الاقتصاد في التعليم العالي العثماني: محمود أسعد سيدي شهري نموذجًا
تقرير اللقاء السابع من منتدى الحضارة - الموسم الثاني

تقديم د. مدحت ماهر:
هذا هو اللقاء السابع من لقاءات الموسم الثاني لمنتدى الحضارة، والذي يدور محوره حول الأمة: أقاليم ومجتمعات وشعوب. ويشاركنا في هذا اللقاء الأستاذ الدكتور/ آدم إسين، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة إسطنبول، وعنوان هذا اللقاء هو “تدريس الاقتصاد في التعليم العالي العثماني”.
ولد الدكتور آدم في قونية عام 1961م، وأكمل دراسته الجامعية في كلية العلوم السياسية قسم الإدارة العامة بجامعة إسطنبول عام 1984م، وكلية أصول الدين بجامعة مرمرة عام 1987م. وبهذا يجمع الدكتور إسين ما بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية تعلُّمًا، ليصبح بعد ذلك الجمع بينهما عطاءً. حصل على درجتي الماجستير في قسم اقتصاديات العمل والعلاقات الصناعية. كما أكمل دورات متخصِّصة في العلوم الدينية في رئاسة الشؤون الدينية التركية، وعمل أستاذًا مساعدًا في قسم الاقتصاد والمالية بكلية الحقوق في “أرزنجان” عام 1993م. وكان عضوًا مؤسِّسًا ورئيسًا لقسم في كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة “سيواس”، وهناك أجرى أبحاثًا حول ظواهر مهمة مثل زلزال أرزنجان، مما يعكس الاهتمام بالقضية الاقتصادية المحلية. كما أكمل دورات في تعلم اللغة العربية بجامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية.
بالإضافة إلى ذلك، أجرى أبحاثًا في جامعة إكستر في إنجلترا، وعُيّن أستاذًا للاقتصاد في جامعة سلجوق. وبين عامي 2010 و2013، شغل منصب الرئيس المؤسِّس لجامعة إسطنبول “صباح الدين زعيم”، وهي جامعة لها جذور قديمة من نهايات القرن التاسع عشر، ولكن كان لها ميلاد جديد وتطوَّرت لتصبح جامعة غير هادفة للربح، كما أن الدكتور إيسين يتحدث اللغات العربية والإنجليزية والتركية العثمانية، بالإضافة للتركية الحديثة. وقد أشرف على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير.
وتشمل مجالات اهتمامه: اقتصاديات العمل – الاقتصاد بصفة عامة – العلاقات الصناعية – السياسة الاجتماعية – الإدارة المحلية – الاقتصاد الإسلامي… وله مؤلَّفات مهمَّة حول الإدارات المحلية في دول الشرق الأوسط، وحول قضايا الأجور والسلع والملكية، وأنماط السوق في الإسلام. وترجم أعمالًا من الإنجليزية والعربية إلى التركية، وقام بنسخ كتابات عثمانية مهمَّة، منها شرح العلامة علي حيدر لقانون الأراضي العثماني (منتصف القرن الـ19) وكتاب الأوقاف.
كما انتُخب رئيسًا لبلدية “سلاجقة” لدورتين (1999 و2009)، وكان عضوًا في مؤتمر السلطات المحلية والإقليمية التابع لمجلس أوروبا، وعضوًا في المجلس التنفيذي لاتحاد البلديات التركية، ومستشارًا لاتحاد البلديات التركية العالمي، وعضوًا في مجلس إدارة بلدية إسطنبول الكبرى وهيئة المياه والصرف الصحي.
وعنوان اليوم له دلالاته في مدرسة المنظور الحضاري، خاصة فيما يتعلق بتدريس العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصاد السياسي من منظور إسلامي. وكلمة “العثماني” لها مكانة خاصة بين اهتمامات المركز، بدأ ذلك مع مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، الذي ألَّفت أ. د. نادية مصطفى -رئيس المركز- فيه كتابًا عن الدولة العثمانية[1]، وقد أخرج المركز مؤخَّرًا كتابًا في النظم السياسية يتضمَّن دراسةً عن التاريخ العثماني[2]، كما خصَّصت “حولية أمتي في العالم” عددها الأخير لمرور 100 عام على سقوط الخلافة (1924)[3].
في معرض تفكيري في هذه المحاضرة، راجعت سبب استخدامنا لمفهوم “الجوار” بدلًا من “الأخوة”؛ والحقيقة أننا آثرنا استخدامه لأن السياق القومي الضاغط -للأسف- لم يكن ليتقبَّل إدراج مفاهيم الأخوة في المجال العلمي بسهولة، وهو ما قد يتحقَّق في مرحلة متقدِّمة من التدرُّج مع رسوخ مفاهيم “الأمة”، لكننا أردنا -على الأقل- أن نقول للقوميين الذين يستبعدون الدورين الإيراني والتركي، وبعضهم يُغالي بمساواتهما بالدور الصهيوني: “لا”، فهناك رابط يجمعنا وليكن الحضارة، فهؤلاء هم الجوار الحضاري للعرب.
إن هذا اللقاء بيننا عربًا وفُرْسًا وتُرْكًا -كما تعلِّمنا الدكتورة نادية دائمًا- ينقلنا من مقولة “العمق الاستراتيجي” لأحمد داوود أوغلو إلى مقولة “الأفق الاستراتيجي” التي نرنُو إليها، وجرى تداولُها مؤخَّرًا في مصر في سياق “إعادة التخيُّل”، لكي نبحث لأنفسِنا عن أُفُقٍ نُثبت فيه ذواتَنا بدلًا من الاكتفاء بإثبات الذات في الواقع أو التاريخ فحسْب؛ لذا آمل أن يكون لهذا الحوار -بجانب مادته العلمية الثرية حول الاقتصاد والتعليم في أواخر الدولة العثمانية- صدًى ومردودٌ مستقبلي مصداقًا لقوله تعالى: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ]الحشر: 18[.
كلمة أ. د. نادية مصطفى:
لقد قَرَّبَتْ هذه التكنولوجيا المسافات كما كانت حين كانت الأمة واحدة والانتقال حرًّا دون تأشيرات أو جوازات سفر. أرحب بالدكتور آدم، وأصفه بأنه “العالم العامل” و”العالم الحضاري” ذو الكفاحية الحضارية، كما علمنا الدكتور حامد ربيع. يتجلى ذلك في جمعه بين التدريس والبحث والعمل التنفيذي، وبين العلم المدني الحديث والعلوم الشرعية، وبين لغات الأمة ولغات الآخرين، وبين خبرات الداخل والخارج.
في تخصُّصنا، قرأنا التاريخ العثماني سياسيًّا، ولكننا كنا نفتقد قراءة تاريخ الفكر والاجتماع والاقتصاد العثماني في تطوُّره من النشأة والصعود إلى الجمود والتراجع.
