أداةً لتحرير الإنسان، لا لترويضه؛ وسبيلًا لتكثيف الوعي، لا لتوجيهه؛ وأن يُعيدوا للحرية معناها الأصيل كقدرة على الاختيار المستنير لا كخيار محكوم مسبقًا بمعادلات رقمية.
سادسًا: العلاقات الدولية بين الأقطاب الكبرى في الصراع السيبراني[2]
باتت القوة الدولية تُقاس بمدى السيطرة على الفضاء السيبراني وقدرات الدولة على إدارة البيانات والتأثير في تدفُّقات المعلومات. لقد ولَّدت الرقمنة تحوُّلًا هيكليًّا في مفهوم القوة؛ إذ انتقلنا من نموذج
«القوة الصلبة» إلى ما يمكن تسميته بـ«القوة الخوارزمية»، حيث تتحوَّل الكودات والبيانات إلى أدوات تأثير تعادل في خطورتها الأسلحة النووية. هذه المرحلة الجديدة جعلت العلاقات الدولية ساحة مفتوحة لما يُعرف بـ«الصراع السيبراني»، حيث لم تعد المواجهة مباشرة بين جيوش، بل بين خوادم وأقمار صناعية ونظم ذكاء اصطناعي تُدار عن بُعد.
تتجلَّى ملامح هذا الصراع في توازن هَشٍّ بين ثلاث قوى كبرى:
(الولايات المتحدة والصين وروسيا). الأولى تمتلك بنية تحتية سيبرانية تمتدُّ جذورُها إلى بدايات الإنترنت نفسه، وهي التي ما تزال تتحكَّم في أغلب بروتوكولات الاتصالات العالمية، ما يمنحها سلطة شبه خفية على الفضاء الرقمي. في المقابل، صعدت الصين بقوة في العقد الأخير عبر بناء نموذجها الخاص في الأمن السيبراني الممزوج بالمركزية والرقابة الصارمة، والذي تُجَسِّدُهُ “جدرانها النارية الكبرى” وبرامج المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي. أمَّا روسيا، فقد ركَّزت على استراتيجية هجومية تعتمد على الاختراقات الموجَّهة وحملات التضليل المعلوماتي كجزءٍ من أدواتها في الحرب الهجينة. وهكذا، أصبح الصراع السيبراني تعبيرًا عن إعادة توزيع القوة بين أقطاب تسْعى لتثبيت هيمنتها في فضاء لا يعترف بالجغرافيا، ولا يخضع لقانون دولي واضح.
في جوهر هذا التنافس، لا تدور المسألة حول حماية البيانات أو الدفاع عن الخصوصية فحسْب، بل حول احتكار تدفُّق المعرفة وتشكيل وعي الشعوب. فالصراع على البيانات هو صراع على تفسير الواقع ذاته. عندما تمتلك دولة القدرة على مراقبة أنماط السلوك البشري وتحليلها، فإنها لا تسيطر على الأفراد فحسب، بل على إمكاناتهم الإدراكية، أي على قدرتهم في إدراك العالم واتخاذ القرار. من هنا تتبدَّى الخطورة الفلسفية للصراع السيبراني: إنه ليس مجرد تنازع بين قوى عظمى على موارد رقمية، بل هو صراع على الإنسان ذاته، على وعيه وحدوده وإمكاناته. لقد أصبح الإنسان في هذا النظام الخوارزمي أشبه بمصدر بيانات أكثر منه ذاتًا فاعلة، مما يجعل الصراع السيبراني امتدادًا للتحكُّم في البنية المعرفية للكوكب.
أمَّا من منظور العلاقات الدولية، فقد أدَّى هذا الصراع إلى نشوء تحالفات جديدة خارج الإطار التقليدي للمؤسسات الأممية. فعلى سبيل المثال، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا إلى بناء “ناتو سيبراني” يربط بين أجهزة الاستخبارات ومراكز الدفاع السيبراني ضمن منظومة مشتركة للردع الرقمي. في المقابل، تعمل الصين وروسيا على تطوير فضاء إنترنت بديل مستقل عن السيطرة الغربية، عبر شبكات مغلقة وبنى تحتية محلية للذكاء الاصطناعي. هذه الازدواجية أدَّت إلى انقسام الإنترنت ذاته إلى فضاءات متوازية -ما يُعرف بـ”Splinternet”- فلم يعد العالم يشترك في فضاء معلوماتي واحد، بل في فضاءات مؤدلجة، تعكس مصالح القوى الكبرى وتعيد إنتاج حدودها الأيديولوجية في الفضاء الرقمي.
إن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو غياب إطار قانوني دولي شامل ينظِّم هذا النوعَ من الصراعات. فبينما تضع الأمم المتحدة مبادئ عامَّة حول السلوك المسؤول في الفضاء السيبراني، لا تزال الدول العظمى تتعامل مع الهجمات الإلكترونية باعتبارها أدوات شرعية في الدفاع عن مصالحها القومية. وهنا تظهر مفارقة فلسفية عميقة: التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تُقَرِّبَ بين الأمم وتفتح آفاق التعاون، تحوَّلت إلى أداة صراع تُعيد تعريف السيادة في شكلها الأكثر تجريدًا. فالدولة في عصر السيبرانية لم تعُد تُدافع عن حدودها الترابية، بل عن “بنى معلوماتها” ومجالها الإدراكي الرقمي.
