إعادة بناء مؤسسات الدولة: الجيش نموذجًا

مقدمة:

يأتي عام 2026 وهو يحمل تغيرات جيوسياسية إقليمية وعالمية معقدة، ففي المنطقة تتصاعد توترات في إيران نتيجةً للتهديدات الأمريكية والاضطرابات الداخلية، ويستمر العدوان الإسرائيلي على غزة بالرغم من وقف إطلاق النار، هذا بجانب تصاعد الهجمات على لبنان، واستمرار الحرب في السودان، بالإضافة إلى استمرار العديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في العديد من دول المنطقة. وفي المجمل، فعدم الاستقرار في المنطقة هو السائد مع تصاعد في كافة أزماتها، تقع في قلب ذلك كله سوريا بعد الأسد، حيث سقط نظام الرئيس الأسد، صباح يوم الثامن من ديسمبر 2024، بعد عمليةٍ عسكرية قامت بها المعارضة السورية المسلحة، بدأت في 28 نوفمبر2023، وبشكلٍ متسارع، كان سقوط سهل لحلب ثم حماة وجاءت خاتمتها في حمص ودمشق.

سقط حكم أسرة الأسد في غضون عشرة أيام تقريبًا، بعد حكم يقترب من 54 عامًا، حكم منها بشار الأسد 24 عامًا. وانتصرت المعارضة السورية، بعد مضي ما يزيد على 13 عامًا من “ثورات الربيع العربي”، وقد انطلقت فيها المظاهرات العفوية السلمية المطالبة بالتغيير في مارس 2011، وقمعها النظام بعنفٍ شديد بعد أن كاد يسقط، وتحولت المواجهة إلى حربٍ عسكرية بين النظام والمعارضة، تقدم فيها الأسد بدعم وتأييد مباشر من روسيا وإيران، قبل أن يعود ويسقط، فتقف سوريا ما بعد الأسد على مفترق طرق، بين مساراتٍ مطلوبة وتحدياتٍ جمة داخلية وخارجية، سواء فيما يتعلق بتقليل حدة الاقتتال الداخلي أو السيطرة الكاملة على الأراضي السورية أو التعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع السوري بعد 13 عام من الحرب الأهلية أو التعامل مع التغييرات الجيو سياسية في الإقليم أو التغيير في النظام الدولي. أما بالنسبة للمسارات المطلوبة، فتتمثل في الآتي: مسار نحو تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الداخلية، مسار الشرعية السياسية سواء عبر انتخاباتٍ وطنية أو جدول زمني لإجرائها، مسار إعادة إعمار البلاد. وأخيرًا، مسار إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش السوري، والأخير هو المؤسسة التي ساعدت النظام في إغراق سوريا في حربٍ أهلية طاحنة أتت على الأخضر واليابس.

ففي لحظة سقوط الأسد تراجعت جاهزية الجيش؛ إذ أحالت العديد من التقارير أسباب عدم قدرة الجيش السوري التصدي لتقدم المعارضة، ومن ثم انسحاباته المتتالية، إلى حالة الإنهاك التي يُعاني منها الجيش نتيجة انخراطه في نزاعٍ على مدار ما يزيد عن 13 عامًا، هذا فضلًا عن مزيجٍ من الخسائر البشرية والانشقاقات والتهرب من التجنيد الإجباري بما أدى إلى خسارة الجيش لنحو نصف قوته البالغة 300 ألف جندي[1].

إن إعادة تشكيل الجيش السوري يطرح العديد من الأسئلة منها، ما هو مسار الجيش في العقد الأخير ووضعه الحالي؟ ومن يملك السلاح الآن في سوريا؟ وكيف يمكن التعامل معهم؟ وما هي الخطط التي ظهرت خلال العام الماضي لإعادة تشكيل الجيش؟ وأخيرًا، ما الذي تم تنفيذه من هذه الخطط، وما الذي لم يتم تنفيذه؟ ولماذا؟ تحاول هذه الورقة الإجابة عن تلك الأسئلة من أجل وضع رؤية حول مسار من أهم مسارات وتحديات سوريا الجديدة، ألا وهو الجيش والقطاع الأمني.

أولًا- وضع الجيش السوري في نهاية عهد بشار

يعود شكل الجيش ما قبل سقوط بشار إلى عمليات حافظ الأسد في تشكيل الجيش، فمع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم تثبيت حكم حافظ الأسد عام 1970، تحوّل الجيش تدريجيًا من مؤسسة مُسيسة إلى أداة سلطة. لم يعد معيار الترقي والكفاءة مهنيًا بحتًا، بل بات مرتبطًا بالولاء السياسي -الأمني. ورغم الخطاب القومي السائد، جرى تفريغ مفهوم “الجيش الوطني” من مضمونه، دون أن يعني ذلك غياب وطنية الأفراد، بقدر ما يعني انحراف وظيفة المؤسسة نفسها[2].

 وعليه، أنشأ حافظ الأسد “سرايا الدفاع” لحمايته الشخصية بعد سنة 1970، وذهبت قيادتها إلى شقيقه رفعت. أصبحت “السرايا” القوة الضاربة في سوريا، وتهافت العلويون على الالتحاق بها لأن رواتبها كانت أفضل، وكذلك امتيازاتها كافة، إضافة لكونها “فوق القانون” ولا تخضع للمساءلة القضائية. استُخدمت “السرايا” لقمع حركة الإخوان المسلمين سنة 1982، وكانت مسؤولة عن مجزرة حماة التي راح ضحيتها ما بين 50 إلى 100 ألف مواطن سوري، معظمهم من المدنيين. وفي سنة 1984 استخدمت “السرايا” من قبل رفعت الأسد للانقلاب على أخيه، وبعد إجهاض محاولته الانقلابية الفاشلة، أمر الأسد بحلها وتطوير الحرس الجمهوري، الذي أصبح الذراع الضاربة للنظام حتى وفاة الأسد سنة 2000[3].