لقد دأبْنا على محاولة سَدِّ الثُّغرات المتَّصلة بتاريخ الفكر العثماني، واستدعيْنا ملفَّ الاقتصاد العثماني في أكثر من موطن لنفهم كيف كان رافدًا لعناصر القوة والصعود، ثم كيف تبدَّل الحال مع التحوُّلات العالمية وسُنَّةِ تداول الحضارات، وكيف أضحت الامتيازات الأجنبية والتدخُّلات الخارجية في الاقتصاد والمجتمع أداةً رئيسية للإضعاف؛ ونحن اليوم إذ نستمع إلى حديث الدكتور آدم إسين عن تدريس الاقتصاد في التعليم العالي العثماني، فإننا ندرك الأهمية البالغة لهذا الموضوع في ظلِّ حديثنا المستمرِّ في جامعاتنا المصرية والعربية عن جدلية العلاقة بين العلوم الاجتماعية -الاقتصادية منها والسياسية- وبين الواقع المحيط بها وقدرتها على التعبير عنه ومعالجة مشكلاته، آملين الإفادة من هذه الخبرة العالمية الحضارية الإسلامية التي امتدَّت لأكثر من ستة قرون بين الصعود والتراجع، والتي نستدعيها دائمًا في مدرستنا الحضارية لنتعلَّم من إيجابياتها وسلبياتها على حدٍّ سواء.
المداخلة الرئيسية للدكتور آدم إسين:
الاقتصاد في التعليم العالي العثماني: محمود أسعد سيدي شهري نموذجًا
تمهيد ونطاق الموضوع:
يأتي هذا اللقاء بناءً على طلب “مركز الحضارة” لإقامة ندوة حول مشروع قمت بترجمته مؤخرًا عن كتاب الاقتصاد للأستاذ “محمود أسعد سيدي شهري”. وأشير في البداية إلى أن هذا الكتاب يتكوَّن من ثلاثة مجلدات، ومكتوب بالحروف التركية العثمانية وبالحروف اللاتينية التركية. لقد دُرِّس هذا الكتاب في “مكتب الحقوق” و”المكتب المُلكي الشاهاني” (الذي يعادل في معناه كلية الحقوق وكلية العلوم السياسية) الذي تأسَّس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويُعد هذا الكتاب مهمًّا جدًّا؛ لأنه يمثِّل نتاج أوائل المؤسسات التعليمية ذات الطابع الغربي التي تأسَّست في العهد العثماني، والمصمَّمة لتدريب كبار مسؤولي الدولة وموظفيها. وفيما يلي أناقش باختصار مواضيع هذا العمل وما أضافه من ابتكار إلى الأدبيات، بالإضافة إلى التطرُّق إلى موضوع “الامتيازات الأجنبية” والديون الخارجية العثمانية لما يمثِّلانه من أهمية في تاريخنا.
وتتضمَّن هذه المداخلة:
- نبذة عن الدولة العثمانية وتطورها الحضاري وعلاقتها بالغير.
- تطور الأوضاع الاقتصادية داخل الدولة العثمانية.
- تطور تدريس الاقتصاد في الدولة العثمانية في عصر التنظيمات وما بعده.
- قضية الامتيازات الأجنبية وأزمة الديون.
أولًا- الدولة العثمانية: إطلالة على الحضارة والعلاقة مع الغير
كانت الدولة العثمانية إمبراطورية متعددة الأديان والأعراق، حكمت مناطق متنوعة، وكان “الخليفة (البادشاه)” ممثِّلًا للمسلمين، والسلطان للمسيحيين واليهود ورعايا الديانات الأخرى. واليوم توجد دول مختلفة في تلك المناطق كانت تحكمها الدولة العثمانية.
وربما قبل التحليل لفترة نشأةِ الحضارة الإسلامية، من المفيد إلقاء نظرة سريعة على تطوُّرها وتقدُّمها؛ فالحضارة الإسلامية التي يمكن تعريفها بأنها “القيم التي أضافها أتباع الإسلام إلى التطوُّر المادِّي والروحي للبشرية”، لها نشأة وتاريخ قديم. ومنذ ذلك الحين تجلَّى نظامها المعياري في جميع مناحي الحياة، مرسِّخًا هيمنتَه في نطاقات جغرافية ومجتمعات متنوِّعة.
وخلال فترة تكوين هذه الحضارة، كانت القواعد والحقائق، عناصر سياسية، والمسلمون ضمنوا الصلةَ بين القواعد والحقائق. فمن خلال الفتوحات، التقى المسلمون بمختلف الحضارات؛ كالإمبراطورية الرومانية الشرقية مثلًا، والإمبراطورية الساسانية، وفي أفريقيا (دول أو مجتمعات متنوِّعة)، ولاحقًا حضارات آسيا وأفريقيا وأوروبا. وقد حافظ المسلمون على معتقداتهم الخاصة وحقَّقوا إنجازات جديدة ضرورية. وبدلًا من رفض أو قبول الميراث السابق كلِّيًّا، اعتمدوا (أي المسلمون) نهجًا فعَّالًا وانتقائيًّا، مسترشدين بقيمهم الخاصة. ولعل هذا يُعَدُّ دليلًا على احترام وعدم احتقار شرائع الأمم السابقة، وهي من مصادر أصول الفقه (مبدأ “شرع من قبلنا”). وأظن أن المثقفين العثمانيين حينما أخذوا بعض الأشياء من أوروبا، أظن أنهم اعتمدوا هذه القاعدة.
ثانيًا- تطور التعليم الاقتصادي في الدولة العثمانية
تضمُّ الجامعات الآن عددًا كبيرًا من أقسام الاقتصاد والعلاقات الدولية، بما في ذلك قسم المالية، وإدارة الأعمال، واقتصاديات العمل، والتجارة الخارجية (التي نسمِّيها الاقتصاد الدولي)، والاقتصاد القياسي، والمالية. وبينما كانت هذه الأقسام وكتبها الدراسية تتبع الجامعات في الدول المتقدِّمة، فإننا عندما ننظر إلى التطوُّر داخل البلاد (مثل تركيا)، نجد أن جذور هذا التطوُّر تتشكَّل من خلال البرامج في المؤسَّسات التعليمية ذات النمط الغربي، بمثل كتاب الاقتصاد لمحمود أسعد سيدي شهري، الذي كان يُدرس في “المكتب الملكي الشاهاني”، المُنشأ على النمط الغربي. ومن أمثلة ذلك في تركيا، صدرت العديد من المنشورات المتعلقة بالفترة العثمانية، وخاصة الأرشيفات المشهورة والمخطوطات، وقد تمَّ نشرُ جزءٍ كبيرٍ من السجلَّات الشرعية، فثمَّة حاجة لتفسير هذه الوثائق.
كما تعرفون، علم الاقتصاد علم جديد، لكن بالإمكان تقسيم الحياة الاقتصادية العثمانية إلى فترتين: فترة ما قبل التنظيمات، وفترة ما بعد التنظيمات. ويعكس هذا التمييز تحوُّل جهود التصنيع داخل الدولة العثمانية.
في فترة ما قبل التنظيمات (نحن نسمِّي التنظيمات “فرمانة”)، لم يكن التعليم الاقتصادي مُدْرَجًا في المنهج الرسمي. ومع ذلك، خلال هذه الفترة أعطى المفكرون العثمانيُّون الأولويَّة لتقليد تصنيف العلوم المتعارف عليه منذ أرسطو، وهو “الاقتصاد المنزلي” (علم التدبير المنزلي)، الذي ترجمه المفكِّرون الإسلاميُّون إلى الاقتصاد (تدبير منزل – علم تدبير منزل).