يمكن القول إن العلاقات الدولية في زمن الصراع السيبراني قد دخلت طورًا جديدًا تتشابك فيه السياسة بالتقنية، والمعلومة بالقوة، والبيانات بالأمن القومي. لم يعد النظام الدولي يُدار عبر قواعد الدبلوماسية الكلاسيكية، بل عبر معادلات الذكاء الاصطناعي والتدفُّقات الخوارزمية التي ترسم خرائط النُّفوذ. وإذا كانت الحرب الباردة قد انتهتْ بسقوط جدار برلين، فإن الحرب السيبرانية المعاصرة تُبنى جدرانُها داخل الأسلاك، في الكودات، وفي البنى الذهنية التي تشكِّل وعي المجتمعات. إنها حربٌ من دون مدافع، لكنها قد تعيد تشكيل النظام الدولي من جذوره، لأنها لا تستهدف الأجساد بل العقول، ولا تسعى لتدمير البنى المادية بل إعادة برمجة الوعي الإنساني ذاته.
سابعا: مناقشة واستنتاجات نقدية
تُظهر المراجعة التكاملية للمصادر الثلاثة أن الحرب السيبرانية تمثِّل تجسيدًا لمرحلة ما بعد الحداثة في الصراع البشري، حيث تمتزج التقنية بالعقيدة، والمعلومة بالرمز، والردع بالمغالطة الإدراكية.
تُسْهم الرؤية التي قدَّمتْها المصادر التي اعتمد عليها هذا المقال في توضيح البنية التقنية والتاريخية، والأبعاد الأمنية الوطنية، وتقدِّم بُعْدًا فلسفيًّا وعقائديًّا يربط الفضاء الرقمي بمنظومة القيم. هذا التلاقي المعرفي يُشير إلى أن الحرب السيبرانية هي نظام شامل من الإنتاج الرمزي أكثر منها مجرد هجوم أو دفاع.
وعليه، يمكن فهمها كأداة لإعادة تشكيل الإنسان في سياق معرفي جديد، حين تصبح الخوارزمية هي الوسيط بين العقيدة والسلطة. إن الصراع لم يعد حول من يمتلك السلاح، بل حول من يمتلك الحق في تعريف الحقيقة. وهذا ما يجعل الحرب السيبرانية ساحة للهيمنة الثقافية والعقائدية، بقدر ما هي أداة للصراع الأمني.
الخاتمة
تُظهر المصادر أن الحرب السيبرانية تتجاوز كونها ظاهرة تقنية إلى كونها بنية رمزية – عقائدية تُعيد رسم حدود السلطة والمعرفة في العالم المعاصر. لقد أصبح الأمن السيبراني جزءًا من الأمن الوجودي للأمم، حين يرتبط الدفاع عن الأنظمة الرقمية بالدفاع عن الهُوية ذاتها.
إن فهم هذا الصراع يتطلَّب مقاربةً فلسفيةً تتجاوز التحليل التقني نحو تحليل خطاب القوة والمعنى. فالفضاء السيبراني لم يعد مجرَّد مجال للاتصال، بل أصبح ميدانًا لإعادة إنتاج الإيمان والهوية والسيطرة الرمزية على وعي الإنسان.
المراجع
- الأمن السيبراني مفهومه وتاريخه، 19 سبتمبر 2024، الموسوعة | الجزيرة نت، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4kep8ki
- سمير باي، التهديدات الأمنية السيبرانية: دراسة في انعكاسات الحرب الإلكترونية على الأمن القومي للدول واستراتيجيات المقاومة، مجلة الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية، المجلد 8، العدد 2، يونيو 2023، ص ص 189-200، متاح عبر الرابط التالي: https://asjp.cerist.dz/en/article/224527
مؤمن سحنون، المقاومة السيبرانية العالمية: الهاكرز في خدمة الأمة، تبيان، 16 نوفمبر2024، متاح عبر الرابط التالي: https://tipyan.com/cyber-resistance/ - P. W. Singer & Allan Friedman, Cybersecurity and cyberwar: What everyone needs to know®, (New York: Oxford University Press, 2013).
[1] يعتمد التقرير على مراجعة تحليلية لثلاثة مصادر رئيسية:
– الأمن السيبراني مفهومه وتاريخه، 19 سبتمبر 2024، الموسوعة | الجزيرة نت، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4kep8ki
– سمير باي، التهديدات الأمنية السيبرانية: دراسة في انعكاسات الحرب الإلكترونية على الأمن القومي للدول واستراتيجيات المقاومة، مجلة الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية، المجلد 8، العدد 2، يونيو 2023، ص ص 189-200، متاح عبر الرابط التالي: https://asjp.cerist.dz/en/article/224527
– مؤمن سحنون، المقاومة السيبرانية العالمية: الهاكرز في خدمة الأمة، تبيان، 16 نوفمبر2024، متاح عبر الرابط التالي: https://tipyan.com/cyber-resistance/
[2] P. W. Singer & Allan Friedman, Cybersecurity and cyberwar: What everyone needs to know®, (New York: Oxford University Press, 2013).