ومع سقوط الأسد، انكشفت الأوضاع، فظهرت وحدات الجيش العربي السوري وهي طبقات متوازية من التشكيلات العسكرية التي كانت تتعايش تحت مسمي الجيش، لكنها عمليًا كانت تعمل وفق منطق الولاءات المناطقية والطائفية والتمويلية. فالجيش السوري لم يكن مؤسسةً موحدة، بل جماعات تضم وحدات مركزية كانت لا تزال تمتلك حدُا معقولا من الخبرة والانضباط، وتشكيلات شبه نظامية نشأت خلال الحرب وتحولت لاحقُا إلى قوى محلية تمتلك نفوذُا عسكريُا واقتصاديُا، إضافةً إلى هامش واسع من الجماعات المسلحة غير المنضبطة التي تتغذى على شبكات التهريب والمصالح المحلية والتحالفات العابرة للحدود[4]، وكان التأثير الإيراني ثم الروسي واضحًا في الجيش السوري في عهد بشار، حيث تحالفت أو أنشأت القوتان وحدات تابعه لها، ومنها:

  1. الفرقة الرابعة: ظهرت في عهد بشار، وكانت أقرب إلى الميليشيا من كونها مجموعة عسكرية نظامية، يقودها شقيقه الأصغر ماهر الأسد. بقيت عناصر “الفرقة الرابعة” فوق القانون، مثل “الحرس القومي”، يعتقلون ويهرّون ويضربون، ويتدخلون في كل مفاصل الحياة اليومية دون أي محاسبة. بثوا الرعب والإرهاب في نفوس السوريين، وأشرفوا على شبكة فساد كبيرة جدًا، منها تهريب السلاح إلى “حزب الله”، وتصنيع الحبوب المخدرة (الكبتاجون)، حتى سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024. وقد تحالفت الفرقة الرابعة مع إيران ومع “حزب الله”، ووصل عدد عناصرها إلى 29 ألف مقاتل، اختفوا يوم فرار الرئيس السوري المخلوع إلى موسكو، بعد أن ألقوا سلاحهم، وغادروا مواقعهم العسكرية، إما إلى لبنان أو إلى العراق أو إلى قرى الساحل السوري[5].
  2.  الفيلق الخامس: بدأت روسيا في إنشاء الفيلق الخامس مع محاولات إصلاح الجيش السوري أثناء التعاون الروسي السوري بداية من عام 2016، وتم إنشاء الفيلق الجديد بالكامل من المتطوعين، لتجنب التحديات التي يواجهها المجندون من الفرار وعدم كفاية الدافع. وتقاضى المقاتلون من 200 إلى 300 دولار أمريكي شهريُا، وهو راتب جذاب للغاية في سوريا التي مزقتها الحرب في ذلك الوقت. وتلقى الأفراد تدريبُا أساسيُا من مدربين روس، فضلُا عن تدريب تكتيكي أطول وأكثر شمولُا. وجرى تشكيل وحدات إضافية من خلال تجنيد متطوعين جدد وقدامى الجنود، كما تم إنشاء مراكز تجنيد مخصصة للفيلق في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك في دمشق وحمص وحماة وحلب وطرطوس واللاذقية والسويداء. وفي عام 2018، تم تجنيد المحاربين السابقين من محافظة درعا أيضُا في الفيلق الخامس أو ما يُطلق عليه اللواء الثامن[6].

 وتكون العداد العسكري للفيلق من دبابات T-62M القديمة، بالإضافة إلى دبابات T-72B3 ودبابات  T-90A  المطورة بمدافع رشاشة، وشاحناتٍ صغيرة مثبتة بمدافع أوتوماتيكية، واستُخدم الفيلق الخامس لاقتحام تدمر، وفرض السيطرة على الصحراء السورية، وفك الحصار عن دير الزور والاستيلاء على وادي الفرات ودرعا[7]. وهناك تقارير ومعلومات تشير إلى أن اجتماعات مكثفة تجري في مناطق مثل درعا لمناقشة حل أو دمج الفيلق الخامس ضمن هيكل “الجيش السوري الجديد”، وحتى كتابة هذه الورقة لم يتحدد مصير الفيلق الخامس[8].

وإضافة على ما سبق، يتضمن الجيش كل من القوات البرية والبحرية والجوية، وقد تم إعلان حل الجيش السابق خلال “مؤتمر النصر” في 29 يناير 2025، وتضمن القرار استبعاد مؤسسي للضباط والجنود الذين خدموا في الجيش السوري السابق -ومعظمهم من العلويين- من الهياكل الأمنية الجديدة، وفي نفس السياق، فقد صدر عفوًا عامًا عن جميع المجندين الذين يؤدون الخدمة الإلزامية، ولا ينطبق العفو على الضباط والجنود الذين تطوعوا للخدمة. أما فيما يتعلق بالقدرات العسكرية، فقد دُمرت معظم أسلحة الجيش السوري الثقيلة وبنيته التحتية الجوية والبحرية في غاراتٍ إسرائيلية خلال عام 2025[9].

إن مسارات الجيش السوري التاريخية تستدعي إعادة هيكلة شاملة، ليس فقط نتيجة العقد ونصف الأخير من الاقتتال الداخلي والتدخلات الخارجية، بل أيضًا نتيجة أن عملية تشكيل الجيش منذ البداية لم تكن لتحقيق الوظيفة الأمنية المنوطة به، بل حماية النظام بصرف النظر عن المخاطر الأمنية والعسكرية الحقيقية.