ويُنظر إلى التعليم الاقتصادي في البيئة المدرسية كما في حالة “قينالي زاده” و”طاش كبرى زاده” (المشهورين بوضع تصنيفات للعلوم)، ضمن كتاب “الحكمة العملية”. إذ تشكل “الحكمة النظرية” العنوان الأول لكتاب علم الحكمة، والثاني هو “الحكمة العملية” مثل علم الأخلاق وعلم التدبير (المنزلي) وعلم السياسة (التدبير المدني)؛ أي دُرست مواضيع الاقتصاد في هذه الكتب. وتعتبر أعمال الفترة الأولية في التاريخ الإسلامي، مثل كتب الأموال وكتب الخراج وكتب الأخلاق وثيقة الصلة بهذا الموضوع: مثل “كتاب الخراج” لأبي يوسف رحمه الله، و”كتاب الكسب” للإمام محمد الشيباني رحمه الله. هما كتابان عن الاقتصاد، لكن المنهج قديم وليس جديدًا. وركَّز التعليم الاقتصادي بشكل أساسي على مجالات الفقه، مثلًا في فقه المعاملات، وخاصة كتب السوق والشركات وكتاب البيوع.
وفي الكتب الإسلامية والفقه الإسلامي خلال العصر الكلاسيكي، اتَّسمت المدرسة الدينية والمدارس الفقهية بالعلاقة والثقة. وبعد فتح القسطنطينية، نشأت في قصر “توب كابي” مدرسة لتدريب موظفي الدولة وموظفي الإدارة العامة، عُرفت باسم مدرسة “الأندرون” في عهد السلطان مراد الثاني. ثمَّ بعد أن أعلن السلطان عبد المجيد في مرسوم أهداف الإصلاحات في التعليم العام والتصنيع ركَّز العثمانيُّون على التعليم العالي والتصنيع. واتُّخذت الخطوات الأولى نحو التحديث في عهد سليم الثالث، ثمَّ السلطان محمود الثاني. وخلال فترة التنظيمات (1839م) اعتُمد تصميم المؤسَّسات على النمط الأوروبي، كما اعتُمد مرسوم التنظيمات العام، ومرسوم الإصلاح العام (شمل الإصلاح التعليم والإدارة والجيش والطب). وبينما كان التعليم يُقَدَّمُ من خلال المؤسَّسات في العصر الكلاسيكي (كالمدارس الدينية والمدارس الابتدائية ومدارس الأندرون)، بدأت إصلاحات التنظيمات بتأسيس مؤسسات تقليدية تحت السيطرة المباشرة للدولة.
خلال هذه الفترة، ازداد شيوع مفاهيم مثل: الحضارة، والتقدم، والعلوم، والقانون، والنظام، والشورى، والحرية. وأيضًا أقام موظفو التنظيمات ومثقَّفوها البارزون صلة بين الحضارة والإسلام، معتبرين أن التحضُّر شرط ديني. وفي رأي “جورج مقدسي” (فيما كتب عن الدراسات العليا في الشرق والغرب)، أن نظام التعليم العالي الغربي ورثه وطوَّره المسلمون[4]. ويقول “أكمل الدين إحسان أوغلو”: إن “دار الفنون” في إسطنبول كانت أول جامعة في العالم الإسلامي، ويرى أن هياكل الجامعات والمدارس الدينية تختلف من حيث وصولها وارتباطها المباشر بالمؤسسات أو الدولة.
أما الباحث “شريف ماردين” (وهو عالم تركي درس في أمريكا)، فيرى أن النظرية الإسلامية الخالصة تستند إلى مبادئ حرية التجارة وعدم التدخل، وهي مبادئ تسبق النظريات الليبرالية نفسها.
ولقد تجلَّت الآراء الاقتصادية الليبرالية الحديثة في الظهور والتطبيق تدريجيًّا في الدولة العثمانية بعد ما تراجعت القوة العثمانية. فعلى سبيل المثال، جادل البعض بضرورة تخلِّي العثمانيِّين عن “روح الجهاد” الوقتية وتأسيس أسلوب حياة جديد. كما ساد الاعتقاد بأن العودة إلى النظام القديم لم تعدْ صالحةً للإمبراطورية، وبُذلت جهودٌ للانتقال إلى نهج الاقتصاد الجديد (الغربي).
ويصنِّف الأكاديمي “ماردين” الحلولَ التي اقترحها المفكِّرون العثمانيُّون تحت أربعة عناوين: (1) إحياء نظرية نظام “التيمار”[5] في صورته القديمة، (2) زيادة الضرائب، (3) تخفيض قيمة العملة، (4) نظام المصادرة. كما يفسر رجوع رجال الدولة العثمانيين إلى أساليب غير فعالة لإيجاد مصادر دخل جديد بأنه “خيال عقيم”. ووصف هذه الخيارات بأنها لم تكن فعالة. ولكن استمر النظام لفترة طويلة حتى أُجبر على التخلي عنها، وبُذلت محاولات لمنع نظام المصادرة في أوائل القرن التاسع عشر، وفقًا لما ذكره ماردين.
ووفقًا لـ “شريف ماردين”، فقد تصوَّر المثقَّفون العثمانيُّون إعادة البناء الغربي على أصول إسلامية. على سبيل المثال، تحدث “نامق كمال” عن نظام جمهوري متوافق مع الإسلام. باختصار، كان القرن التاسع عشر قرنًا بدأ فيه العثمانيون، على غرار الغرب، في إيجاد حلول للمشاكل الدنيوية من خلال العلم والتكنولوجيا. وتطوَّرت البيروقراطية وأصبحت دولة مركزية وبدأت في التغلغُل في كلِّ جانبٍ من جوانب الحياة.
وفي السنوات الأولى لعصر التنظيمات، تم تبنِّي نظام تحديث على نمط المؤسسات الغربية من خلال مبادرة الدولة، وقد ترافق ذلك مع صدور المرسوم الإمبراطوري عام 1856م. ولفهم الظروف الاقتصادية التي كان فيها منهج المؤسسات التعليمية ذات النمط الغربي (مثل المكتب الملكي الشاهاني)، من الضروري دراسة الهيكل الاقتصادي للإمبراطورية العثمانية قبل القرن التاسع عشر وأثناءه.
وهنا نودُّ أن نذكر مثالًا على المفكرين الذين تبنُّوا نهج المؤسَّسات ذات الطابع الغربي، ومنهم كمال باشا زاده سعيد صاحب كتاب “الحقوق والسياسة العثمانية”، وهو أستاذ درس في كلية الحقوق بجامعة إسطنبول (دار الفنون)، الذي يُعَدُّ أول كتاب في القانون الدستوري العام. ويتناول كمال باشا زاده سعيد في كتابه التنظيمات والعدالة ومراسيم الإصلاح، ويدَّعي أن الإصلاحات والقوانين الغربية لا تعارض الدين. كما يدَّعي أيضًا أن نابليون عندما احتلَّ مصر وعاش فيها؛ أخذ النظام الشرعي من مصر وحمله إلى فرنسا، ويدَّعي سعيد أيضًا أن النظام الفرنسي أصله إسلامي.
في حقبة ما بعد التنظيمات، تطوَّرت علوم الاقتصاد والتمويل وإدارة الأعمال بالتزامن مع الإصلاحات القانونية والمبادرات المؤسسية. وقد عُدل قانون التجارة الصادر عام 1858م (وهو القانون على النمط الغربي) ليتناسب مع الدولة العثمانية ومع ما صار من تطوُّر الممارسات العملية الحديثة. وتشكَّلت “مدرسة الحميدية للتجارة” (حاليًّا جامعة مرمرة في إسطنبول) التي افتُتحت عام 1883م على غرار مدرسة باريس التجارية، لتدريس علم الاقتصاد الحديث وتعليم الإدارة العملية. وسعت هذه المدرسة إلى تحقيق نفس الهدف المتمثِّل في تدريب رجال الدولة. وعندما أُنشئت هذه المدارس، أُنشئت باسم “المكاتب”؛ لأن العثمانيِّين فكَّروا أن المدرسة شيء والمكتب شيء آخر، وحتى الآن الفرق بين المدارس التدريبية والمكاتب موجود في تركيا.
ثمَّ أُنشئ المكتب الملكي الشاهاني، الذي نعتبره بمثابة “مدرسة العلوم السياسية” في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. وفي منهاج السنة الرابعة في برنامج التعليم العالي، تم إدراج مواد الاقتصاد ضمن بند “علم منافع الثروة” (علم الاقتصاد)، حيث دخل الاقتصاد في التدريس في المدارس العالية. علاوة على ذلك، في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، بدأ نقل الثقافة الاقتصادية (الأوروبية الرسمية) إلى المؤسسات التعليمية، فتم إقرار دراسة مكافئة للاقتصاد المنزلي في مدارس البنات الصناعية، وبُذلت جهودٌ لإدخال هذه الثقافة في المدارس الثانوية. أمَّا في مؤسَّسات التعليم العالي، فقد أُدرج الاقتصاد في مناهج مكتب الحقوق التي تأسَّست في إسطنبول على الطراز الغربي عام 1874م، كما كان يُدرس في “مكتب الفنون المالية”.
ثالثًا- رواد الفكر الاقتصادي العثماني: نموذج محمود أسعد
كان “أوهانيس أفندي” (وهو مثقف عثماني كاثوليكي من أصل أرمني، درس في باريس، وحصل على رتبة باشا) أول مدرِّس للاقتصاد في تركيا، وكان ليبراليًّا. ويُعتبر كتابه “مبادئ الثروة”، كتابًا مدرسيًّا يدعم الليبرالية بشكل أوضح من كتاب “مدحت أفندي” (وهو شاعر ومثقَّف أيضًا درس وكتب عن الاقتصاد). كما عكس “أحمد مدحت أفندي” أفكار “جان باتيست ساي”. وتأثر هؤلاء المفكرين بنظرائهم الغربيِّين ونقلوا عنهم، خاصة الفرنسيِّين والإنجليز (مثل آدم سميث). وبعد عام 1870م، ازدادت المنشورات الاقتصادية المتأثِّرة بالأفكار الغربية، ومن بين هذه المنشورات تحتلُّ أعمال “محمد شريف مليخ باشا” مكانة بارزة، مثل “علم تدبير الثروة” (وهو مشابه لكتاب ثروة الأمم لآدم سميث).
· محمود أسعد سيدي شهري: حياته وتكوينه وموقفه من الحضارة
وُلد محمود أسعد بن أمين سيدي شهري في مدينة “سيدي شهري” بالقرب من قونيا. ودرس في جامع الفاتح حول المدرسة بأصول تقليدية، ثم تخرَّج في “مكتب الحقوق”، ودرس أيضًا في “المكتب الحربي”. ودرس علم المثلثات، والجبر العالي، وهندسة الفضاء، والعمارة، والتكامل، والحساب. كما درس الفقه، والفرائض، وتاريخ الإسلام، وحقوق الدول (كتب عن حقوق الدول ثلاثة مجلدات وترجم كتاب الكاتب الفرنسي “بونفيس” بالعثمانية)، فهو عالم موسوعي. وكان يعرف العربية والفارسية والفرنسية والإنجليزية ويتقنها. وحصل على دبلوم أستاذ رياضيات في الفصول العالية.
عُيِّنَ وكيلًا لوزارة المالية عام 1909م (بعد عهد الاتحاد والترقي)، ووزيرًا للسجل العقاري والمساحات في حكومة “حسين حلمي باشا”، كما شغل منصب وزير العدل في حكومة الصدر الأعظم الثانية. خلال فترة ولايته وزيرًا للسجل العقاري، أعد ستة مشاريع قوانين لمعالجة احتياجات العقارات، وتُعرف هذه القوانين باسم “قوانين محمود أسعد”. ولذا يُلقب “بأبو السجل العقاري والمساحة” في تركيا، ويُقال عنه إن “في كلتا يديه أربعين شيئًا” (كناية عن كثرة مهاراته ومعارفه). ويُعتبر محمود أسعد، بصفته فقيهًا ومؤرِّخًا إسلاميًّا، ورجل دولة ومفكِّرًا عثمانيًّا، مؤسِّسًا لعلم الاقتصاد خلال العصر العثماني.
في أحد مؤلفاته “تاريخ الصناعة”، يتناول تطور الصناعة في الشرق والغرب وغيرهما من المجتمعات العالمية منذ أقدم العصور. ويجادل بأن الحضارة نشأت من خلال التجارة والعلم بين الشعوب والمجتمعات، وأن أصل هذه الحضارة هو العلم والمعرفة.
وفي حديثه عن الحضارة الإسلامية، يقول إن العرب (وهم أمة انعزلت قبل الإسلام) توحَّدوا وانفتحوا على العالم من خلاله لاحقًا. واجهوا حضارات جديدة، ومع ازدياد النشاط الفكري في العصر العباسي، تقدَّموا في العلوم والمعارف، متجاوزين اليونانيِّين في الفنون والآداب، وزادوا ثرواتهم. كما أسَّسوا مُدُنًا ودُوَلًا جديدة في مناطق عديدة صالحة للتجارة، وأنشأوا مكتبات وجامعات ومعاهد صناعية وتجارية. ومع ذلك، لم يتمكَّنوا من الحفاظ على هُويتهم الخاصة في المجتمعات التي دخلوا فيها. فقد دمَّر المهاجرون الآسيويُّون (المغول مثل جنكيز خان وهولاكو) الحضارةَ التي بناها الإسلام، فأحرقوا الكتب وألقوا بها في الماء، ودمَّروا المدارس والجامعات الإسلامية. ولولا ظهور الأتراك العثمانيِّين في القرن السابع الهجري، لما بَقِيَ أثرٌ للحضارة الإسلامية حتى يومنا هذا. ويقول: “قادمين من آسيا الوسطى، حاملين السيف في يد والعدل في اليد الأخرى، حمل العثمانيون الدين الإسلامي إلى قلب أوروبا وأحدثوا نهضة جديدة في الحضارة الإسلامية”. فأخذ الغربيون الذين أصبحوا جزءًا من الحضارة من خلال اختلاطهم بالمجتمعات الشرقية.
ويضرب الأمثلة التالية؛ أولًا: جاءت السلع التجارية من دمشق، والأقمشة الحريرية المطرَّزة بالذهب والفضة، والغازات، والبلورات، والزجاج، والورق، والسكر، والحلويات، والشراب من العرب. وثانيًا: استخدم الأوروبيُّون العديد من العلوم، بما في ذلك الجبر، وعلم المثلثات، والكيمياء، والهندسة، وحتى الأرقام الهندية من العرب. علاوة على ذلك، نُقلت العديد من النباتات من الشرق إلى الغرب. باختصار، جمع العرب واكتسبوا جميع المعارف الفكرية والعلمية من أقدم عوالم الشرق (مثل اليونان وإيران والهند وحتى الصين) ونقلوها إلى أوروبا. وتشهد على هذه الإنجازات الكلمات العربية العديدة والمصطلحات التكنولوجية الجارية في اللغات الأوروبية.