ثانيًا- الجماعات المسلحة والسيطرة على الأرض

نتج عن قمع النظام السوري للمظاهرات المطالبة بإسقاطه عسكرة الثورة السورية، والتي نتج عنها ظهور العديد من الجماعات المسلحة سواء كانت سورية أو أجنبية من العرب والأجانب، إن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي تلك الجماعات في مشهد ما بعد بشار؟ وما وضعها مع محاولات إعادة إصلاح المؤسسة العسكرية السورية؟ نجد أن أهم تلك الجماعات هي:

  1. هيئة تحرير الشام

    وهي الفصيل الأقوى، إذ قادت الهجوم الخاطف على الرئيس السابق بشار الأسد، ما دفعه إلى الفرار إلى روسيا الحليفة، وقد تشكلت هيئة تحرير الشام في 28 يناير 2017، باندماج كل من “فتح الشام” و”حركة نور الدين زنكي” (التي انفصلت عنها لاحقًا) و”جبهة أنصار الدين” و”لواء الحق”. سيطرت الهيئة على منطقة شمال غربي سوريا وأنشأت إدارة مدنية هي “حكومة الإنقاذ”، واستغلت فترة وقف إطلاق النار من عام 2020 حتى عام 2024 في إنشاء ألوية عسكرية مقاتلة بلغت 18 لواءً.

 وقد خططت الهيئة، بالتحالف مع بعض الفصائل الأخرى، على رأسها الحزب الإسلامي التركستاني “قومية الأيجور”، وحزب أنصار التوحيد “مرتبط سابقًا بتنظيم القاعدة”، وتنظيم أجناد القوقاز “من الشيشان”، وحركة أحرار الشام “عرب سنة”، وحركة صقور الشام، وجيش العزة، وتنظيم التوحيد والجهاد “وهو تنظيم مصغر ينحدر عناصره من أوزبكستان”؛ لعملية “ردع العدوان” التي انطلقت في 28 نوفمبر 2024 وانتهت بسقوط نظام الأسد ودخول إدارة العمليات العسكرية إلى دمشق يوم 8 ديسمبر 2024. وتُشكل فصائل هذه الهيئة حاليًا، جوهر القوى المسلحة المنضوية في وزارة الدفاع السورية وسيطرت على مدينة حلب شمال غرب البلاد، ثم توغلت جنوبًا عبر حماة وحمص، قبل أن تُسيطر على العاصمة دمشق.[10]

  • قوات سوريا الديمقراطية (قسد)

    تأسست في خريف 2015 في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، إحدى المناطق الحدودية في شمال سوريا التي تسكنها أغلبية كردية. منذ البداية، عُرف عن “قسد” أنها مدعومة بشكلٍ مباشر من الولايات المتحدة، وأنها تشكلت لتصبح الشريك المحلي لقوات التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، وترفض حتى الآن الدخول إلى وزارة الدفاع إلا كجسمٍ عسكري له خصوصيته المكانية والتنظيمية في شمال شرق الفرات -على الرغم من الموافقة الأولية السابقة[11]– وهو الأمر الذي ترفضه الإدارة الجديدة في دمشق، ومناطق نفوذها الأساسية هي أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا[12].

يشهد الوضع الحالي بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تصعيدُا عسكريُا متجددُا، تركز في البداية على مدينة حلب وانتقل مؤخرُا إلى ريفها الشرقي، وسط تبادل للقصف والاتهامات، فهناك محاولات من الطرفين للسيطرة على مناطق نفوذ قسد في حلب، ولا تزال المناوشات مستمرة، يأتي هذا التصعيد وسط جمود في المفاوضات السياسية بين دمشق و”قسد” بشأن دمج الإدارات المدنية والعسكرية الكردية ضمن الهيكل الحكومي السوري[13].

  • فصائل جيش سوريا الحرة

ظهر لأول مرة عام 2015 تحت اسم “جيش سوريا الجديد”، أو “جيش مغاوير الثورة”، بدعمٍ وتدريبٍ أمريكي، بهدف محاربة داعش وقوات النظام السوري، وكذلك مواجهة التحركات الإيرانية في سوريا، متخذًا من قاعدة التنف الأمريكية الحدودية مع الأردن والعراق مركزًا له.

تُرجح تقديرات مختلفة بأن عدد مقاتليه هو 2500 من المقاتلين من أبناء العشائر في تلك المنطقة، والذين يتم تدريبهم من القوات الأمريكية بشكلٍ مستمر. وقد عقد جيش سوريا الحرة عدة لقاءات مع الإدارة الجديدة ومع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وتم الاتفاق النهائي على تبعية الجيش لوزارة الدفاع والإدارة الجديدة في دمشق، وحضر قادة التشكيل “مؤتمر النصر” وأيدوا كافة مخرجاته[14].

  • التشكيلات الدرزية في مدينة السويداء

تنضوي هذه التشكيلات تحت ثلاثة كيانات رئيسة: الأول هو ما يسمى “المجلس العسكري للسويداء” الذي يضم قوات محلية، والثاني هو “غرفة عمليات الحسم”، أما الثالث فهو “غرفة العمليات المشتركة”، هذه الفصائل منتشرة في السويداء ومناطق في ريف دمشق مثل جرمانا وصحنايا، لحماية المناطق ذات الأغلبية الدرزية. وفي يوليو 2025، وقعت اشتباكات عنيفة بين فصائل درزية وقوات موالية للحكومة (مدعومة بمقاتلين من قبائل بدوية) خلفت مئات القتلى والجرحى، ويُطالب حكمت الهجري الزعيم الروحي لدروز السويداء بإنشاء “إقليم مستقل” للدروز في جنوب سوريا ثم تبعيته لإسرائيل لاحقًا[15].

  • تشكيلات الساحل السوري

وتشكل أغلبها من ضباط وعسكريين موالين للنظام المخلوع ومتهمين بقيادة عملياته ضد المدنيين وبارتكاب جرائم وانتهاكاتٍ متعددة، وقد أثارت هذه المجموعات توترات متصاعدة واتُهمت بتنفيذ عمليات ضد المدنيين وخاضت اشتباكات متكررة مع قوى الأمن. وتضم هذه المجموعات تشكيلات مختلفة، يجمعها خطاب معلن يطالب بالإفراج عن معتقلين من عناصر النظام المخلوع، وإعادة المفصولين منهم إلى وظائفهم، وإلى جانب مطالب سياسية أبرزها الفيدرالية ووقف ما تقول إنها انتهاكات ذات طابع طائفي.

وفي الميدان، برزت فصائل مسلحة يتبع مؤسسوها أو قادتها للطائفة العلوية، ويشارك فيها عناصر ممن يوصفون بأنهم فلول النظام المخلوع، ممن رفضوا التسويات التي طرحتها السلطة الجديدة واتجهوا إلى العمل المسلح المناوئ لها، وأدت عملياتهم إلى سقوط قتلى من عناصر الأمن والمدنيين. ومن تلك الفصائل:

أ- لواء درع الساحل: وتشكل اللواء من بقايا الفرقة 25، وهي قوات خاصة في الجيش السوري للنظام المخلوع، واستثمر التوتر الطائفي لتعبئة أبناء الطائفة العلوية ضد السلطة الجديدة، وتأسس اللواء في مدينة اللاذقية وله انتشار في طرطوس، حيث أدى دورًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار الأمني بعد سقوط النظام من خلال التحريض الطائفي، وتنفيذ هجمات على قوات الأمن، والسعي إلى إعادة إنتاج نفوذ عسكري سابق، ويرتبط اللواء وينسق مع أتباع النظام الفارين إلى لبنان.

ب- المجلس العسكري لتحرير سوريا: وتأسس في مارس 2025 على يد قائد اللواء 42 في جيش الأسد غياث دلا، وتبنّى هجمات في ريف اللاذقية، وأعلن أن هدفه “تحرير سوريا من المحتلين” وإسقاط النظام الجديد. وتبنى هجمات في ريف اللاذقية، كبدت قوى الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة خسائر بشرية كبيرة، تمثلت في مقتل نحو 250 عنصرًا وجنديًا، مع وجود مفقودين والعثور على مقابر جماعية تحتوي على عشرات القتلى من القوات التابعة لوزارة الداخلية السورية.

ج- رجال النور -سرايا الجواد: وبرز هذا الفصيل مطلع أغسطس 2025 مع إعلان تشكيل جماعة مسلحة معارضة للحكومة الجديدة عبر حساب فيسبوك حمل اسم “رجال النور -سرايا الجواد”، وتشكّلت السرايا من عناصر وضباط سابقين في قوات وأجهزة نظام الأسد، يمتلك بعضهم خبرات في العمل الاستخباراتي، ينشط الفصيل في مناطق الساحل السوري، ولا سيما اللاذقية وجبلة وطرطوس[16].

يتضح من المشهد الجماعاتي المسلح في سوريا أن أهم تحديات السلطة الحالية يكمن في الجماعات المسلحة المعادية لها التي لها تحالفات خارجية، ذلك ليس فقط على صعيد الأمن الداخلى والسيطرة على الأرض وعجز النظام الجديد عن فرض سيطرته، بل أيضًا في إشكالية مما يتكون الجيش؟ ومن يحمل السلاح في سوريا؟ وما التداعيات المستقبلية لهذا التشرذم بين الجماعات واختلاف المصالح والتدخلات؟

ثالثًا- مسارات إعادة تشكيل الجيش السوري

منذ سقوط نظام الأسد بدأت الحكومة الانتقالية الجديدة بجمع السلاح من ضباط وعناصر الجيش النظامي، عبر مراكز تسوية فُتحت في معظم المحافظات السورية الواقعة شرق الفرات. وبالتوازي مع عمليات التسوية، سار النظام السوري الجديد في ثلاثة مسارات أساسية حتى الآن لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية، اعتمادًا على هيكلية الكلية العسكرية التي أسستها “حكومة الإنقاذ” في إدلب في أكتوبر 2021[17]، وتتمثل المسارات المتبعة في: إقرار سلسلة من الترقيات والتعيينات العسكرية، إعادة تشكيل المناطق العسكرية والفرق والألوية في الجيش الجديد، أما المسار الثالث فهو التواصل مع الفصائل المسلحة المختلفة من أجل ضمها لوزارة الدفاع والداخلية الجديدتين. والتفصيل فيما يلي:

المسار الأول: مرحلة التعيينات والترقيات العسكرية

 عملت السلطة الجديدة في دمشق على البدء في تنفيذ سلسلة من التعيينات والترقيات العسكرية، في ظل هيمنة هيئة تحرير الشام والفصائل التي تحالفت معها في إدارة العمليات المشتركة على المشهد العسكري السورية الرسمي من خلال وزارة الدفاع. جرت فعاليات هذه المرحلة حتى الآن على موجتين أساسيتين، في الأولى أصدر أحمد الشرع، قرارًا في 28 ديسمبر 2024، بترقية وزير الدفاع الجديد، مرهف أبو قصرة، ورئيس هيئة الأركان الجديد، علي نور الدين النعسان، إلى رتبة لواء، وترقية 5 ضباط إلى رتبة عميد، و42 ضابط إلى رتبة عقيد. وقد كان العنصر الطاغي على هذه الترقيات عناصر هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها، مع عددٍ محدود من قيادات فصائل الجيش الوطني الموالي لتركيا، ومن بين الأسماء الـ 49 الواردة في القرار سالف الذكر، ستة أجانب، بينهم ألباني وأردني وطاجيكي وتركي، وآخر من الإيجور ينتمي إلى الحزب الإسلامي التركستاني، كما ان الأشخاص السبعة الذين تم ترقيتهم إلى رتبة لواء أو عميد، جميعهم ينتمون لهيئة تحرير الشام.[18]

المرحلة الثانية من عمليات الترقية والتعيين تمت عبر لجنة التعيينات التي يتولى رئاستها رئيس أركان الجيش السوري، اللواء علي نور الدين النعسان، وكانت مهمتها تعيين كبار مسؤولي الدولة العسكريين وقادة الفرق والألوية، وقد شرعت هذه اللجنة منذ فبراير 2025 في إقرار سلسلة من التعيينات الجديدة في قيادات الفرق والألوية والأجهزة العسكرية والأسلحة المختلفة، على عدة مراحل، وكان طاغيًا على هذه التعيينات المنتمين إلى فصائل هيئة تحرير الشام وفصائل الجيش الوطني المدعوم من تركيا.