ويقول محمود أسعد عن أواخر العهد العثماني: “.. لقد استورد الغرب شروح العرب التي كانت سببًا في إخراجهم من حالة التوحُّش إلى مسار الحضارة. ولكن الأحداث الطبيعية غيَّرت كلَّ شيء، فتآكلت القوةُ العثمانية، وشهد العالم الإسلامي تراجعًا، في وقت كان يوجد فيه قرابة 300 مليون مسلم في العالم، يُتلى القرآن الكريم في شبه الجزيرة العربية، ومصر، وسوريا، والدولة العثمانية، وفي أجزاء كبيرة من روسيا، وأفريقيا، والهند، والصين، ودخل نور الإسلام جنوب أفريقيا، وجزر إندونيسيا مثل سومطرة وجاوة. ويشهد الإسلام تقدُّمًا مستمرًّا، حتى إنه وصل إلى أمريكا”. كان محمود أسعد يؤمن بأن العالم الإسلامي بحاجة إلى حركة نهضوية.
· كتاب “الاقتصاد”: سياقه ومضمونه
أعدَّ محمود أسعد سيدي شهري كتابه “الاقتصاد” ليكون مقرَّرًا لعلم الاقتصاد ضمن مناهج “المكتب الملكي الشاهاني”. ويتألَّف الكتاب من ثلاث مجلدات: المجلد الأول طُبع عام 1317هـ (حوالي 1897م) ويقع في 400 صفحة تقريبًا، والثاني في حوالي 150 صفحة، والثالث ضخم يقع في حوالي 700 صفحة. ويشير محمود أسعد في الصفحة الأولى إلى أن الكتاب “مقتبس من كتب متعدِّدة بالفرنسية والإنجليزية، وموسَّع حسب الاحتياجات، ويحتوي على الدروس التي تُلقى على طلبة المكتب الملكي الشاهاني”. في البداية، اقتبس من الاقتصاديين الفرنسيِّين، حيث تحدَّث عن غاية الاقتصاد ومنهجه.
إن منهج محمود أسعد وآراءه تشكل في الواقع نقطة انطلاق مهمة في تحديد المصادر التي استقَى منها المثقَّفون العثمانيون آراءهم في الاقتصاد الحديث، وما كانت عليه الفكرة التركية الإسلامية.
هذا، ويقدِّم المجلد الأول من كتاب الاقتصاد أعمال كبار المفكِّرين الكلاسيكيِّين، وكل الاقتصاديِّين الغربيين في ذلك الوقت تقريبًا. ويمكن اعتبار المصطلحات الاقتصادية المستخدمة في الكتب مصدرًا للمصطلحات الاقتصادية التركية الحالية. في الواقع، بينما تُشتق مفاهيم مثل “التصدير” و”الاستيراد” و”الادخار” من اللغة العربية، فإننا في التركية لا نستعمل كلمتي “استيراد” و”تصدير” للتعبير عن هذا المعنى، بل نستعمل بدلًا منهما كلمتين عربيتين أخريين هما “إدخالات”و”إخراجات”، كما لا نستعمل “ادخار” بل نستعمل كلمة “تصارّف”. ويناقش أيضًا في الكتاب قضايا التجارة الخارجية ونظرية الميزان التجاري.
ففي الفترة التي لم تكن فيها الموضوعات الاقتصادية تُدرس على نطاق واسع، شكَّل هذا الكتاب وما شابهه من أعمال مرجعًا للاقتصاد الخاص والسياسة الاقتصادية التي ستطبِّقها الدولة. وكما يمكن القول إن “أوهانيس باشا الساكزلي” في كتابه قام بنقل المعلومات المستقاة من مصادر أجنبية إلى المعرفة المحلية (على سبيل المثال أثناء تناول قضية الأراضي في الدولة العثمانية تناول المزارع في رومانيا)، فإنه يمكن رؤية الأسلوب نفسه في كتاب محمود أسعد. إذ يتناول التطور الاقتصادي في مناطق مثل الصين وأفريقيا، بالإضافة إلى أوروبا والعالم الجديد، ويناقش العلاقة بين الاقتصاد والقانون والسياسة والأخلاق والإحصاء.
وهنا نلفت الانتباه إلى جملة في كتابه تقول: إن “الأخلاق علم القيم الروحية، والاقتصاد علم القيم المادية. وتُعد العلاقة بين القانون والاقتصاد أكثر قوة؛ فكلاهما يدرس العلاقات داخل العقل البشري. القانون يدرس هذه العلاقة من منظور العدالة، بينما يدرسها الاقتصاد من منظور الربح. ولذلك تتطوَّر معرفتهما بشكل متبادل. وكما أن من الخطورة محاولة التشريع من أجل العدالة فقط (دون مراعاة الاقتصاد)، فإن محاولة مضاعفة الثروة بانتهاك مبادئ العدالة أخطر من ذلك”.
باختصار، إن مبادئ الاقتصاد والقانون مشتركة وأصولهما واحدة؛ كلاهما يقوم على المسؤولية الشخصية المرتبطة بمبدأ الحرية والملكية. وقد أقرَّ علم الاقتصاد، بعد دراسة مستفيضة، مبادئ المسؤولية وحرية الاستخدام وحق الملكية وأعلنها. ولا شكَّ أن تغيُّر الأحكام القانونية بتغيُّر الزمان أمرٌ لا يمكن إنكاره، وهنا يمكن لعلم الاقتصاد أن يحدِّد التغييرات التي تفيد تدريجيًّا في التنفيذ. لذا استخدم محمود أسعد مفاهيم اقتصادية تنسجم مع الفقه، واستعمل في كتبه الاقتصادية مفاهيم من “مجلة الأحكام العدلية” (التي تمثِّل القانون المدني في العصر العثماني).
رابعًا- نموذج من قضايا اقتصادية: الديون والامتيازات
سنتعرَّض لقضيتي الامتيازات والديون التي عظُم تأثيرُها في أواخر الدولة العثمانية؛ مسترشدين بأبرز الإشارات عن هذه الموضوعات في كتاب محمود أسعد عن الاقتصاد. حيث يناقش في كتابه بعض الاصطلاحات الاقتصادية ذات العلاقة بهذين الموضوعين. فيتناول أسباب فشل التصنيع العثماني في ذلك الزمان، ويتضمَّن الكتابُ أمثلةً من الدول الصناعية حول دور الاختراعات والابتكارات وتنظيم العمل في الإنتاج. ويستعمل بعض القوانين الاقتصادية التي أخذها من الاقتصاديِّين الغربيِّين. ويؤكِّد أن الإنتاج يزيد الثروة، ويتحدَّث عن الأوراق النقدية والبنوك ومؤسسات الائتمان.
بدأ التضخُّم العثماني بعد حرب القِرم، وزادت الحاجة المادية مع اضطرابات “روملي” (البلقان) والحرب الروسية، وأُنشئت “إدارة الدين العام” لاحقًا. أمَّا بالنسبة للامتيازات، وتعني العهود القديمة، فهي كلمة اصطلاحية كانت شائعة في اللغة الدبلوماسية (الإيطالية) في الشرق الأوسط في تلك السنوات. والامتيازات هي اتفاقيات تُعقد مع المستعمرين (أو الأجانب).
ويمكن تقسيم تاريخ التنازلات (الامتيازات) العثمانية إلى مراحل زمنية متنوِّعة، تبدأ من تأسيس الإمبراطورية العثمانية إلى عهد سليمان القانوني، حين منح العثمانيون (في عهد السلطان سليمان القانوني) أول امتيازات للفرنسيِّين والفلمنك (الهولنديين). إذ منح السلطان سليمان الفرنسيِّين امتيازات عام 1535م، مع احتفاظ البابا وملك إنجلترا وملك اسكتلندا بحق المشاركة في هذه المعاهدة. ثم مُنحت لإيطاليا، والبندقية، وروسيا، وإيران أيضًا. ومن ناحية أخرى، ورثت إيطاليا امتيازات كتابية متنوِّعة (أشار إليها أسعد في كتاب حقوق الدول).
لقد كان مثقَّفو عصر التنظيمات (العثمانيون) الليبراليون متمسكين بالاقتصاد الكلاسيكي، واعتقدوا أن الدولة العثمانية يجب أن تتخصَّص في الزراعة على أساس مبدأ المنفعة المتبادلة. ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخاصة في الربع الأخير منه خلال عصر الدستور الثاني، بدأت الصحف والمجلات بمناقشة قضية التصنيع، وكان التصنيع أيضًا على جدول أعمال الباب العالي. وفي هذا السياق تأسَّست لجنة إصلاح الصناعة في ستينيات القرن التاسع عشر، وصدرت اللائحة المؤقَّتة بشأن تشجيع الصناعة في ديسمبر عام 1913م.
ولم تكن هذه الامتيازات في بدايتها تمثِّل مشكلةً للدولة العثمانية، ولكن ظهرت تبعاتها السلبية حين لم تتمكَّن الدولة من تنفيذ السياسة الحمائية للتنمية الاقتصادية والصناعية بسبب الامتيازات. وفي السنوات الأخيرة (في أواخر القرن التاسع عشر)، لم تتمكَّن مصانع الورق والزجاج والقماش التي أُنشئت في أجزاء مختلفة من البلاد في أوقات مختلفة من الصمود أمام المنافسة الحرة من أوروبا، وأُغلقت لاحقًا.
ويمكن رؤية العديد من النماذج لآثار هذه السياسات، منذ محاولات إنشاء مؤسسات صناعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على وجه الخصوص. فقد أنشأت الدولة مصانع للقطن والنسيج في إسطنبول وإزمير وسالونيك وأضنة وسيواس… ولكن كل المصانع أُغلقت بسبب عدم قدرتها على المنافسة مع المنتج الأجنبي.
ولذا، وجدت فكرة إلغاء الامتيازات صدى قويًّا في مؤسسات التعليم العالي، وتحديدًا تلك التي تُدرَّس في “مكتب حقوق الملكية”، وعُبِّرَ عن ضرورة الإلغاء. وفي الواقع، عزَّز وجود هذه المدارس إلى حدٍّ ما حركة إلغاء الامتيازات. ولا شك أن مشاعر مناهضة الامتيازات قد تزايدت بين من تولوا المناصب العليا خلال العصر الدستوري الثاني والجمهورية. فمثلًا صرح الأستاذ “جميل بيلسن” (رئيس جامعة إسطنبول وأستاذ القانون الدولي) قائلًا: “لقد غرست كلية الحقوق وكلية العلوم السياسية في أذهان أبنائهما شرورَ هذه الامتيازات لأكثر من ثلاثين عامًا”. لقد اهتمَّت الجامعة بإلغاء الامتيازات في العهد العثماني وبداية الجمهورية. كما يُعَدُّ تصريح محمود أسعد تدخُّلًا سياسيًّا حقيقيًّا في تلك الفترة؛ إذ قال في عهد السلطان عبد الحميد الثاني: “إن التعديلات على الامتيازات قد تكون ضرورية أحيانًا، إلا أن إلغاءها كلِّيًّا سيتْبعه تشكيل حرب صليبية جديدة ضد الإسلام وثورة عنيفة للحفاظ على حصن الدردنيل وحصن السلطان”.
ثمَّ في 9 سبتمبر 1914م (المقصود سياقيًّا التاريخ المرتبط ببداية الحرب العالمية الأولى) أرسل الصدر الأعظم إلى الدوائر الرسمية مشروعَ قانون مؤقَّت يلغي جميع الامتيازات المالية والقضائية والإدارية والاقتصادية، وذلك بقرار من مجلس النواب. نُشِرَ هذا الخبرُ في الإعلان الإمبراطوري التركي والعربي للسلطان رشاد (محمد الخامس). وبعد استسلام المسلمين عُقد اجتماع في المدينة المنورة، ووُجِّهت برقية بعنوان “ابتهاج الإسلام”. أي أُعلن عن إلغاء الامتيازات بابتهاج الإسلام.
وبينما كانت الدولة العثمانية تواجه تداعيات التنازلات (الامتيازات) في مجالي الاقتصاد والصناعة، غرقت أيضًا في الديون. بدأت الديون الأولى بعد حرب القرم عام 1854م، حين تحالف العثمانيون مع الإنجليز وفرنسا ضد الروس، واحتاجت الدولة العثمانية لمبالغ كبيرة. بدأت الديون العثمانية، وانتهى (سدادها) بعد مئة سنة. وفي عام 1854م، أصدر السلطان عبد المجيد مرسومًا يُجيز للحكومة اقتراض مبلغ يصل إلى خمسة ملايين جنيه إسترليني. وفي هذا الوقت، أصبحت الديون (الاقتراض) عادة لدى الإدارة العثمانية. فتمَّ الحصول على قروض لبناء القصور (مثل قصر دولمة بهجة وجراغان وبيلار بيه)، وغيرها.
وهكذا اتَّجهت الإمبراطورية العثمانية نحو “إدارة الدين العام الخارجي”، ما يعني أن الشؤون المالية العثمانية كانت تدار من قبل دول أجنبية. كما اضطلعت هذه الإدارة أيضًا بمهام أخرى كإدارة مصادر الإيرادات.
ولذلك، مثَّلت القروض عبئًا ثقيلًا في ظلِّ الظروف القاسية التي كان يُعانيها العهد العثماني في أواخره. وكان قطاع “البناء والتشغيل” من أبرز القطاعات التي وَجَّهت القروض الاستثمارية، مثل إنشاء السكك الحديدية في الأناضول، ووُضعت حوافز كضمانات الإيرادات تحت مسمَّى “ضمانة الكيلومتر”. كما أُدرج تقاسُم الإيرادات في هذا السياق. ولطالما تصرَّفت الدولة العثمانية بإخلاص في الوفاء بالتزاماتها، ولم تخلق أعذارًا واهيةً للتهرُّب من مسؤوليَّاتها، ولم تلْجأ إلى التخلُّف عن سداد ديونها إلا في الظروف القاهرة. ومع ذلك، وانطلاقًا من المثل القائل “من يقترض يُؤمر”، كان هناك دائمًا شعور بالدونيَّة نابعًا من المديونية. وفي ظنِّي، لم تَحْظَ الديون العثمانية بالاهتمام الكافي مقارنة بالامتيازات، كما أن الأعمال البحثية المتعلِّقة بمعالجة هذه القضية نادرة.
تعقيب د. مدحت ماهر على المحاضرة
قدم د. آدم إطلالة مهمة على حقبة جوهرية من تاريخنا المشترك، أو ما يمكن تسميته “التاريخ الإسلامي في مساحة ما بين الدولة (بمفهومها المعاصر) والجامعة”، وهي مساحة تتجاذبُها باقةٌ من الثنائيَّات التي كانت ولا تزال تشكِّل سياقَنا المعرفي والعملي في ساحات طلب العلم والدراسة والتدريس. لقد طَوَّفَ بنا الدكتور إسين وتجوَّل بين القرنين التاسع عشر والعشرين، مشيرًا إلى التحوُّلات الكبرى في الدولة العثمانية منذ “عصر التنظيمات”، وهو تاريخ مفصليٌّ يؤرَّخ له بنهاية عهد السلطان محمود الثاني وبداية عهد السلطان عبد المجيد الأول (1839م)، مرورًا بعهدي عبد المجيد وعبد العزيز، حيث كانت الدولة في طور تحوُّل محوري، وصولًا إلى ما بعد ذلك في عصر السلطان عبد الحميد الثاني.
لقد اتَّخذ الدكتور آدم من شخصية “محمود أسعد” حالة دراسية ممثِّلة لهذه الحقبة؛ فهذا الرجل عاش في الفترتين (عهد عبد الحميد وعهد الاتحاد والترقي) وشارك فيهما بفعالية. وقد شرح البروفيسور من خلال هذا النموذج كيف تطورت عملية التأليف والتفكير والتدريس في علم الاقتصاد، وكيف انتقلت من الاستناد إلى الشريعة والفقه إلى الانفتاح على الفكر والنظريات والمصادر الأوروبية، وكيف تأثرت عملية الاستيعاب المعرفي تلك بشكل كبير بتحولات النظام السياسي الداخلي العثماني وبالنظام الدولي المحيط به، وسياسات الدولة وظروفها بين نهايات القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين.
كما أشار إلى مؤلفات محمود أسعد في الاقتصاد والقانون، وكتابه الثالث في تاريخ الصناعة. وشرح كيف أن شخصيته كانت تمثل “العلماء ما قبل العصر الحديث”؛ فقد كان موسوعيًّا، جمع بين الدراسات العربية والشرعية والعديد من العلوم الطبيعية والاجتماعية، ليكون بذلك فقيهًا ومؤرِّخًا إسلاميًّا -كما وصفه الدكتور إسين- وفي الوقت ذاته مؤسِّسًا لعلم الاقتصاد العثماني التركي. فقد اهتمَّ بالاقتصاد تنظيرًا وواقعًا، وترجم كتابات أوروبية، وحصل على شهادات في الرياضيات، ثم عمل وزيرًا في عهد الاتحاد والترقي (المالية والعدل)، مقدِّمًا مفاهيم تمزج بين الترجمة عن العربية والترجمة عن الفكر الأوروبي.
وختم المحاضر بضرب المثال بقضيَّتين محوريَّتين لا تزال إحداهما مستمرَّة في عالمنا العربي والإسلامي (قبل الاستعمار وأثناءه وبعده): قضية الديون الخارجية، وقضية الامتيازات الأجنبية، التي تتجدَّد الآن بأشكال مختلفة. وهذا ملمح مهمٌّ لنقل النقاش من التاريخ إلى الواقع والمستقبل، وكيف تضافر تاريخ العلم مع تاريخ الواقع لتشكيل حالة التدريس.
اتجاهات النقاش:
دارت النقاشات حول محورية الرابطة الحضارية والاستراتيجية بين المنطقة العربية، وتحديدًا مصر، وبين التجربة العثمانية والتركية الحديثة، حيث تمَّ التأكيد على أن هذه العلاقة ليست مجرد جوار جغرافي بل هي ترابط عضوي عميق يمتدُّ عبر التاريخ. وقد تمَّت الإشارة إلى مفهوم “الجبهة التاريخية الموحَّدة” التي ضمَّت مصر والشام والجزيرة الفراتية كحائط صدٍّ رئيسي أمام الغزوات التاريخية، مع اعتبار أن هذه الجبهة نفسها هي المستهدفة في الوقت الراهن، ما يستدعي ضرورة إحياء التحالفات الإقليمية والاستفادة من التجربة التركية في تحويل الميراث التاريخي إلى سياسات عملية تخدم التنمية والعمق الاستراتيجي، وإعادة تشغيل “المصنع الحضاري” الذي يربط بين السياسي والاقتصادي والثقافي.
وفي سياق الاقتصاد السياسي، برز اتجاه يربط بشكل وثيق بين التحولات الاقتصادية والهياكل القانونية والسياسية، حيث طُرحت قضية الديون والامتيازات الأجنبية كمدخل لفهم تراجع السيادة في الحقبة العثمانية وما تلاها من نشوء الدول القومية. وقد تمَّ عقد مقارنات نقدية بين نظام الامتيازات القديم وعقود استخراج الثروات الحديثة، مع الإشارة إلى أن الضغوط الاقتصادية كانت المحرِّك الأساسي لحركات تقنين الشريعة والمواءمة بين الوافد الغربي والأصيل الإسلامي، ممَّا يثبت أن الإصلاحات القانونية والإدارية لم تكن ترفًا فكريًّا بقدر ما كانت استجابةً لظروف اقتصادية قاهرة بدأت مع تراكم الديون لتمويل الجيوش ومشاريع التحديث.
أمَّا على الصعيد الأكاديمي والمعرفي، فقد اتَّجهت الآراء نحو نقد حالة “التبعية المعرفية” في المؤسَّسات الجامعية، حيث تسيطر النظريات الغربية على مناهج الاقتصاد والسياسة مع تغييبٍ شبه كامل لتاريخ الفكر الاقتصادي المحلي وتجربة المنطقة. وقد تمَّت الدعوة إلى ضرورة “تبيئة” العلوم السياسية والاقتصادية عبر البحث في جذور نشأة المؤسسات التعليمية الحديثة في الدولة العثمانية ومصر، وفهم السياقات التي أدَّت لظهورها، والعمل على كسر الحواجز التي خلقتها الدولة القومية بين الباحثين العرب والأتراك من خلال مشاريع ترجمة وتواصل علمي تُعيد اكتشاف الذات الحضارية بعيدًا عن السرديات الغربية المهيمنة.
تعقيب ختامي من أ. د. نادية مصطفى:
بصفتي باحثة درستُ التاريخ العثماني وتاريخ الأمة الإسلامية ضمن مشروع “العلاقات الدولية في الإسلام”، فإنني أقدِّر تمامًا الجهد الذي بذلتموه لتقديم فكرة أساسية، وهي: كيف يحدث التحول في التدريس في علاقته مع الواقع (الدولة)؟ لقد أبرزتم عملية التدافع بين قواعد وقيم وفقه الإسلام (وحالته في دراسة الظواهر الاقتصادية والمالية المتَّصلة بأحوال الناس) وبين “الجديد” في العلم كما جاء من الغرب في صورته الحديثة.
وهذا أمر أعتقد أن جميع الفضاءات الحضارية الإسلامية قد مرَّت به (العربية، والتركية، والفارسية، وحتى الهندو-باكستانية والمالاوية) في مرحلة انتقالها من القوة والازدهار إلى مرحلة الاستعمار والتبعية. وهذه العملية يتَّضح جَلِيًّا في القلب منها “الاقتصاد”، وليس فقط الهزائم العسكرية والاحتلال؛ وفي قلب الاقتصاد يقع “الاجتماع” وشؤون الناس.
إن هذه المحاضرة تؤكِّد أهمية ما أُسَمِّيه “الاقتصاد الحضاري”؛ أي الاقتصاد المندمج مع الحالة السياسية، والمجتمعية، وحالة العلاقات الدولية. وأنا أستمع لحديثكم عن “الاقتصاد الحضاري العثماني المقارن” في انتقاله من القوة إلى الامتيازات والتبعية والديون، وما ارتبط بذلك من تحوُّلات في الفكر والتدريس، كأنني أستمع عن وجه آخر للعملة ذاتها، ألا وهو “الاقتصاد الحضاري العربي والمصري” بصفة خاصة خلال المئتي عام السابقة. وربما ينطبق الأمر نفسه على ما قرأته عن الحالة الهندو-باكستانية والمغرب العربي، وبالطبع بلاد الشام التي ظلَّت في حضن الدولة العثمانية حتى الرمق الأخير.
أتمنى أن يكون ما استمعنا إليه اليوم (والذي نادرًا ما نجده إلا في الكتابات الأجنبية) منطلقًا جديدًا، خاصة أنكم تأتون بالحقائق من المصادر العثمانية الأساسية نفسها، وليس ممن قرأوا في العثمانية وكتبوا بالإنجليزية أو الفرنسية عن تاريخ الشرق الأوسط الاقتصادي.
إن التاريخ العثماني يتميَّز عن تواريخ الأقطار الإسلامية الأخرى بأنه “تاريخ إمبراطوري”. ولا أعني بكلمة “إمبراطوري” المفهوم الغربي السلبي، بل أعني “الدولة الكبرى” أو الدولة المتعدِّدة كما عُرفت. ومن هنا تنبع أهميته؛ لأن هناك فارقًا كبيرًا بين أقطار تواجه نفس التحوُّلات حتى لو كانت تحت عباءة الدولة، وبين هذا الكيان الإمبراطوري الذي كان يقوم بدور عالمي ثم تراجع تدريجيًّا.
إن العامل الأساسي في هذا التراجع ليس عسكريًّا وسياسيًّا فحسْب، بل العامل بالضرورة -كما نرى ومن خلال رؤيتنا الحضارية- هو “الداخل”: المجتمع، والفكر، والاقتصاد. هذا العامل شديد الأهمية؛ لأنه هو الذي يترجم تراجعه إلى هزائم عسكرية، فضلًا عن التحالفات المضادَّة ضدَّ هذا الكيان الكبير والرغبة في تصفيته. فما أريد قوله هو أن خبرة الداخل العثماني، وانعكاسها على كيفية تدريس الاقتصاد وعلاقته بالموادِّ الأخرى، وتطوُّر مضمون هذا التدريس في مراحل الانتقال المختلفة، هو أمر مهمٌّ جدًّا.
ولذا، تكتسب هذه الخبرة أهمية خاصة حول ثلاث قضايا رئيسية: قضية الامتيازات، وقضية الديون، وقضية التصنيع أو “التحديث”، سواء في الصناعة أو تحديث النظم الإدارية والتعليمية والعسكرية وما شابه. فقضية الامتيازات شديدة الأهمية؛ لأن الدكتور آدم إسين أشار إلى ثلاث مراحل، ابتداءً من النشأة حتى عهد السلطان سليمان القانوني. وأكثرها دلالة بالنسبة لمكانة الدولة العثمانية في تقديم الامتيازات هي المرحلة التي بدأت عام 1535م بالاتفاق مع “فرانسوا الأول” ملك فرنسا ضد أسرة “الهابسبورج”. هذه الحادثة، وهذه المعاهدة، وهذه الامتيازات لها دلالات مهمَّة جدًّا (دلالات قوة)، على عكس الامتيازات التي أُعطيت في عصر التنظيمات ابتداءً من عام 1839م و1854م وما بعد ذلك، حيث كانت “امتيازات من وضع الضعف” وليست من وضع القوة، وهذا أمر مهمٌّ جدًّا.
إن الحضارة الإسلامية بصفة عامة، بشقَّيْها التركي والعربي وغيرهما، هي في علاقة تفاعل مستمرَّة مع الأمم الأخرى بأدوات مختلفة، وليس بالقوة العسكرية وحدها. فهي تستطيع أن تستخدم أدواتها الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية. وأنا هنا أُسقط هذا الكلام على الواقع؛ لنرى كيف أن ثروات الأمة العربية تُستخدم الآن لاسترضاء العدو الصهيوني، دون أن تتمكَّن من كَبْحِ جماحِه في الاعتداء بوحشية على ما تبقَّى من أهل فلسطين.
ولذلك، فإنقضية الديون أيضًا شديدة الخطورة، ونحن نعايشها في كل أقطارنا الآن. وقضية التصنيع أو ما يسمَّى “نقل التكنولوجيات الحديثة”، هذه كلها تقع في صميم عناصر القوة، ويجب أن تحوز اهتمامَنا، وليس الصراعات العسكرية والدبلوماسية فحسْب. وتقدِّم جميع هذه القضايا سماتٍ مشتركةً بين كافَّة أرجاء العالم الإسلامي، حول هذه القضايا الثلاث، سواء في التاريخ أو في الواقع المعاصر، ترجمةً للسنن الإلهية في الاجتماع البشري حول عناصر القوة وكيفية تعبئتها وعدم التضحية بها.
وملاحظتي الأخيرة تتعلَّق بنموذج “محمود أسعد” بصفة خاصة؛ فقد استشعرت وكأنه يحاول -وهو يقف في مفترق طرق تاريخي شهد تغلُّب الغربي على العثماني الإسلامي- أن يجد مخرجًا. يحاول أن يجمع بيديه هذا “الغرب”، ولكن دون أن يفلت من يديه لا تاريخ الأمة، ولا فقهها، ولا قواعدها الأخلاقية في إدارة الاقتصاد. استشعرتُ كأنه كان يفعل منذ أكثر من 100 عام، ما نحاول نحن فعله الآن منذ 50 عامًا (بعد تغلب المناهج الغربية الحديثة علينا وحدوث حالة الانفصال): محاولة تجسير الفجوة مرة أخرى عبر اجتهاداتنا الصعبة التي تُعاني من القيود، حول ما نسمِّيه “المنظور الحضاري للعلوم الاجتماعية”.
وعلى ضوء ما ذُكر، أقول: نستطيع أن نؤكِّد أننا “أمة إسلامية واحدة”، ليس فقط وبالأساس برابطة العقيدة والتاريخ المشترك، ولكن لأن خبراتنا التاريخية والحضارية (سواء في مرحلة القوة أو مرحلة التراجع والاحتلال والتبعية) ذات خصائص مشتركة كبيرة جدًّا، سواء في تحوُّلاتنا الداخلية أو في علاقاتنا مع الأمم المتغلِّبة، أو فيما بيننا نحن كعرب وأتراك وفرس وغيرنا من أمم الإسلام.
[1] انظر: نادية مصطفى، العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية، (في): نادية مصطفى (تحرير)، موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، دار السلام للطباعة والنشر، 2022)، المجلد السادس، الجزء الحادي عشر، ص ص ٥ – ٤٠٢.
[2] للمزيد انظر: مجموعة من المؤلفين، النظم السياسية في التاريخ الإسلامي (ب)، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث – دار الكتاب المصري، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2024).
[3] مجموعة من المؤلفين، مائة عام على إسقاط الخلافة، حولية أمتي في العالم، العدد السابع عشر، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2024).
[4] جورج مقدسي، نشأة الكليات: معاهد العلم عند المسلمين وفي الغرب، (القاهرة: مدارات للنشر والتوزيع، 2015).
[5] نظام يُمنح بموجبه الفرد حق الانتفاع والاستخدام لأرض تخصصها الدولة له مقابل الالتزام بدفع الضرائب للدولة أو القيام بوظائف أخرى تحددها له الدولة، وقد بدأ هذا النظام مع نشأة الدولة ودخلت عليه تطويرات عدَّة خلال عهد الدولة.
للمزيد انظر: جمال بن أحمد عيسى، قراءة في نظام التيمار العثماني: لواء نابلس والقدس وإيالة الجزائر، مجلة عصور، المجلد 23، العدد 2، ديسمبر 2024، ص ص 187 – 201.
أعد تقرير اللقاء: الباحث/ أحمد عبد الرحمن خليفة