المسار الثاني: مرحلة إعادة تشكيل الفرق العسكرية والألوية وتعيين قادتها

  مع اتخاذ الإدارة السورية الجديدة القرار بإلغاء التجنيد الإجباري والاعتماد بشكلٍ كبير على التطوع، وفي ظل عدم اكتمال عملية ضم الفصائل المسلحة الموجودة على التراب السوري حتى الآن؛ بدأت وزارة الدفاع الجديدة تنفيذ خطة مبدئية لإعادة تشكيل الفرق العسكرية والألوية، تتضمن المرحلة الأولى منها، تشكيل نحو 20 فرقة عسكرية أساسية في عموم المحافظات السورية، بإجمالي 300 ألف مقاتل، على مرحلتين أيضًا أولاها تشمل تجنيد ما بين 50 إلى 80 ألف مجند، ومن ثم ضم الفصائل مع سلاحها ضمن الفرق الجديدة، على أن يتسلم إداراتها ضابط منشق من العاملين في الجيش الوطني أو من إدارة العمليات العسكرية، يكون مرتبطًا بوزارة الدفاع، بحيث تخضع كل الفرقة لتعليمات الوزارة. وخلال هذه المرحلة، سيكون كل قائد فصيل على رأس فصيله، ريثما تبدأ المرحلة الثانية.

هذا بالإضافة إلى جهود لجنة أخرى تم تشكيلها تسمى “اللجنة العليا لتنظيم البيانات العسكرية”، تهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات تشمل البيانات البشرية “ضباط، صف ضباط، أعضاء وكوادر أكاديمية”، بجانب الأصول العسكرية من الآليات، والثكنات، والأسلحة. وعليه، عملت وزارة الدفاع، بعد تشكيلها، على عقد لقاءات موسعة مع ما يزيد على 130 فصيلًا ووحدة عسكرية، بهدف إنهاء مسمياتها السابقة ودمجها ضمن تشكيلاتٍ نظامية موحّدة؛ وتُوّج هذا المسار بتشكيل نحو 25 فرقةً عسكرية موزعة على مختلف الجغرافيا السورية[19].

وفي إطار إعادة تشكيل الفرق العسكرية، تتمركز في دمشق وريفها ثلاث فرق عسكرية رئيسية، أبرزها الفرقة 90 المنتشرة داخل العاصمة، وبالرغم من غياب تشكيل رسمي تحت مسمى الحرس الجمهوري المرتبط بالعاصمة وإدارة القصر الجمهوري والعمليات الخاصة بالعاصمة، إلا أن هذه الخطوة تعكس إدراكًا لأهمية دمشق بوصفها مركزًا سياسيًا ورمزيًا، لكنها في الوقت ذاته تُثير إشكالية إعادة إنتاج وظائف أمنية كانت مرتبطة سابقًا بجهاز شديد الخصوصية والولاء.

 أما في ريف دمشق، تتوزع الفرقتان 70 و44، وتضم الفرقة 70 خليطًا من عناصر فصائل متعددة مثل جيش الإسلام، وفيلق الرحمن، والجيش السوري الحر. هذا التنوع يعكس محاولة استيعاب أكبر قدر ممكن من القوى المسلحة ضمن بنيةٍ واحدة، لكنه في الوقت نفسه، يضع القيادة أمام تحدي توحيد العقيدة والانضباط داخل تشكيل يضم خبرات ومسارات متناقضة. وتضطلع الفرقة 70 بمهامٍ أمنية مركبة، تشمل حماية وتأمين المناطق المحيطة بالعاصمة، سواء من جهة الغوطة الشرقية، أو من المدخل الجنوبي للعاصمة من ناحية الكسوة وصحنايا، أو من ناحية المعضمية وامتداد جبال القلمون غربًا وشمالًا. مع العلم أن مكافحة خلايا تنظيم الدولة، والتصدي لتهريب المخدرات، يكشف أن الجيش الجديد لم يُبن بعد على تقسيمٍ تقليدي بين مهامٍ عسكرية وأمنية، بل يعمل ضمن مساحة هجينة تخلط بين الوظيفتين.

وتضم محافظة حلب أربع فرق عسكرية هي 60  و72 و76 و80؛ ما يجعلها واحدةً من أكثر المناطق كثافةً من حيث الانتشار العسكري، لتنعكس أهمية حلب الأمنية الاقتصادية والديموغرافية، لكن تنكشف أيضًا تعقيدات الدمج، إذ إن معظم قادة الفرق ينحدرون من تشكيلاتٍ فصائلية مختلفة، بينها هيئة تحرير الشام والجيش الوطني. أما في إدلب، حيث تشكلت النواة الصلبة للفصائل التي أسقطت النظام، تتمركز الفرقتان 64 و82. ويُلاحظ هنا أن الجيش الجديد يستند بشكلٍ واضح إلى كوادر ذات خبرة تنظيمية وعسكرية متراكمة، بعضها يضم عناصر أجنبية.

في محافظة حمص، تتمركز عدة فرق عسكرية، أبرزها الفرقة 52 بقيادة العميد هيثم العلي، وتنشط على الحدود السورية -اللبنانية، حيث خاضت اشتباكات مع حزب الله وعناصر من عشائر موالية له في منطقة الهرمل المقابلة للقصير بعد سقوط النظام. وفي محافظة حماة، تتواجد أربع فرق عسكرية، أبرزها الفرقة 62 بقيادة العميد محمد الجاسم (أبو عمشة) القائد السابق لـفرقة السلطان سليمان شاه أو “العمشات” ضمن الجيش الوطني. أما في محافظة درعا، فتتواجد الفرقة 40 بقيادة العقيد بنيان الحريري، أحد القادة السابقين في حركة أحرار الشام، والذي نال رتبته ضمن ترقيات 28 ديسمبر 2024، وتضم الفرقة عناصر من فصائل متعددة ومنتسبين جدد[20].

ومن المفترض أن تشرع وزارة الدفاع السورية، بعد أن تكتمل عملية تأسيس هذه الفرق في المرحلة الثانية من عمليات إعداد وتشكيل الوحدات العسكرية، بحيث تُنشأ تشكيلات عسكرية متخصصة، مثل: الدفاع الجوي، والمشاة، والمدرعات، وغيرها. ذلك مع ندب عناصر الفصائل المختلفة الموجودين ضمن هذه الفرق، بحيث يضمن صهر تلك الفصائل في تشكيلات الوزارة، ولا تبقى كتلة واحد بفرقةٍ واحدة. وبطبيعة الحال، فإن تلك الفصائل كان لديها كتائب في مختلف تلك الاختصاصات، تشكّلت على مدى سنواتٍ من المعارك، أساسها ضباط وعناصر منشقون. يُضاف إلى ما سبق، موجةً أخرى من التعيينات المرتبطة بتشكيل هذه الفرق، بما في ذلك تشكيل ألوية مستقلة تكون تابعةً بشكلٍ مباشر لوزارة الدفاع وليس لأيٍ من هذه الفرق[21].

المسار الثالث: مرحلة التواصل مع الفصائل المسلحة المختلفة

بالتزامن مع أعمال لجنة التعيينات، بدأت أواخر ديسمبر 2024 أعمال “لجنة الهيكلة” التي ترأسها قائد الحرس الجمهوري، العميد عبد الرحمن حسين الخطيب -أردني الجنسية- حيث انبثقت عن هذه اللجنة لجنة خاصة تحت اسم لجنة الجرد، مهمتها إجراء جرد شامل لجميع الفصائل، وذلك بإحصاء عدد أفرادها والأسلحة التي تمتلكها، تمهيدًا لدمجها ضمن قوى الجيش. وقد اعتمدت لجنة الجرد على عدة آليات لضبط أعداد عناصر كل فصيل، منها اشتراط إقران رقم السلاح مع اسم المقاتل، وفي حال وجود اسم دون رقم سلاح خاص به فإنه يحال للانتساب الفردي ولا يُحسب ضمن الأسماء المرشحة من الفصيل[22].

رابعًا- تحديات إعادة بناء الجيش

بعد مرور سنة على سقوط النظام، تبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة الانتشار العسكري، بل في العديد من التحديات المتشابكة. ويمكن تقسيمها إلى تحدياتٍ متعلقة بالسياقات الداخلية والخارجية، وتحديات مرتبطة بطبيعية الجيش السوري نفسه ومساره، مع التأكيد أنه لا يمكن فصل الجانبين عن بعضهما البعض، وأن السياقات التاريخية السورية أظهرت حجم التداخل والتعقيد والتأثير المتبادل بين السياقات والجيش، وإن التقسيم سابق الذكر مطروح من أجل رسم خريطة واقع التحديات وليس فصلها.

  1. عوامل متعلقة بالسياقات الداخلية والخارجية

حيث تشهد سوريا تحديات ذات طبيعة “مركبة”، تتداخل فيها جملة من القيود والإشكاليات بما يؤثر سلبُا فى مسار التحولات المفترض أن تشهدها المرحلة الانتقالية في المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وهي قيود تُعيد تقييم مسارات عملية الانتقال السياسى وتضعها مجددُا -على مشارف عام 2026- ضمن وضعية “الجمود السياسي” مع ملامح “حراك نسبي” يعود إلى دور العوامل الدولية الداعمة والراغبة في إنجاح تجربة الانتقال السياسي في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، ومن تلك التحديات:

  • عدم وجود رؤية جامعة لمسارات الانتقال في سوريا: وذلك نتيجة لكل من تاريخ سوريا المعاصر خلال الخمس عشرة سنة الماضية ومسار الحرب الأهلية، والاختلاف بين القوى السياسية التي كانت تشكل المشهد السياسي قديمُا خلال فترة حكم بشار الأسد، وتلك التي تشكلت ضمن جبهات المعارضة السياسية لحكمه، والأقليات العرقية، والعشائر مختلفة المذاهب في مناطق تمركزها الديموجرافي باعتبارها قوى مؤثرة على مجتمعات المحافظات المختلفة.[23]
  • قصور الإعلان الدستورى: فور الانتهاء من تنصيب الرئيس أحمد الشرع فى يناير 2025، تم تدشين “الإعلان الدستوري” في 13 مارس من العام نفسه، وشمل الإعلان الدستوري كافة مناحي إدارة الدولة؛ لا سيما العلاقة بين السلطات، وتحديد شكل النظام السياسي بكونه نظامُا رئاسيُا، وتشكيل مجلس تشريعى منبثق عن انتخاباتٍ غير مباشرة. وتكمن معضلة الإعلان الدستوري في عدم شموليته لمشاركة معبرة عن التنوع السوري القومي والديني، مع عدم وجود تمثيل سياسي ومجتمعي، خاصةً في ظل تركيز السلطة بيد الرئيس الانتقالي بصورةٍ تتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، حيث يتمتع الرئيس بصلاحياتٍ تنفيذية وتشريعية واسعة، بما يعني أن مسار التحول والانتقال سيظل وعلى مدار السنوات الأربع المقبلة -الفترة المحددة للمرحلة الانتقالية- مرهونُا بإرادة السلطة التنفيذية وليس بعملية تشاركية وطنية جامعة.
  • تباطؤ فى مسار العدالة الانتقالية: رغم تشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين” في 28 أغسطس 2025، فإن ثمة حالة من التباطؤ الشديدة في اتجاه الحكومة الانتقالية إلى تطبيق مخرجات هذه الهيئة، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها: اقتصار عمل الهيئة على التحقيق في انتهاكات النظام السابق فقط، رغم أن حالة الانفلات الأمني طوال عام 2025، كانت ناتجةً عن انتهاكات قامت بها عدد من الأطراف الأخرى من بينها قوات الأمن الجديدة نفسها، فضلا عن فلول النظام السابق، يُضاف إلى ذلك وجود عوامل تتعلق بنقص الموارد المادية اللازمة للتعويضات المطلوبة لجبر أضرار الضحايا، وغياب النص الدستوري والتشريعات المنظمة للعدالة الانتقالية.
  • عدم الاستقرار الأمني: شهد عام 2025 عددُا من الإخفاقات في المعالجة الأمنية من قبل قوات الأمن السورية الجديدة، وتكمن المشكلة في أن هذه الإخفاقات ارتبطت بعددٍ من التهديدات الأخرى؛ فقد ارتبطت بأحداث السويداء الأمنية خلال شهري مارس ويوليو 2025، ورغبة العشائر الدرزية بالانفصال في دويلة مستقلة. كما شكلت أحداث العنف في الساحل الغربي والمناطق الوسطى اختبارُا صعبُا للدولة السورية، حيث ردت أجهزتها الأمنية بعنفٍ عبر عمليات انتقامية ضد الطائفة العلوية الموالية للنظام السابق ردُا على هجمات شنتها فصائل تابعة لها في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص خلال شهر مارس 2025، ما يُدخل الواقع السوري في تجاذباتٍ بين الحكومة المركزية في دمشق وبين ثلاثة مكونات رئيسية هي: الدروز في الجنوب، والأكراد في الشمال، والعلويين في الغرب[24].
  • التدخلات الخارجية: يتدافع الغاعلون المختلفون في سوريا لإقامة تحالفات مع فواعل الخارج للدفاع عن مصالحهم، ومنهم: تركيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإيران، والإمارات، والسعودية، وعلى رأسهم إسرائيل، كل تلك الدول لها دور حيوي في الداخل السوري. ويُعد التدخل الخارجي أحد أهم التحديات أمام النظام لتقليل أثرها على التفاعلات الخارجية، وقد شهد العام الأول من عمر النظام السوري الجديد محاولات عديدة لتحييد التدخلات الخارجية من خلال الدخول في مفاوضات والتركيز على العلاقات الثنائية بين سوريا ومختلف الدول الأخرى، حيث تجد الإدارة السورية نفسها في الوقت الحالي، مطالبةً بالتجاوب مع مطالب ومخاوف عدد من الأطراف الإقليمية والدولية[25].
  • عوامل متعلقة بالجيش السوري

ويمكن إجمال أبرز هذه العوامل في الآتي:

  • العقيدة العسكرية: انتهي وضع العقيدة العسكرية ما قبل سقوط بشار إلى انفراط الجيش نتيجة التطرف في الحفاظ على النظام وليس الدولة أو الدفاع ضد التهديدات الخارجية، ولم تتضح حتى الآن ملامح العقيدة القتالية الجديدة للجيش السوري، خاصةً في ظل عدم اكتمال الجيش ووجود فصائل مسلحة جديدة. من ثم، فإن بناء جيش وطني حيادي في سوريا ليس مسألةً تنظيمية أو تقنية، بل معركة على تعريف الدولة نفسها[26].
  • الولاءات والانتماءات: تعد أبرز أهم إشكاليات الجيش السوري هو الإعلاء للولاءات الفصائلية والعشائرية ليس فقط في حجم بعض الفصائل في الجيش، بل أيضًا في تجميعها في وحداتٍ بعينها. كانت هذه إشكالية النظام السابق، ومما سبق نجد أنه -وحتى الآن- فقط تم إعادة تشكيل الوحدات على المنطق الفصائلي نفسه، والأمر ذاته في مساحات التعيين والترقيات.
  • تراجع القدرات التسليحية السورية: فيما يرتبط بالتسليح، فقد أشارت بعض التقارير العسكرية إلى أن نحو 40% من المدرعات السورية خرجت عن الخدمة بسبب نقص قطع الغيار، فيما تعتمد الوحدات الحالية على ذخائر تعود إلى الحقبة السوفيتية، ما يُضعف قدرة الجيش السوري الجديد على تنفيذ مهامه بكفاءة.

 يضاف إلى ذلك أن الأنشطة الجوية الإسرائيلية قد أدت إلى تدمير كامل القدرات البحرية السابقة للجيش السوري، وأغلب المقاتلات والقاذفات العاملة في سلاح الجو السوري، ليقتصر النشاط الجوي والبحري العسكري لسوريا في الوقت الراهن على أعدادٍ محدودة من مروحيات النقل “مي-8” والمروحيات القتالية غازي، وهي تعمل انطلاقًا من مطاري كويرس والمزة. وعلى المستوى البحري، تشغل القوات البحرية السورية عددًا محدودًا من الزوارق السريعة، بدأت عبرها منذ الخامس والعشرين من أبريل 2025، في تنفيذ دوريات روتينية على طول الساحل السوري. هذا الوضع يطرح إشكالية ترتبط بتسليح الجيش السوري، خاصة بعد أن دمرت إسرائيل بغاراتها الجوية الكثيفة منذ اليوم الأول لسقوط الأسد أكثر من 85% من القدرات التسليحية البرية والجوية للجيش، بما في ذلك المرافق العسكرية الأساسية مثل القواعد الجوية[27].

خاتمة:

بعد مرور عامٍ على سقوط نظام الأسد، يطرح مسار التغيير السوري العديد من الأسئلة التي سيجيب عنها الوقت، حيث لا يمكن تقييم مسارات التغيير بعد عام وكذلك بالنسبة لمدى تطبيق الوعود السياسية، إن ما يمكن النظر إليه خلال عام هو التوجهات والإرادة السياسية، فعلى مدار عامٍ كامل ركز النظام السوري على الخارج سواء لتخفيف العقوبات أو الدخول في مفاوضات وتحالفات. ولا يمكن إنكار أهمية الخارج في الداخل السوري، إلا أن التركيز على الخارج يمكن استشراف الإرادة منه، فالعديد من الملفات ذات الأولوية لم يكن التحرك فيها بخطوات واضحة، بل خطوات متأرجحة، ومن جانب آخر لوحظ غياب البدء في ملفاتٍ غاية في الأهمية للسلام الاجتماعي مثل الوضع الاقتصادي السوري، أو مسار العدالة الانتقالية.

غلب على العام من الناحية العسكرية ظهور فصائل مسلحة تتعارض مع النظام مثل تشكيلات الساحل السوري، وقسد والدروز، حيث أصبح كل فصيل من تلك الفصائل مهددًا للسلام الاجتماعي الذي تتوق إليه سوريا بعد العقود الأسدية، مما يضع هذه التطورات على أولويات النظام ليس فقط نتيجة الأسباب السابقة ولكن أيضًا لتأثيرها على عمليات إعادة تشكيل الجيش وخلق مؤسسة تابعة لسوريا وللحفاظ على أمنها الخارجي.


باحثة في مركز الحضارة للدراسات والبحوث.

[1]  نوران عوضين، إشكاليات مُركبة: سقوط نظام “الأسد” وترتيبات المرحلة القادمة، المركز المصري للفكر والدراسات الاسترتيجية، 10 ديسمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://ecss.com.eg/50572/

[2] جمال حمور، إشكالية إعادة بناء الجيش في الدول الهشّة.. سوريا نموذجًا بعد 2024، سوريا tv، 22 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yz6spweu

[3]  سامي مبيض، الجيش السوري 1945-2024.. كيف بدأ وكيف تلاشى؟، موقع المجلة، 06 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4fmvzpr7

[4] مهيب الرافعي، سوريا عسكريُا وأمنيا بعد الأسد: مرحلة تشريح.. لا بناء، موقع المدن، 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2m3xys8v

[5] سامي مبيض، الجيش السوري 1945-2024.. كيف بدأ وكيف تلاشى؟، مرجع سابق.

[6]  بسقوط نظام الأسد.. تعرف على قدرات الجيش السوري بعد 14 عامُا من الحرب الأهلية، موقع الشرق نيوز، د.ت، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3b5rnfyt

[7]  المرجع السابق.

[8]  أحمد الحسن، مصادر لـ”الشرق”: اجتماعات مكثفة في درعا لدمج الفيلق الخامس واللواء الثامن بجيش سوريا الجديد، موقع الشرق نيوز، د.ت، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mwtppc9k

[9]  للمزيد انظر التالي:

  • مهيب الرفاعي، بناء الجيش السوري: إعادة الهيكلة ومعضلة التحول المؤسسي، موقع المدن، 23 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3w7dswkt
  • بعد انهيار نظام الأسد.. صدور عفو عام عن جنود الجيش السوري، سي إن إن بالعربية، 9ديسمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/57e6zaf2
  • Carmit Valensi and Amal Hayek, The New Syria—One Year After al-Sharaa’s Rise to Power, December 14, 2025, INSS, available at: https://tinyurl.com/44rsakbn

[10] Audrey Courty, Syria in a map: Who controls what now that Assad is gone?, ABCnews, 12 Dec 2024, available at: https://tinyurl.com/yfmkw7a5

[11] كمال شيخو، قيادات كردية تكشف تفاصيل قرار الاندماج بالجيش السوري، الشرق الأوسط، 18 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2f3wuhes

[12] محمد منصور، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية السورية (1).. خريطة الفصائل وخطوات الدمج، المرصد المصري، 12 مايو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://marsad.ecss.com.eg/83552/

[13]  للمزيد حول المواجهات العسكرية بين قسد والحكومة، انظر:

  • Tabby Wilson, Last Kurdish forces leave Aleppo after ceasefire deal reached, BBC, 11 Jan. 2026, available at: https://tinyurl.com/yyxsr4a5
  • Walid Al Nofal and Sozdar Muhammad, From negotiation to escalation: Aleppo tests the limits of Damascus-SDF relations, 10 January 2026, syria Direct, available at: https://tinyurl.com/3x45jk6n

[14]  محمد منصور، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية السورية (1).. خريطة الفصائل وخطوات الدمج، مرجع سابق.

[15]  للمزيد حول أوضاع الدروز في سوريا ومطالبات التقسيم، انظر:

  • الزعيم الدرزي حكمت الهجري: إسرائيل أنقذتنا من الإبادة والتقسيم هو الحل، الجزيرة نت، 13 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4w724cdm
  • صافيناز محمد أحمد، عام على سقوط الأسد: إلى أين تتجه سوريا في 2026؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4kwa9jny

[16] تسنيم حسناوي وأحمد العكلة، التشكيلات المسلحة المناوئة للحكومة في الساحل السوري، الجزيرة نت، 2 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/29j795xp

[17]  للمزيد حول خطط وزارة الدفاع السورية لإعادة تشكيل الجيش انظر:

  • أحمد العلكة، وزارة الدفاع السورية تكشف عن إستراتيجيتها لإعادة هيكلة الجيش، الجزيرة نت، 26 يونيو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mrxtxyj9
  • الحصاد العسكري السوري: عام إعادة بناء الجيش، وكالة أنباء آسيا، 4 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/37wtccwu

[18]  محمد منصور، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية السورية (1).. خريطة الفصائل وخطوات الدمج، المرصد المصري، مرجع سابق.

[19]  المرجع السابق.

[20]  مهيب الرفاعي، بناء الجيش السوري: إعادة الهيكلة ومعضلة التحول المؤسسي، مرجع سابق.

[21] محمد منصور، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية السورية (1).. خريطة الفصائل وخطوات الدمج، المرصد المصري، مرجع سابق.

[22]  المرجع السابق.

[23]  صافيناز محمد أحمد، عام على سقوط الأسد: إلى أين تتجه سوريا في 2026؟، مرجع سابق.

[24]  صافيناز محمد أحمد، عام على سقوط الأسد: إلى أين تتجه سوريا في 2026؟، مرجع سابق.

[25]  للمزيد حول التدخلات الخارجية في سوريا، انظر:

[26]  جمال حمور، إشكالية إعادة بناء الجيش في الدول الهشّة.. سوريا نموذجًا بعد 2024، مرجع سابق.

[27] محمد منصور، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية السورية (2).. المعوقات والآفاق، المرصد المصري، 13 مايو 2025، متاح عبر الرابط التالي:  https://tinyurl.com/2s5xs9ez

مروة يوسف

باحثة بمركز الحضارة للدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى