الأمة وأقاليمها بين منظورات متشابكة: نموذج لمراجعة مفهوم الشرق الأوسط

تقرير منتدى الحضارة الثامن

تقديم د. مدحت ماهر:

هذا هو اللقاء الثامن من الموسم الثاني لمنتدى الحضارة، الذي ينظمه مركز الحضارة للدراسات والبحوث من أجل التحاور والنقاش في قضايا الأمة والعالم، وتحديدًا القضايا الجديدة والمتجددة. ولقاؤنا اليوم يدور حول: “الأمة وأقاليمها بين منظورات متشابكة: نموذج لمراجعة الشرق الأوسط”.

إن الحديث عن “الأمة وواقعها ومجرياتها” يمثل أحد جناحي الطائرة التي حلق بها هذا المركز منذ ثمانية وعشرين عامًا. وأما الجناح الآخر فهو “التحدِّي المعرفي” المتمثِّل في محاولة التجديد وتطوير منظور حضاري متكامل وفاعل لدراسة الظواهر الحياتية والإنسانية والاجتماعية عامة، وتلك المتعلقة والمتَّصلة بالأمة وأقاليمها وأوطانها والعالم من حولها بصفة خاصة.

لقد انطلق مركز الحضارة من هذه الأرضية، جامعًا بين “واقع الأمة” و”علوم واقعها”. كان العمل الأول والمركزي في هذا المركز -عنوانًا وموضوعًا- هو “أمتي في العالم”، كمحاولة لمتابعة مجريات هذه الأمة عبر أقاليمها، حيث تم تقسيم الأمة إلى أقاليم داخلية أو بينية وخارجية. ونحن منذ تأسيس المركز نحاول رسم صورة لحال الأمة، ولقضاياها سواء المشتركة، أو الإقليمية داخلها، أو حتى قضايا أوطانها المتنوعة ومؤسساتها وفاعليها المختلفين، ورصد علاقة هذه الأمة بكليتها أو بأقاليمها ودولها بالعالم من حولها، وبالأخصِّ بالقوى الكبرى؛ الغرب أولًا ثم الشرق.

وخلال ربع القرن الماضي، عشْنا وشاهدْنا الكثيرَ من التغيُّرات في عالم الأحداث، وعالم الفواعل، وعالم المؤسسات، وأيضًا في عالم الأفكار تحوُّلات مهمة. ومع التحول العالمي عقب نهاية الحرب الباردة، وقعت الأمة في قلب النظام الدولي أو العالمي الجديد، واختير الإسلام عدوًّا، أو خطرًا، أو تهديدًا، أو شكلًا دعائيًّا، أو هدفًا للقصف، أيًّا كان التوصيف، بناءً على تنوُّع المنظورات التي نظرت للإسلام والمسلمين بوجه غربي، وأحيانًا بوجه بعض الشرق.

لقد تركَّزت علينا سهام التفكير والتدبير والسياسات والاستراتيجيات، وأصبحت الأمة -التي وظيفتها أن تكون “شاهدة” على العالمين- صارت هي “المشهودة” والمُشاهَدة من العالمين. وفي خضمِّ ذلك تنوَّعت نظراتنا، وتنوَّعت الصور التي نكوِّنها عن أمَّتنا وعن العالم من حولنا. ولكن زاد على ذلك، منذ أن صرنا في قلب النظرة العالمية، أن تنوَّعت أيضًا نظرات وتصويرات الآخرين لنا؛ ومن هنا جاء الشق الآخر من عنوان اللقاء وهو “المنظورات المتشابكة”. فصارت أمَّتنا بأقاليمها، بالإضافة إلى تغيُّرات وتحوُّلات واقعها، معرَّضة وواقعة تحت منظورات مختلفة ومتشابكة، نتابعها ونتجادل فيها، وتتحوَّل هذه المنظورات إلى مناظرات ضخمة.

وفي الفترة الأخيرة، ومع “طوفان الأقصى”، أصبح الإقليم الذي نسمِّيه “الوطن العربي” و”المنطقة العربية”، ويسمُّونه هم “الشرق الأوسط”، صار في القلب من الاهتمام العالمي ومن السياسات الجارية بيننا وبين الغرب وبين قوى العالم المختلفة. ونحن الآن ما بين صورة واقعنا ومناهج التصوير المختلفة أو المنظورات المتشابكة. وسعادة السفير معتز أحمدين غني عن التعريف؛ فهو مندوب مصر الدائم للأمم المتحدة سابقًا، والدبلوماسي والمفكر والمحلل الكبير، والمشهود له بتحليلاته الدقيقة، والعلمية، والعملية، والمنتمية بشكل واضح. وكنا قد تابعنا حضوره مؤتمرًا مهمًّا في الفترة الماضية عن هذا الموضوع، في الوقت نفسه الذي كانت فيه الدكتورة أميرة أبو سمرة تنسق وتنظم مؤتمرًا أيضًا حول “إعادة تخيُّل” المنطقة. فأردنا أن نجعل هذه المناسبات تُكَأَةً لنتداول نحن رؤيتنا للأمرين: لهذا الإقليم وفي هذه الأمة، والمنظورات المتشابكة حوله.

تقديم أ. د. نادية مصطفى:

يُعد هذا اللقاء هو الأخير في سلسلة لقاءات عام 2025، التي كانت تحت عنوان “رؤى وخبرات من أرجاء العالم الإسلامي بأقاليمه المتنوعة وموضع المسلمين فيها”. وقد شمل ثماني محاضرات طفنا فيها طوافًا واسعًا ما بين اليابان، وإندونيسيا، وأفريقيا، وأوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية والعالم التركي.

وبالتالي سأقدم ثلاث ملاحظات أمهِّد بها لموضوع اليوم، الذي نعتبره خاتمة هذه السلسلة لعام 2025، على أن نبدأ بإذن الله بعد رمضان السلسلة الجديدة من الموضوعات، التي ستكون حول “البينية في العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية والإنسانية” بمعناها الواسع كما نخطِّط له.

الملاحظة الأولى: ما هي محصلة عام 2025 من الملتقى عبر أقاليم الأمة في العالم؟

المحصلة من وجهة نظري -لأننا لا نخطط لأي موضوع سواء أخذ شكل الحولية، أو الملتقى، أو إعداد “قضايا ونظرات”، أو مشروع بحثي، إلا ويكون له خيط ناظم نتوقَّع ظهوره من خلال البحث واللقاءات- وقد وجدت ثلاث خواص أو أمور خاصة بهذا الخيط الناظم عبر المحاضرات الثماني؛ وهي أن الأمة ليست كيانًا مصمتًا، ولكنها “فضاء حضاري” متنوع التكوينات جغرافيًّا وبشريًّا، وتتنوَّع الرؤى والمنظورات من داخله لنفسه، ومن الغير له، جملة وتفصيلًا، كلًّا وتجزئة، باعتباره شاهدًا أو مشهودًا، ومبعث فرص أو تهديد أو تحديات أو خطورة.

الملاحظة الثانية: وهي تكملة للأولى؛ لقد استكشفْنا معًا -كما استكشفْنا طيلة ثلاثين سنة تقريبًا من خلال أنشطتنا- أن هناك “قواسم مشتركة” في ظل تنوُّع وتعدُّد خصائص أقاليم الأمة. هذا التنوُّع هو سُنَّةٌ من سُنَنِ الكون بحكم التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، ولكن هذا التنوع وهذا الفضاء الحضاري، كما كان شاهدًا أضحى مشهودًا، وتكالبت عليه التحديات ثم التهديدات، وخاصة في مراحل تحول التوازنات الدولية من حوله، كما شهدنا ونراقب منذ أكثر من قرن، وخلال الربع قرن الأخير بصفة خاصة تكالبت هذه التحديات؛ ولكن ما هي طبيعتها؟

القواسم المشتركة أيضًا تكمن في أنماط هذه التحديات؛ ففي قلبها يقع “الإسلام الحضاري” بكل أبعاده العقدية والمادية، أي المكون الرئيسي للهوية الإسلامية، وبات واضحًا أنه في خطر؛ نظرًا لتكالب الهجوم عليه. ويزيد الخطر، كما اتضح لنا، ليس على الهوية الإسلامية فحسْب، ولكن يزيد الخطرَ افتقادُ الأمة لـ “عناصر القوة المادية”؛ لأنه لا يمكن الفصل -سواء في مراحل القوة أو الضعف- بين الديني الثقافي الحضاري بصفة عامة، وبين السياسي الاقتصادي العسكري. فجانب كبير مما يحيط بالأمة من تهديدات ومخاطر في أقاليمها المختلفة -كما بان لنا من عروض كافة المشاركين لأنماط التحديات والتهديدات التي يواجهونها- أنها نتيجة افتقاد عناصر القوة، وعناصر الاجتهاد والتجديد في المجتمعات والأوطان والدول.

الملاحظة الثالثة: رغم كل هذا، يتضح لنا أننا ما زلنا أمام “أمة واحدة”. قد يقول البعض هل نعلن موت الأمة؟ ولكنها ما زالت قائمة سواء في وهنها، أو ضعفها، أو استضعافها، أو محاولاتها للنهوض. هي أمة واحدة ممتدة جغرافيًّا، ويَنظر إلينا العالمُ هكذا؛ أننا أمة واحدة، أننا “عالم إسلامي”، مجزَّأ أو موحَّد، لكن للأسف يريدون لنا ألا ننظر لأنفسنا هكذا على أننا جملة واحدة وكيان ونظام جامع شامل. والتعبيرات عن ذلك متعدِّدة بين أرجاء الأمة؛ فمن يسافر أو يطَّلع على الكتب الصادرة الجديدة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، يجد أن إسهامات الفكر الإسلامي المعاصر من أرجاء الأمة المختلفة -المترجم منها أو غير المترجم- تتصدَّر المشهد ربما استجابة لنفس جملة التحديات والتهديدات.

إذن، أصل إلى سؤالي الأخير: ما المطلوب منا؟ هل نحن نعرِّف المعرَّف؟ وهل نفسِّر الماء بالماء؟ هكذا الحال في كل مرحلة من مراحل التحول في الأمة ووضعها في النظام الدولي. إذن، ما المطلوب منا الآن كأكاديميين، ومفكرين، وناشطين؟

أسال هذا السؤال لأننا لاحظنا عبر العقد الماضي سيادة مفردات في الإصدارات، سواء المقالات أو الكتب المترجمة أو العربية، مثل: “اختراع الشرق الأوسط” – “إعادة التفكير” – “إعادة التخيُّل”. وكأن هناك اعترافًا قائمًا ومؤكَّدًا بأن أقاليم الأمة ما زالت تحت “إعادة التشكيل” كما حدث عقب نهاية الحرب الباردة. ويتم هذا تحت تأثير اختلاف المنظورات؛ فالمنظور الحضاري الإسلامي في الساحات الأكاديمية العالمية، وفي مؤتمرات الجمعيات العلمية الغربية والشرقية على حدٍّ سواء، تسيطر عليها المنظورات المتقابلة مع المنظور الحضاري الإسلامي. وصوت المنظور الحضاري الإسلامي ورؤيته لأمته وكيفية تغييرها، ورؤيته للآخر وكيفية تغييره -سواء على مستوى العلم أو الفكر- يكاد يناضل نضالًا حثيثًا لكي تظهر له من داخله أصوات ترفع مطالب التغيير، وترفع للعالم ما الذي يمكن أن نقدِّمه من داخل العالم الإسلامي والأمة للعالم ليتمَّ إصلاحه في فترة أزمة عالمية لا يختلف أحد عليها. ونجد في المقابل أصواتًا من داخل الغرب ذاته ترتفع بمثل هذه الأمور، أو العكس كما يسود الآن في ظل “الحقبة الترامبية البغيضة” التي تكره نفسها قبل أن تكره حلفاءها، وتكره الغير الذين لا يشاركون معها.

إذن، ما الذي يحدث؟ نحن نريد تجديدًا، ونريد إصلاحًا، ولكن هناك دائمًا مقاومة مستمرة للإصلاح، ومنها الإصلاح الفكري. وكما قال الدكتور مدحت ماهر في تقديمه، فإن سيادة السفير معتز أحمدين يخوض تجارب عديدة في الساحات والمحافل الدولية كمتحدِّث أو كمشارك أو كضيف، ووجدنا الفرصة سانحة لنختم هذا الملتقى هذا العام بهذا اللقاء تحت عنوان “الأمة وأقاليمها من منظورات متشابكة: نموذج لمراجعة مفهوم الشرق الأوسط”. وليس الشرق الأوسط وحده الذي يتعرَّض لإعادة تخيُّل، بل وسط آسيا، والتوازنات ما بين أفغانستان وباكستان وإيران، ودول الجوار للصين وروسيا، وأيضًا إعادة التخيُّل في أفريقيا بأقاليمها المختلفة، وفي أوروبا، ووضع المسلمين في أوروبا، ووضع المسلمين في الولايات المتحدة؛ جميعها تقع تحت معاول واجتهادات التفكير في حالها المستقبلي.

المداخلة الرئيسية

“الأمة وأقاليمها بين منظورات متشابكة: نموذج لمراجعة مفهوم الشرق الأوسط”

السفير/ معتز أحمدين

ستنقسم مداخلتي إلى ثلاثة أجزاء رئيسية: الجزء الأول عبارة عن تمهيد أو تقديم حول السياق الذي أثار طرح هذا الموضوع. أما الجزء الثاني، فيتعلق بصلب الموضوع وهو مراجعة مفهوم “الشرق الأوسط”. وأخيرًا، سأختتم بخلاصة أو خاتمة تتناول ما يمكن استخلاصه وما نوصي به من أجل المستقبل.

تمهيد:

إذا بدأنا بسياق طرح الموضوع، فقد كانت البداية حين تلقيت دعوة ضمن وفد لمجلس المعهد الدولي للعلاقات الدولية في فيينا، للمشاركة في ندوة تنظمها جامعة القديس بطرس في مدينة سان بطرسبرغ، حول موضوع “الهندسة الاجتماعية” أو التغيير الاجتماعي بين النظرية والتطبيق[1]. وهنا، فكرت في موضوعين لطرحهما خلال هذه الندوة، باعتبارهما يرتبطان بموضوعيها: مسألة الهندسة الاجتماعية وكيفية تطبيق هذا المنهج.

فكرت أولًا في “المنظور الحضاري الإسلامي”، مستلهمًا أفكار أستاذتنا -يرحمها الله- الدكتورة منى أبو الفضل، ومن بعدها أستاذتنا جميعًا الدكتورة نادية مصطفى. وثانيًا، فكرت في مسألة “الشرق الأوسط الجديد” باعتباره نموذجًا لمحاولة هندسة اجتماعية لأحوال منطقتنا العربية الإسلامية لصالح قوى معينة على حساب أصحابها.

الندوة كانت تتحدث عن “الهندسة الاجتماعية” باعتبارها مجالًا علميًّا جديدًا يهدف إلى محاولة تشكيل المستقبل؛ على أساس أن المستقبل غير معروف، وبالتالي يتم محاولة تشكيله من خلال زرع أفكار معينة أو ثقافة معينة داخل المجتمع من أجل توعيته لتحريكه، أو تحريك فئات داخله، في اتجاه معين. وهذا بالطبع يختلف عن مسألة “الحراك الاجتماعي” المتعلق بالمكانة الاجتماعية التي تتغير بناءً على وسائل معينة، منها التعليم، لصعود السلم الاجتماعي أو تفاوت الدفع للصعود أو الهبوط. لكن السياق الذي عُقدت فيه هذه الندوة كان محاولة ابتكار ثقافة للحشد داخل روسيا في مواجهة الحرب التي يشنونها على أوكرانيا ثم العالم. وسأعود لذلك في الجزء الأخير عند استخلاص الدروس والنتائج.

إذن، مسألة الهندسة الاجتماعية أثارت لدي مسألة المنظور الحضاري، وهو بالطبع الاستفادة من الخصائص الاجتماعية والإنسانية الموجودة في الأمة كظاهرة، وكمنهج لدراسة العلوم الاجتماعية عمومًا والعلاقات الدولية -وهو تخصص الدكتورة نادية وإن كان لا يقتصر عليه- من أجل تفسير الظواهر والتعرف على كيفية نشوئها وتطورها صعودًا وأفولًا، ومحاولة استعادة الوضع والمكانة في الأمة وفي العالم.

كنت أريد طرح فكرة “الشرق الأوسط الجديد” باعتباره تطبيقًا حديثًا لمسألة الهندسة الاجتماعية ونقده من منظور الحضارة الإسلامية. ثم لجأت للدكتورة نادية -طبعًا قبل المشاركة في الندوة- وللدكتور مدحت ماهر والدكتورة أميرة. والدكتورة نادية يرجع لها الفضل في مد المفهوم لئلا يقتصر على “الشرق الأوسط الجديد” فقط، بل ليشمل فكرة “الشرق الأوسط” نفسه؛ باعتبارها مفهومًا دخيلًا على المنطقة، تؤدي وظيفة -أو أدت وما زالت تؤدي وظيفة- مشابهة، وهي محاولة الهندسة الاجتماعية “الإقليمية” هنا -وليس الداخلية- لحساب مصالح أطراف معينة خارجية على حساب التواصل، والواقع، وتاريخ وثقافة ودين المنطقة.

أنتقل من هنا إلى صلب العرض، وهو الجزء الخاص بـ “الشرق الأوسط”، ثم “الشرق الأوسط الجديد”.

أولًا- الشرق الأوسط: الطرح النظري ونشأة المفهوم

عندما بحثت سريعًا، اتضح أن مفهوم “الشرق الأوسط” بدأ أصلًا في منتصف القرن التاسع عشر، ربما كمصطلح جغرافي لوصف المناطق الواقعة ما بين الجزيرة العربية والهند، وذلك من منظور المستعمرة البريطانية الرئيسية. كان في البداية يتم استخدام مصطلح “الشرق الأدنى”، ثم طغى عليه بعد ذلك مصطلح “الشرق الأوسط”.

نلاحظ هنا أنه حتى قبل نشأة مفهوم الشرق الأوسط، كانت هناك مسألة النظر إلى الشرق باعتباره مختلفًا أو مغايرًا للغرب. وأنا أشبه ذلك -وربما أكون مخطئًا وصححوني- بما فكرت فيه أثناء الإعداد للعرض، مثل ثنائية “العرب والعجم”؛ فالعجم هم غير العرب، وبالنسبة لهم الشرق هو جزء أساسي من “المختلف” عن الغرب. وإن كان قبل ظهور مفهوم الشرق الأوسط قد ظهر منهج “الاستشراق”، الذي ينظر إلى الشرق نظرة فوقية، لكن في نفس الوقت -وللموضوعية- نظرة عاطفية ورومانسية نوعًا ما؛ لأنه حتى بين الغربيين يعتبرون أن الشرق مصدر للإلهام، ومصدر للإغواء أحيانًا، ومصدر للسحر -بمعنى ليس السحر الشرير، ولكن السحر الذي له جاذبية خاصة- فهي مشاعر مختلطة. لكن النتيجة طبعًا تصب في الهندسة الاجتماعية وتغييره وتغيير شكله داخليًا وخارجيًا، من خلال -مثلًا- بداية الاستعمار والاستشراق والتركيز على النعرات الطائفية والعرقية، ثم القومية بعد ذلك.

لكن بدأ استخدام هذا المفهوم بصورة أساسية كمصطلح وصفي، وبدأ توظيفه في مطلع القرن العشرين. فقد أطلق أحد الخبراء، ويمكن أن نطلق عليه وصف خبير أمن استراتيجي أمريكي، ألفريد ماهان كتب مقالًا عن أهمية الخليج العربي (أو الخليج الفارسي من وجهة نظرهم) كجزء من التنافس بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية البريطانية للاستحواذ على الطرق الرئيسية والموارد الرئيسية في الشرق والمستعمرات. هو بدأ بإطلاق مصطلح الشرق الأوسط، وزعم أنه لم يسمع به من قبل، لكنه بدأ استخدامه. ثم تلا ذلك بعام -كان ذلك في 1903- مؤرخ وصحفي ودبلوماسي بريطاني مشهور، اسمه “تشيرول”، بمجموعة من المقالات حول قضية الشرق الأوسط تصب في نفس الاتجاه. بدأ هكذا الطرح؛ يعني بعد أن كان يتم استخدام مصطلح الشرق الأدنى، تم الانتقال إلى مصطلح الشرق الأوسط الذي علا على مصطلح الشرق الأدنى.

وفي رأيي، المصطلح “نصف دقيق”، فهو مبني على منظور أوروبي بحت لدراسة العالم أو للنظر إلى العالم (Eurocentric). أقول إنه نصف دقيق لأن الدقة فيه تكمن في أن إقليم الشرق الأوسط فعلًا -إذا اعتبرناه يبدأ من مصر إلى تركيا وإيران- هو في وسط العالم وفقًا للخريطة المعتمدة، فضلًا عن أنه مهد الحضارات ومهد الديانات السماوية، فهو بالفعل في الوسط. لكنه طبعًا غير دقيق لأنه إذا نظرنا إلى الخريطة فهو ليس في الشرق بل في الوسط. لكن تأتي فكرة “الشرق” من فكرة “العجم” كما ذكرت؛ لوصف ما ليس غربيًا، فهم يعتبرون الشرق جزءًا كبيرًا مما ليس غربيًا. وإن كان إذا عدنا إلى النظر بسحر ما أو رومانسية ما للشرق، نجد أن في اللغة العربية مثلًا “الغرب” يتعلق بغروب الشمس وبالاغتراب وبالتغييب، وهو مفهوم سلبي ربما نعود إليه عند نقد المنهج الغربي للنظر للأمور.

كما نجد أن نطاق مفهوم الشرق الأوسط يتفاوت؛ فأحيانًا يضم المغرب العربي والسودان وشمال أفريقيا، ويتسع لباكستان وأفغانستان، وأحيانًا يقتصر على مصر ونصل إلى تركيا وإيران. أحيانًا يتم مطّه وتوسيعه، بما في ذلك تغيير الاسم، مثل مفهوم “الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”(MENA Region)، ويتم توسيعه مفهوميًا حتى “الشرق الأوسط الكبير” الذي يضم أفغانستان وما ورائها والجمهوريات الإسلامية المنفرطة عن الاتحاد السوفيتي عند تفككه. هذه كلها مفاهيم جغرافية ويتم توظيفها طبعًا، أو مفاهيم مثل “الشرق الأوسط الجديد” بمعنى إعادة تشكيل المنطقة لشكل ما، وسنعود إليه بعد ذلك. نلاحظ أن اختلاف النطاق والتسمية يرتبط بمصالح واستراتيجيات الجهات المطلقة لها، كما نرى بشأن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كاستراتيجية أمريكية، تبعتها الشرق الأوسط الكبير ثم الشرق الأوسط الجديد.

وفي تقديري أنه منذ إطلاق مفهوم الشرق الأوسط، يتم استخدامه ضمن عملية للهندسة الاجتماعية. وهذا يعيدنا إلى سياق تفكيري مع الدكتورة نادية والدكتور ماهر في الموضوع؛ الهندسة الاجتماعية التي تتضمن هدم شكل ما أو بناء ما، وبناء شيء بديل، أو توجيه المجتمع أو البنية الإقليمية أو الدولية إلى كيان بديل.

وهنا، نلاحظ أن ظهور مفهوم الشرق الأوسط ارتبط بما قبل الحرب العالمية الأولى، في إطار تفكيك ما تبقى من الدولة الإسلامية التي كانت تتجسد في الإمبراطورية العثمانية. كما استُخدم في الحملات الاستعمارية من أجل تبرير الاستعمار أو الإشارة إلى وجود اختلافات عرقية ودينية وطائفية، ثم بعد ذلك القومية عند طرح اتفاقات مثل “سايكس بيكو” وغيرها. توظيف المفهوم بدأ مع المطالبات الخاصة بضرورة الاستيلاء على تلك المنطقة في إطار التنافس الاستراتيجي بين القوى الدولية وما إلى ذلك، لكن التوظيف الرسمي العملي بدأ طبعًا باتفاق “سايكس بيكو” سنة 1916، الذي ارتكز على النزعة القومية -أو بدأ يغذي النزعة القومية التي كانت تبدأ في الترسخ في الغرب في هذه الفترة وقبلها بقليل- ورسم حدودًا وفقًا لتواجد ومصالح القوى الاستعمارية المتصالحة والمتنافسة (المملكة المتحدة وفرنسا). كل ذلك تم على حساب واقع ومصالح وتواصل شعوب المنطقة.

ثانيًا- الشرق الأوسط: التوظيف السياسي للمفهوم

أن اتفاقية سايكس بيكو تكاد تكون قد تزامنت مع محاولة جديدة أو إضافية، أو ربما تصب معها، لهندسة المنطقة من خلال “وعد بلفور” وإنشاء دولة إسرائيل. ومع وعد بلفور طبعًا سبقه وتلاه الجهد المقترن لتعزيز الوجود اليهودي في منطقتنا، في فلسطين وقرب المسجد الأقصى، طوعًا من خلال الهجرة الطوعية وتقديم الحوافز لليهود من أجل الهجرة إلى هناك ليتركوا أوروبا لأصحابها، أو للخروج بما يسببونه من مشاكل داخلية في أوروبا فيتم تحفيزهم للذهاب إلى فلسطين. وربما تم ذلك حتى قسرًا من خلال ما تلا الحرب العالمية الأولى وقبل الحرب العالمية الثانية وخلالها من مسألة الإبادة ضد اليهود كذلك، التي لا شك أنها شجعت على مزيد من الهجرة، وكذلك شجعت على إنشاء دولة إسرائيل وتوفير مبرر إضافي للدول الغربية للتعاطف مع ودعم دولة إسرائيل.

فإذا كانت اتفاقات سايكس بيكو تعتبر البدء الأول للهندسة الاجتماعية برسم الحدود، فإن إنشاء دولة إسرائيل كان أحد نتائج هذه الهندسة في فصلها الأول بزرع كيان دخيل على المنطقة، بسكان ثقافتهم مختلفة، ودينهم -حتى يهوديتهم- مختلفة عن اليهودية الأصلية أو اليهودية التي كانت سائدة عند اليهود الذين تطوروا مع الإقليم. بل إن دولة إسرائيل -كما سنرى وكما نرى الآن- استلمت راية الهندسة الاجتماعية أو الهندسة الإقليمية فيما بعد، كما سيظهر في الأفكار المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد وخلافه.

ومع اتفاقية سايكس بيكو ومع ترسيم الحدود -حتى في الدول الأفريقية وفي مناطق أخرى من العالم- تم بث فكرة “قدسية الحدود الموروثة من الاستعمار”، من أجل البناء على الأطر القومية التي تم إنشاؤها، وبزعم تفادي مشاكل أكبر من خلافات حدودية وخلافات قبلية بين الجماعات والقبائل والشعوب التي تسكن بين الحدود والتي لها تطلعات أكبر. وتم ترسيخ هذه الفكرة حتى أن “منظمة الوحدة الأفريقية” قامت عليها، وكذلك تحترمها “الجامعة العربية”، وهي مبدأ شبه مستقر في القانون الدولي.

تم كذلك في هذه الفترة ما بين الحربين بدء التوظيف العسكري لمفهوم الشرق الأوسط بإنشاء “قيادة الشرق الأوسط” بالنسبة للمملكة المتحدة في الثلاثينيات للتغطية العسكرية لهذه المنطقة، بما في ذلك شمال أفريقيا التي حدثت فيها الاشتباكات في الحرب العالمية بين رومل ومونتجمري. كما بدأت الولايات المتحدة نفسها رسميًا -أو قبل أن تبدأ رسميًّا- بإنشاء “معهد الشرق الأوسط” في النصف الثاني من الأربعينيات، وبدأت بذلك تبنِّي المفهوم بصورة شبه رسمية. ثم في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية سنة 1956 – تحت رئاسة أيزنهاور- تم تعريف منطقة الشرق الأوسط، وكانت متسعة وقتها، ربما وصلت إلى باكستان وضمت شمال أفريقيا، ثم امتدت من مصر إلى إيران بعدها بعامين.

وفي إطار تعريفاتها وترتيباتها من أجل إرث أو تبوء ميراث الإمبراطوريات الاستعمارية المنفرطة، جاء “حلف بغداد”، الذي تم إنشاؤه في منتصف الخمسينيات، ولم تنضم إليه الولايات المتحدة، لكنها هي التي شكلته على عينها ولم تنضم إليه ربما لاعتبارات سياسية داخلية واعتبارات مالية وتمويلية، لكنها هي التي أوعزت للمملكة المتحدة بتشكيله وضم تركيا والعراق وإيران كذلك. وكان يسمى حلف الشرق الأوسط، ثم حلف بغداد، ثم “الحلف المركزي (CENTO – Central Treaty Organization) بعد ما كان (METO – Middle East Treaty Organization)، والذي انتهى بالمناسبة أو انحل سنة 1979 مع نجاح الثورة الإيرانية.

وكانت الأداة الاقتصادية من ضمن الترتيبات في إطار الهندسة الاجتماعية، كان إنشاء “شركة أرامكو” لتعزيز النفوذ الأمريكي والاستفادة من الموارد كما هو عليه الحال الآن. ونفس منهج الاستفادة من الموارد كذلك ظهر في إزاحة رئيس وزراء إيران مصدق، ومجموعة الانقلابات التي شهدتها المنطقة العربية والكثير من الدول العربية وكذلك تركيا. كلها كانت في إطار الهندسة الاجتماعية وتوظيف مفهوم الشرق الأوسط، وأن هذه الدول يتم التعامل معها كل على حدة، لكن في إطار استراتيجية كونية أو إقليمية للدولة المسيطرة على النظام الدولي.

نلاحظ هنا – بالعودة إلى فكرة قدسية الحدود – أن في التطور يتم التغاضي عن مسألة قدسية الحدود مع تغير مصلحة القوة المهيمنة أو الساعية للهيمنة. ومن ذلك مثلًا: فصل السودان عن مصر، وفصل جنوب السودان عن السودان، والحديث عن ترسيم الحدود بين الكيان الصهيوني (إسرائيل) وجيرانها وإعادة ترسيمها -مثلًا كما يحدث الآن بالنسبة للبنان أو سوريا- ومحاولة إنشاء ممرات داخل الحدود لحماية الأقليات مثلًا، أو دعم ميليشيات معينة كما كان الحال في جنوب لبنان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. أي أن مسألة الحدود وقدسية الحدود مسألة تعود لأهواء ومصالح القوى المهيمنة، وكما نرى بالنسبة للولايات المتحدة بعيدًا عن منطقتنا بالنسبة لجرينلاند، وبالنسبة لمحاولة الاستيلاء على قناة بنما وعلى كندا وما إلى ذلك، هو نفس المنهج الذي لا يحترم الحدود بينما كان يدعو إليه.

ثالثًا- من الشرق الأوسط إلى الشرق الأوسط الجديد

يقودنا ذلك إلى مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” بإصداراته المختلفة؛ فهو في تقديري ليس مفهومًا جديدًا، بل هو مفهوم قديم نسبيًا، عمره أكثر من 50 سنة، وله إصدارات مختلفة وكثيرة لكنها تصب في نفس الاتجاه.

بدأنا بالمؤرخ الأمريكي اليهودي -والصهيوني- “برنارد لويس”، الذي أطلق فكرة “الفسيفساء” في المنطقة أو “فسيفساء الشرق الأوسط”. وهنا يقصد الفسيفساء “النشازية” وليس الفسيفساء الجمالية؛ فمثلًا أنا عشت في المغرب، وعندهم الفسيفساء تتم في تزاوج، وكما نقول سيمترية جمالية وتكامل نادر، وهذا هو جوهر الفسيفساء الحقة. أما ما يقصده لويس، فهو الفسيفساء “النشاز” المكونة من أقليات وقوميات متحاربة ومتنازعة يتم استغلالها -أو هي مستغلة أصلًا- وهذه هي فسيفساء برنارد لويس. والهدف في نظري، وفي نظر الكثيرين، هو “تطبيع النشاز”، والنشاز – في حالتنا- هو إسرائيل والمصالح الأجنبية.

بعد ذلك بعقدين أو أقل قليلًا، ظهر مفهوم آخر للشرق الأوسط الجديد، أطلقه “شمعون بيريز”، الذي يعتبر الأب الحديث لمفهوم الشرق الأوسط الجديد الذي يتضمن التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل من أجل تحقيق الرخاء. وطبعًا المعادلة هنا تقوم على استخدام “المخ الإسرائيلي” و”العضلات العربية”؛ بمعنى أن العضلات هنا هي النقود أو التمويل العربي والموارد العربية، لكن العضلات العسكرية والابتكار تأتي من إسرائيل. وكان في لب هذا المفهوم – كما قرأت في كتاب شمعون بيريز – التحالف الاستراتيجي بين الدول العربية (سواء مجتمعة أو كل على حدة، وخصوصًا دول الخليج) ضد إيران؛ باعتبار أن الثورة الإسلامية الإيرانية هي التهديد الرئيسي لدول الخليج ولدول المنطقة من خلال محاولات “تصدير الثورة”، أو ما كانوا يصورونه على أنه تصدير للثورة، والذي زاد من حدته تطوير برنامج نووي لإيران.

والغريب -والمضحك في نفس الوقت- أن شمعون بيريز، الذي ينتقد البرنامج النووي لإيران، ويقول إن التطور العلمي أصبح لا يستدعي وجود جيوش قوية من المشاة وحتى تراكم الأسلحة لأن الصواريخ العابرة للحدود وللقارات ونوعية السلاح باتت هي المؤثرة (وبالتالي على الدول العربية الاعتماد على إسرائيل في تحقيق أمنها وعدم الالتفات إلى تكوين جيوش قوية ..). شمعون بيريز نفسه هو الذي طور البرنامج النووي لإسرائيل بالتواطؤ مع الولايات المتحدة. رغم أن الولايات المتحدة تزعم أنه تم بعيدًا عنها أو بدون معرفتها، وبالتواطؤ مع فرنسا، وكذلك يزعمون أنه تم بدون علم الجنرال ديغول في النصف الثاني من الخمسينيات والستينيات. ولا أستبعد أن حتى الجنرال ديغول كان يعلم بذلك لكنهم لا يعترفون به، كما أن الولايات المتحدة لم تعترف بأنها ساعدت في نباء البرنامج النووي الإسرائيلي. والدليل على ذلك أنه لا الولايات المتحدة ولا فرنسا فرضت عقوبات جدية على البرنامج النووي الإسرائيلي. بل إنه حتى مجموعة الدول الموردة للتقنيات والموارد النووية -التي تدعى “مجموعة الموردين النوويين “(Nuclear Suppliers Group)، والتي عملت معها عندما كنت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو في بعثة مصر لدى الوكالة- هذه الدول لا تقدم أي معلومات تقنية أو أي مواد متعلقة بتطوير البرامج النووية السلمية للدول غير المنضمة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. وطبعًا إسرائيل مستثناة من ذلك، ثم بعد ذلك حتى تم استثناء الهند من ذلك، ولم يتم استثناء باكستان على حد علمي مثلًا. عمومًا، هذا هو شمعون بيريز في تصوره للشرق الأوسط الجديد، وفي إطار كذلك مسألة تحقيق السلام واتفاقيات أوسلو ومبدأ “الأرض مقابل السلام”.

ثم ظهر إصدار آخر أحدث نوعًا ما ببضع سنين لـ “بنيامين نتنياهو” بخصوص الشرق الأوسط الجديد. وهنا تم نسف فكرة “الأرض مقابل السلام” من الداخل، وتم تعطيل اتفاقيات أوسلو، والخروج بفكرة “السلام مقابل السلام”؛ أي أن الدول العربية ستسالم إسرائيل وإسرائيل ستسالمها، وإلا… وهذا قادنا إلى التعبير أو المفهوم الجديد القديم جدًا -وهو موجود منذ أيام الإمبراطورية الرومانية وربما قبلها- الذي أصبح يطلقه نتنياهو في كل مكان، حتى أن ترامب اقتبسه وأصبح يستخدمه الآن، وتم إرساؤه في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة، وهو فكرة “السلام من خلال القوة”؛ أي أن القوة والردع هما اللذان يحققان السلام. وهي في الواقع – كما نرى عمليًا – تطبيق لما أسميه “السلام بالقوة”، والذي من خلاله تقوم إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أي قوة مهيمنة باتباع سياسة “ثلاثية الأبعاد” تجاه منافسيها أو أعدائها. تبدأ بـ:

  1. العزل: العزل الدولي والوصم بالسوء وبالعدوانية للأعداء عن بعضهم (غالبًا ليس عن حق).
  2. ثم النزع: نزع الأملاك (نزع أملاك الفلسطينيين)، أو نزع السلاح (نزع سلاح حزب الله، نزع سلاح إيران، حتى نزع سلاح مصر مثلًا).
  3. ثم -ومن باب السجع قلت- “الرزع”: وهو الضرب بقوة من أجل الإجهاز على هذا العدو بعد أن يكون قد تم عزله، وبالتالي لا يستطيع المواجهة أو الحصول على دعم دولي كافٍ للعودة والرد.

ثم يأتي زيادة تأكيد العزل بالنزع؛ نزع الممتلكات مثل نزع ممتلكات الفلسطينيين من أجل الاستيطان في الضفة الغربية، ومن أجل إقامة “الريفيرا” التي يبشر بها ترامب لحسابه الخاص طبعًا وحساب أقاربه وعائلته. ثم مسألة “الرزع” بالإبادة والضرب، سواء إيران أو غزة أو لبنان أو سوريا أو اليمن أو أي مكان.

هناك مفهوم مكمل، ومتسق مع ذلك – وربما تم تطويره بالتعاون والتنسيق مع إسرائيل – وهو “مفهوم ترامب للشرق الأوسط الجديد”. والذي يتضمن – بالإضافة إلى نقل السفارة الأمريكية للقدس، والاعتراف بالقدس وبالجولان كأجزاء من إسرائيل – النظر إلى إسرائيل على أنها “صغيرة جدًا”، ويمكن لدول المنطقة التي بها مساحات شاسعة أن تتنازل عن أجزاء من مساحتها لتوسيع إسرائيل الصغيرة جدًا الضعيفة جدًا (وفقًا لكلامهم في هذا السياق فقط)، وتوسيع “الاتفاقات الإبراهيمية”. والتي بالمناسبة كان يريد ترامب تسميتها -كما قال هو نفسه في خطاب إطلاقها- “اتفاقات ترامب”، لكن خلال ولايته الأولى لم يكن قد تجرأ لهذه الدرجة، فسماها بناءً على نصيحة مستشاريه “الاتفاقات الإبراهيمية”، لكنه كان يريد تسميتها “اتفاقات ترامب”.

وأتت في الولاية الثانية الخطط الجهنمية، مثل “خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط”، وهي خطة قاصرة طبعًا تم بلورتها من خلال مفهوم التطبيع مع إسرائيل وتغيير الأمر الواقع وهندسة الواقع بصورة تصب في مصلحة إسرائيل طبعًا، والتطبيع مع إسرائيل وهيمنة إسرائيل لتضرب من تشاء حين تشاء أينما تشاء. وهذه خطة ترامب التي اغتر بها لتهافت الدول العربية أو تكالبها أو هرولتها لقبولها، فأطلق خطة مشابهة من أجل أوكرانيا، ويسعى إلى خطة مشابهة من أجل العالم من خلال “مجلس السلام العالمي”؛ فما وجده من قبول من الدول العربية لخطته غره بالمزيد وباستكمال هذه المسيرة. لكن أوروبا ليست الدول العربية، والدنمارك مثلًا ليست غزة؛ وبالتالي لم توافق الدول الأوروبية حتى الآن على قبول خطة ترامب بالنسبة لأوكرانيا، ولا وافقت على تسليم جرينلاند للولايات المتحدة.

يتضمن الجزء المثير للانتباه في تصور ترامب للشرق الأوسط فكرة “الاستحواذ”؛ كما في خطته بالنسبة لغزة في فبراير الماضي حين قال: “أنا سأحصل على غزة؛ سأستحوذ على غزة وأديرها”، وهذا ما يتم، وما تم في الخطة التي قبلتها الدول العربية بعد ذلك. كذلك الاستحواذ على الموارد والتدخل السافر في الشؤون؛ مثل رفض “نوري المالكي” مثلًا كمرشح لرئاسة الوزراء في العراق، ونفس الشيء ينطبق على سوريا ولبنان عند تعامله مع السياسيين، ومعاملته للصحفيين أو إطلاقه على الصحفيين اللبنانيين بأنهم “يتصرفون كالحيوانات”. بل ومحاولة منح إسرائيل المزيد، والاستحواذ على المزيد من النفط في فنزويلا مثلًا، وفي أماكن بعيدة، وعلى جرينلاند، وربما الاستحواذ على النفط في إيران إذا نجحت ضربته التي أعتقد أنها قادمة لا محالة. لكني أعتقد كذلك أنها فشلت في تغيير النظام في إيران، ومن ثم محاولة الاستحواذ على الثروات النفطية الإيرانية على غرار ما يحاول القيام به في فنزويلا، رغم فشل هذه المحاولات نتيجة لاحتياجها للاستثمارات التي ليست الشركات الأمريكية على استعداد للقيام بها.

رابعًا- نتائج الهندسة الاجتماعية والإقليمية للشرق الأوسط

إن نتائج هذه “الهندسة الاجتماعية والإقليمية” -من الشرق الأوسط القديم إلى الشرق الأوسط الجديد- هي كلها نتائج كارثية، أو نتائج سيئة بل كارثية. تتضمن هذه النتائج:

  • هدرًا للموارد.
  • تخلفًا اقتصاديًّا ما يزال قائمًا في كل دول المنطقة رغم غنى بعضها.
  • نزاعات حدودية مستمرة، ليس فقط بين إسرائيل وجيرانها (فإسرائيل نفسها كيان حدوده مشكوك فيها، ووجوده أصلًا محل نظر)، لكن هناك نزاعات حدودية لا حصر لها: بين قطر والبحرين، السعودية والإمارات، اليمن وغيرها، اليمن والإمارات، السودان وجنوب السودان، ليبيا وتشاد، الجزائر والمغرب، وحتى بين مصر والسودان. كما توجد نزاعات بين الدول العربية وبين دول إسلامية كثيرة، بما في ذلك الدول المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي.
  • وتوترات اجتماعية وعرقية ودينية داخل المجتمعات.

ومن ثمَّ، تكون النتيجة المنطقية لهذا انفجارات بأشكال مختلفة، منها: حروب أهلية (كما حدث في لبنان، وسوريا، والسودان، وفي أمثلة أخرى كثيرة)، وثورات وانتفاضات شعبية (بدءًا من الانتفاضة الفلسطينية إلى الانتفاضات والثورات في الدول العربية وثورات الربيع العربي)، والتي أدت إلى “الطوفان” والإبادة الجماعية. وهنا، فإن الطوفان ذاته يمثل محاولة الهندسة وممارسة السحر على المنطقة من أجل مصالح معينة؛ فالنتيجة المنطقية هي الانفجار وينقلب السحر على الساحر، كما حدث في الطوفان وكما سيحدث لا محالة في المستقبل نتيجة للإبادة الجماعية وللممارسات الاستعمارية للولايات المتحدة وإسرائيل.

ستستمر النتائج، لا شك، طالما لم يتم حل المشاكل الرئيسية؛ سواء داخليًا في دول المنطقة (ومنها مسائل الحكم الرشيد، وانتشار الفساد، وإهدار الموارد)، أو المشاكل الإقليمية (وعلى رأسها مشكلة فلسطين)، بالإضافة إلى التوترات البيئية التي تحدثت عنها (من مشاكل حدودية وما إلى ذلك)، وحل المشاكل الخارجية المتعلقة بالتدخلات الأجنبية.

ما أريد أن أصل إليه هو أن استخدام منظورات أجنبية من أجل هندسة الأوضاع لا تستقيم، وتؤدي إلى مثل هذه النتائج. وهذا يعيدني إلى ما بدأت به حول ندوة “الهندسة الاجتماعية” في جامعة القديس بطرس في روسيا. فالندوة كلها كانت تقوم على فكرة الهندسة الاجتماعية من أجل حشد المجتمع الروسي، بعد سنوات من عدم وجود عقيدة محددة لتماسك النظام في روسيا. حتى إن أحد الزملاء الروس المشارك معنا من أعضاء مجلس إدارة “معهد فيينا للعلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط”، كان يوضح لنا – على هامش الندوة – أن مثل هذه الندوات هدفها التوعية والحشد من أجل إثبات أن النظام في روسيا على حق، ومحاولة إنشاء قاعدة جديدة لتعزيز النظام في ضوء الحرب التي تشنها والعقوبات التي تتعرض لها.

خلال هذه الندوة، عُرضت نماذج روسية وصينية من أجل عملية الهندسة الاجتماعية مقارنة بالنموذج الغربي، وهو ما سأمر عليه فيما يلي:

أما النموذج الروسي: بدأت الندوة بفيلم دعائي تضمن سفينة في أمواج عاتية وتنجو من العاصفة. وكانت المحاولة تصوير أن هناك “عاصفة مكتملة الأركان” في العالم كله، تبدأ من حدود السوق العالمية والقيود المفروضة عليه، وانخفاض التشغيل أو فرص العمل، وتهديدات الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي، بل وحتى في الدول الغربية النقص الديموغرافي. كل ذلك يؤدي إلى تحديات كبيرة لا تناسبها المؤسسات القائمة، وبالتالي هناك حاجة لبلورة “عقد اجتماعي جديد”، وهندسة اجتماعية جديدة، وتطوير نماذج اجتماعية جديدة من أجل محاولة توقع المستقبل من خلال الحاضر، وتشكيل المستقبل بناءً على بث القيم الأصيلة الروسية التي تختلف عن القيم الغربية. والتي -يا للسخرية الآن- تقوم على القيم الدينية الأرثوذكسية وقيم العائلة والتكاتف، في مواجهة “الغرب المادي المنفلت”.

كان أحد المشاركين المهمين، وربما سمعتم به، هو “ألكسندر دوجين”، وهو الذي كانت قد استهدفت سيارته بقنبلة (في أغسطس 2022 وسط موسكو)، ولكن كانت ابنته هي التي تقود السيارة فهي التي قتلت ولم يقتل هو. كان موجودًا، ومفكر روسي قومي آخر اسمه “دانيل بوروزين”. والاثنان كالا الانتقادات على القيم الغربية المنحلة، وأثارا أن الغرب “يشيطن” أعداءه، وهو متجه -أو أصلًا متجه- إلى الهاوية ويجر العالم خلفه، ويجب الآن تطوير نماذج بديلة والقفز من قطار الغرب الذي يقود العالم معه إلى الهاوية.

كل ذلك عبارة عن نظريات للتغيير والتحسين الاجتماعي لتحقيق أهداف النظام الروسي، وتقديم ذلك من خلال زرع القيم، والاحتفاء بالحضارة الروسية، وبالأبطال الروس، وتوفير فرص عمل في روسيا؛ ومجددًا من خلال التركيز على أن روسيا ليست جزءًا من الحضارة الغربية، بل هي “دولة عالمية” ليست تابعة لأحد، وتأخذ في الاعتبار التعددية (كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي)، ويعتبرون الدين عاملًا أساسيًا يحدد الهوية الروسية. ويعتمدون في بناء هذه الهوية وتحقيق النتائج على “الدولة” أو “الدولة العميقة”، التي لديها قدرة أكثر من المجتمع -أكبر من المجتمع- على التعمق في فهم القومية الروسية والأهداف المطلوبة وتشكيل المجتمع على شاكلتها.

أما النموذج الآخر الذي يسير في نفس الاتجاه لكنه أعرق لا شك، فهو “النموذج الصيني”: كان هناك مشاركان من الصين عرضا النموذج الصيني للتغيير الاجتماعي من منظور حضاري. والصين لديها – وتستطيع التحدث عن – حضارة متجذرة. وكانوا يتفاخرون بأن الحضارة الصينية نجحت في الزراعة في البداية، ثم الصناعة، ثم في المعلومات والتقدم التقني والذكاء الاصطناعي؛ على أساس أن طبيعة الدولة الصينية هي تمزج بين المكونات المختلفة، وأنها تميل إلى الوحدة. أي أن الأسلوب التقليدي للحكم في الصين أقرب إلى “الحزب الواحد”، وأن الحزب الشيوعي كان امتدادًا لهذا التقليد المتجذر في الصين، وأن الأهم من انتخاب المسؤولين هو “اصطفاؤهم” بناءً على قدراتهم وأهليتهم للحكم وتحقيق المصلحة العامة. أي أن الحزب في الصين -وفقًا لهم- لا يعمل من أجل المصلحة الحزبية (يعني هذا منطقي لأنه حزب وحيد) لكن للمصلحة العامة.

والدولة ليست كما في الغرب “شرًا لا بد منه” يجب تنحيته عن الأنشطة الاجتماعية، بل هي “خير لا بد منه” من أجل تحقيق المصالح العامة. وبصرف النظر حتى عن النموذج الاقتصادي (يعترفون أن النظام الاقتصادي في الصين مختلف، يمزج بين الأشكال المختلفة)، فهو مبني على خطط خمسية منذ السبعينيات أو الستينيات حتى، ومسألة الاقتصاد السوقي يكمل الدولة ورأسمالية الدولة، والاشتراكية تمتزج بكل ذلك من أجل بناء البنية التحتية اللازمة للمجتمع والاستجابة لاحتياجات الناس، بدلًا من التفكير في الديمقراطية والاستبداد وما إلى ذلك من مسائل معطلة في وجهة نظرها. أي أن الخلاصة أن المسألة هي “الحكم الرشيد في مقابل الحكم الفاسد”، وليس “الديمقراطية في مقابل الاستبداد”. بالإضافة إلى عنصر ثقافي أشار إليه المشاركون من الصين، هو أن الثقافة الصينية أو النموذج الصيني مبني على مبادئ “كونفوشيوس” بشأن التعاون والتكامل مع الطبيعة والمجتمع، ومبادئ “البوذية” كذلك المتعلقة بالتوازن والاطمئنان الداخلي، بالإضافة إلى العقيدة المركزية التي تستجيب لمطالب الجماهير. ويعني يتحدثون عن حق بأن النموذج الصيني ينتج عن ثقافة متأصلة في شعب عريق، وعلم متأصل. حتى إن محرك البحث للذكاء الاصطناعي الذي تم تطويره من خلال الصين هو مفتوح للجميع، وأكثر فاعلية من المحركات التجارية الغربية، وتم تسميته “البحث العميق “(DeepSeek).

بالإضافة إلى النموذج الصيني والروسي، تم عرض نماذج حضارية أخرى، أو نماذج للهندسة الاجتماعية، من الهند، وإندونيسيا، وأفريقيا، والنموذج التركي المرتبط بالجمهوريات التركمانية المنفرطة عن الاتحاد السوفيتي وكذلك إرث الدولة العثمانية.

خامسًا- الهندسة الاجتماعية والمنظور الحضاري الإسلامي

ما لاحظته من النماذج التي عُرضت في الندوة هي نماذج “أقرب إلى المحلية منها إلى العالمية”، بخلاف “النموذج الحضاري الإسلامي”، المنفتح على الآخرين والقائم على الدعوة وتحسين أحوال الآخرين. ليس تحسين أحوال الصين فقط، ولا الهند فقط، ولا الغرب فقط، ولا روسيا فقط، أو استغلال الآخرين؛ بل بالعكس، هو يستوعب الآخرين، وينطلق من النواة الإسلامية، ومجاله العالم كله وليس العالم الإسلامي (وكل ما ينضم إليه يصبح عالمًا إسلاميًا).

هذا ما أردت الخلوص إليه من هذه الندوة، وهو ضرورة النقد؛ فإذا انتقدنا السيطرة الغربية الأمريكية، ومحاولات فرض عدم الاستقرار والهيمنة وما إلى ذلك، التي تحولت – كما رأينا في منطقتنا العربية والعالم الإسلامي – إلى حروب ونزاعات، وفي العالم كله الذي ليس على شفير الاشتعال بل هو “مشتعل بالفعل” ومرشح لمزيد من الاشتعال في ضوء انهيار النظام الدولي السابق والدخول في “نظام دولي انتقالي” (وهذا يمكن أن يكون مسار حوار آخر). هذا النظام الانتقالي يقوم على أساس محاولة الولايات المتحدة تقليل سرعة انحدارها، أو حتى لا يتم إنهاء السيطرة الأمريكية على النظام الدولي أثناء حكم ترامب مثلًا؛ وبالتالي يحاول الدفع بكل قوة نحو استضعاف دول معينة ومهاجمتها من أجل “ردع” الدول الأخرى، مع الحرص على احترام الدول القوية التي يمكن أن ترد عليه وتؤذيه شخصيًا أو تؤذي بلده.

فإذا عدنا إلى النموذج الحضاري الإسلامي “الاستيعابي” المنفتح على العالم، فإن توصيتي التي أختم بها هذا العرض هي ضرورة الانفتاح أكثر على الفكر أو نماذج الفكر الأخرى، والتفاعل أكثر مع الجامعات الأجنبية، سواء في الغرب أو الشرق؛ لأن النموذج الحضاري الإسلامي له السبق في الكثير. إذ إن التطوير الحديث للنموذج الحضاري الإسلامي، أو تطوير مفهوم “المنظور الحضاري”، بدأ -لِنَقُلْ- في الثمانينيات أو أواخر السبعينيات؛ أي قبل كل هذه النماذج، وقبل أن يفكر الروس مثلًا (منذ عام أو عامين، أو خلال هذا العام) في بلورة نموذج قيمي للحضارة والقومية الروسية. وربما ليس بالضرورة قبل النموذج الصيني والنموذج الهندي (فهو متطور في العلوم الاجتماعية)، لكن النموذج الإسلامي – وأنا منحاز له ولا أنكر انحيازي – هو نموذج “منفتح”، وليس نموذجًا محليًا، ولا يهدف إلى فرض تفوق عنصر ما على عنصر آخر، بل “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”.

فتوصيتي هي محاولة الانفتاح أكثر على كتابة مقالات أكثر باللغات المختلفة، والدخول في ندوات، ودعوة الآخرين. وإن كان تفعيله طبعًا مرتبط بصعوبات وعقبات سياسية عملية، فعلى الأقل “التفعيل الفكري” أو “الانتشار الفكري”، حتى نتجاوز الحوار بين المؤمنين بنفس الفكرة، ونحاول نشر الفكرة والدعوة إليها.

مداخلات الحضور

الدكتور مدحت ماهر:

شكرًا لحضرتك سعادة السفير، كانت “إطلالة لا إطالة”؛ إطلالة جميلة ومثيرة وقصيرة. حقيقةً، لقد انطلقت بي حضرتك من بطرسبرغ وصولًا إلى هذه القاهرة الجميلة، مرورًا بأقاليم مختلفة في قلبها وعلى رأسها الشرق الأوسط بأطيافه وأطواره التي شرحتها حضرتك بشكل مهم جدًا، خاصة داخل دائرة مفهوم “الهندسة الاجتماعية”، أو التي يمكن أن نسميها “الهندسة الاستراتيجية” أكثر لهذه المنطقة.

وصولًا إلى العودة إلى بطرسبرغ وما أثارته من فكرة النماذج المختلفة لرؤية الذات والعالم، بدءًا من الروسي والصيني، ثم النماذج التي أشرت حضرتك لعناوينها (على سبيل العنوان فقط)؛ كالنموذج التركي من قلب أمتنا، والهندي والأفريقي على حواف أمتنا، وفي أمتنا أيضًا وأمتنا فيها. لكي نقف أمام صورة أمتنا، وفي قلبها الشرق (أعني منطقتنا العربية بالخاص). من هذين المنظورين:

  1. هندسة خارجية وممكنة ومتمكنة وفاعلة: ووصلت إلى ذروتها “الترامبية” البشعة الراهنة، وما بعد الاستعمار الجديد (إذا استطعنا أن نسميه كذلك).
  2. المنظور الحضاري: العادل، الجميل، الأصيل، لكنه غير الفاعل حتى الآن، بل “المقاوم” بكل قوة.

وكيف يكون فاعلًا؟ أعتقد أن هذا هو سؤال الحاضر والمستقبل. إن شاء الله حضرتك أشرت في الآخر إلى أن واحدة من فعالياته هو التواصل والاتصال والاشتباك مع النظرات الأخرى في المنتديات واللقاءات المختلفة، بحثًا واستقبالًا.

شكرًا جزيلًا لحضرتك على هذه اللقطة المهمة وزاوية النظر الجميلة، وأعتقد أن الحوار سيكون مثريًا لها إن شاء الله عز وجل أكثر. أنقل الكلمة إلى الحضور لطلبات الكلمة.

تعقيب أ. هشام جعفر:

إن فكرة “الدولة الحضارية” أصبحت أحد المفاهيم الأساسية التي بدأت تستخدم الآن في الجدل الدولي، ونتابع جزءًا منه. وفي كتابي الأخير “عالم ما بعد غزة”، خصصت فصلًا لهذا المفهوم؛ لأن هناك تصاعدًا للأبعاد الثقافية والحضارية التي تتحرك فيها الدول الآن في صراعاتها.

لكن جوهر هذه المفاهيم في الحقيقة “مفاهيم قومية شرسة”، تجد جذورها في الهند، والصين، وروسيا، وكذلك في الولايات المتحدة (وتحديدًا عند ترامب بشكل واضح). وأظن أيضًا أنه منذ عامين أو ثلاثة، وحتى قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، كان هناك حديث عن “بروز الهوية”. وقد ورد ذلك في تقرير “مجمع الاستخبارات الأمريكي” الذي كان يستشرف “التوجهات الأساسية لعام 2040”، وكان من ضمنها مسألة تصاعد الحروب العالمية. وأظن أن ترامب يتحدث عن “الرجل الأبيض”، وعن التحلي بالبعد “المسيحي – اليهودي” في الحضارة أو في المكون الأمريكي، كما يتحدث عن مسألة التخلص مما يطلق عليه “أيديولوجية اليقظة” (Woke Ideology)، أو التوجهات التي كانت تمثل شكلًا من أشكال الانفتاح أو ما يُعرف بمفهوم “ما بعد الليبرالية”.

ما نحتاج أن نلتقطه أيضًا هو مفهوم “الجنوب” وتصاعد حضوره، لكنه يأتي أساسًا في إطار مخاصمة الغرب، أو مخاصمة التاريخ الاستعماري الغربي. والسؤال: هل هو قادر على ذلك؟ لأنه يوجد تنوع في مكونات الجنوب. ومع ذلك توجد توجهات يجب علينا التقاطها؛ مثل ما حدث في حالة جنوب أفريقيا في القضية التي رفعتها فيما يتعلق بالإبادة في غزة. لكن في المقابل، في المنطقة الحقيقة، وربما قبل “الطوفان” – كانت تسيطر مجموعة من التوجهات الأساسية:

  1. “الدولة الوطنية” هي العنصر المحرك الأساسي.
  2. الارتباط بإعادة صياغة اقتصادية، وخاصة في دول الخليج حول مرحلة “ما بعد النفط”.
  3. التحلل من أي أيديولوجيات بشكل أساسي، وبالتالي اعتبار البعد الاقتصادي مكونًا أساسيًا.

أما بعد “الطوفان”، ومع الشعور -إن صح التعبير- بالتهديد الإسرائيلي، والضعف الإيراني (أو ترجيح كفتها كتهديد قليلًا)، أظن أن هناك شكلًا من أشكال تبلور “المحاور الاستراتيجية” التي نحتاج لالتقاطها وفحص مكوناتها. لكن مكوناتها -وأنا أتحدث مثلًا حتى عن تركيا- يتم تقديمها باعتبارها تتحرك وفق مفهوم “الدولة الحضارية”، لكنه ليس وفق المفهوم الإسلامي، بل وفق “القومية التركية”، وهذا أيضًا يوجب علينا القدرة على التمييز الدقيق. أتصور أن هذه المستويات المختلفة من المهم أن نكون واعين بها وقادرين على فهمها. حتى لو قدمنا “منظورًا حضاريًّا”، فإن هذا المنظور الحضاري يأتي في إطار “استرداد قيم إنسانية” أظن أنها كانت حاضرة في الحرب على غزة بشكل كبير؛ فبالتالي هذا مستوى من ضمن المستويات الموجودة بشكل أو بآخر.

الأمر الذي أريد لفت النظر إليه، وهو مستوى مهم واقعيًا في التفكير حيث أعمل حاليًا منذ عدة أشهر على “الجيل زد”Gen Z  أو جيل الشباب وفعله، هو ملاحظة مهمة أحاول رصدها – ولا أسميها تناقضات اتجاهات الرأي العام، وإنما “التركيب” الموجود في الرأي العام – لدى هذا الجيل: هناك حضور لـ “الهوية العربية”، وعلى الوجه المقابل، هناك رغبة في “الهجرة” بنسب معتبرة تصل إلى 30% أو أكثر. وفي الوقت نفسه، تعد القضية الفلسطينية قضية مركزية بالنسبة له.

هنا نجد إعادة صياغة لفكرة “المكان” وفكرة “الهوية”؛ فالهوية ليست مرتبطة بمكان، بل قد تكون مرتبطة بأبعاد البحث عن المعنى أو البحث عن القيمة، لكنه في الوقت نفسه يرغب في الهجرة لأن المكان الذي يتواجد فيه، بالنسبة له كطلب للعيش، مهم بشكل أوضح.

على الوجه المقابل أيضًا -وهو في تصاعد- لدينا ما يمكن أن نطلق عليه “النموذج الغربي” أو الغرب. ولا أظن أن الوحدة الآن -بعد ما حدث جيوسياسيًّا وثقافيًّا في مرحلة الانهيار الغربي- قائمة. ولا أريد أن يُفهم كلامي في إطار أن هذا يعني تصاعدًا (وهو كلام قد يكون تبسيطًا من وجهة نظري) “للإسلامية” أو شيء من هذا القبيل. أعني أن الغرب الآن لا يمكن اعتباره وحدة تحليل سياسيًّا، ولا يمكن ذلك سياسيًّا وقيميًّا بأي حال من الأحوال.

الأجيال الثالثة والرابعة في الغرب تشهد انهيارًا أو تراجعًا كبيرًا لأسباب متعدِّدة لهذا المفهوم في النفوس، وخاصة الأجيال الثالثة والرابعة من المسلمين والعرب بشكل أساسي. وأظن أن هذا مرتبط بأسباب وسياقات قد تكون محل نقاش، وهو ما يضيف لنا، أو يمكن أن يضيف لنا، تساؤلًا حول كيفية أن يصبح هذا المكون جزءًا من مكونات “مفهوم الأمة” بالمعنى الثقافي والاستراتيجي أو الجيوسياسي بشكل ما.

تعقيب د. كريم حسين:

في عنوان المحاضرة “الأمة وأقاليمها: التطبيق على مفهوم الشرق الأوسط”، للأمة وأقاليمها خريطتان، وهذه مسألة مهمة جدًا علينا أن نحاول أن نتأمل فيها:

  1. الخريطة الاستعمارية للعالم الإسلامي: ونحن تابعون لهذه الخريطة، وندخل في أفخاخها التي فيها الحدود المشتعلة، والخلافات ما بين الدول المجاورة، والنعرات الطائفية. هذه الخريطة الاستعمارية ليست معمولة لفكرة “المؤامرة” بالمعنى المثالي، لكن من أجل مصالح الغرب. حتى مفهوم “الشرق الأوسط” هو مفهوم خرج من الجيش الإنجليزي ببساطة؛ وهو له علاقة بالمصالح الإنجليزية أو الاستعمارية.
  2. الخريطة الحضارية: في هذه الخريطة، لدينا “قلب” و”أركان” و”أطراف” (أو مجتمع الأمة، كما أسميها)؛ يمثل القلب العالم العربي. أما الأركان: فهي الدول أو القوى التي كان لها دور مؤثر كبير؛ مثل تركيا، والهند، وقبيلة الهوسا في غرب أفريقيا. في حين أن الأطراف (مجتمع الأمم):فدورهم مهم في حالة الحركة، ويمكن أن نلجأ لهم في أوقات معينة ليكون لهم دور بأقدار معينة، وهكذا.

هذا ما أتخيله لخريطة العالم الإسلامي من الرؤية الحضارية. وعندما نأتي لتطبيقات ذلك، نجد مثلًا في منطقة غرب أفريقيا أو منطقة الصحراء الأفريقية (التي كنت أعيش فيها)، الخريطة الاستعمارية تسميها “الساحل”. والساحل مفروض أنه مربوط بالبحر، لكن ليس هناك بحرًا، هو صحراء فقط. يسمونه “الحزام الصحراوي”، والتقسيم بهذه الطريقة يهدف لمنع امتداد الشعوب (التي غالبيتها مسلمة) مع الامتدادات الطبيعية تجاه البحر.

بينما في التعريف الخاص بالخريطة الحضارية -حتى في المدرسة الدبلوماسية المصرية إلى فترة منذ 20 سنة- دائمًا نقول “الصحراء الأفريقية الإسلامية”. بمعنى أننا نتكلَّم عن منطقة الصحراء التي تربط ما بين الشمال العربي وهذه المنطقة، والتفاعل ما بينها هو تفاعل ثقافي، وحضاري، واقتصادي، وسياسي؛ وهذا أمر مهم جدًّا. هذه المنطقة مربوطة بالقلب (العالم العربي، أو مجازًا الشرق الأوسط).

وخلاصة ما أريد أن أقوله، هو التأكيد على ما قالته الدكتورة نادية مصطفى بأن الأمة قابلة للبعث وللإحياء ما بقت فيها هذه الرؤية الحضارية، التي تحقق المصالح القائمة على تواصل الشعوب وتضامنها، وأنها فعلًا أمة واحدة، وأن تتحد (حتى لو لم يكن الاتحاد بالضرورة سياسيًّا، لكن على المستويات الأخرى التي فيها حياة الناس ومعاشهم والتآزر والتضامن وقت الأزمات). والدليل على ذلك أنه لما حدث “طوفان الأقصى”، خلال السنتين الماضيين تم إنتاج مؤسسات للتضامن باسم الأقصى من إندونيسيا، ودول مختلفة في العالم الإسلامي؛ وهي جزء من فكرة أن هذه الأمة قابلة للبعث على مستويات مختلفة، ولكن ينقصها سياسة وعقل؛ وهذا هو المفروض الذي تقدمه مراكز فكر وخبراء.

تعقيب د. أحمد علي سالم:

يُعد الشرق الأوسط مفهومًا قائمًا على فكرة أولوية الجغرافيا على الثقافة، وهذا مفهوم استعماري وكذا وكذا. لكن الحقيقة، الإشكال يكمن في “طرح البديل”. لكن نحن كجماعة بحثية تنطلق من منظور مختلف عن المنظور السائد في العلاقات الدولية (أو حتى في العلوم الاجتماعية بشكل عام)، ربما نحاول التفكير في بديل.

أدرك أن هذا الطرح ممكن يكون غريبًا، لأن المقصود كان أن نسمي قطعة من الأرض حددها لنا الاستعمار، وكأن المشكلة مشكلة تسمية. لكن لو تكلمنا عن الدول الأساسية في الشرق الأوسط، نحن نتكلم عن منطقة يحدها من الغرب مصر، ومن الشرق إيران، ومن الشمال تركيا، ومن الجنوب اليمن؛ وكل ما في المنتصف يسمى “الشرق الأوسط” (Core Countries)  وهناك امتداد (Extension) للشرق الأوسط في شمال أفريقيا، وفي وسط آسيا، وفي آسيا الجنوبية. لكن الدول التي في المنتصف، لو فكرنا أن نضع لها عنوانًا، ماذا يمكن أن نضع؟

أطرح هذا السؤال لأنني صُدمت أصلًا بعنوان الندوة، لأنها استخدمت تعبير “الشرق الأوسط” الذي كلنا ننتقده. فنحن نعيد إنتاج مفهوم الشرق الأوسط كل مرة نقول فيها “الشرق الأوسط”. من منظور بنائي (Constructivist)، نحن كباحثين نساهم في صناعة تصور الناس عن الواقع. فكلما نقول الشرق الأوسط، نحن نكرسه في ذهنهم. نفس فكرة انتقادنا للمدرسة الواقعية والليبرالية في العلاقات الدولية دون طرح بديل؛ فنحن نكرس في أذهان المتلقي هذه المفاهيم. مدرسة “المنظور الحضاري الإسلامي” بدأت تطرح بديلًا لهذه المدارس الغربية. هل توجد أي أفكار حول مسألة طرح بديل لمصطلح “الشرق الأوسط”؟ أم أن طرح البديل معناه ببساطة أن نرجع للخريطة الحضارية التي ذكرها الدكتور كريم، وألا نتعامل مع الخريطة الاستعمارية المفروضة علينا حتى الآن؟

تعقيب د. ريهام خفاجي:

لفت انتباهي الإشارة إلى النماذج التنموية الحديثة، أو النماذج النهضوية (الروسية أو الهندية) هي نماذج مرتبطة بقوميتها؛ ومن ثم، فإن المنظور الحضاري يعد بديلًا أكثر رحابة واتساعًا. فالمنظور التقليدي السائد يقوم على مركزية الدولة (State-Centric System) فنحن نتحدث عن دول، وبالتالي هذه الدول يُشترط أن تنطلق من قوميتها (التي في بعض الأحيان تتخطى حدودها)، ولكنها لا تستطيع أن تخرج بنماذجها التنموية أو المعنوية خارج هذه الحدود، نظرًا لتنظيم المجتمع الدولي القائم في الوقت الحالي.

وبناءً عليه، فإن اعتبار “المنظور الحضاري الإسلامي” كبديل شيء مهم جدًا، ولكن أعتقد أنه يسهل – في تقديري – استيعابه جدًا فيما يتعلق بالمجتمع؛ فالمجتمعات يسهل أن تندمج في منظور حضاري إسلامي بشكل كبير، ونشر هذه الدرجة من الوعي فيما بينها ومكوناته والتفاعل فيها كما حدث خلال فترة الربيع العربي. ولكن، كيف يمكن للمنظور الحضاري أن يتسق مع النظام الدولي الحالي القائم على التقسيمات الدولية الحدودية؟. أعتقد أن مسألة احترام أو “قدسية الحدود” تقطع أوصال الأمة الإسلامية بشكل مؤلم، ولكن في نفس الوقت كيف يمكن تجاوز هذا الجانب؟ خ على مستوى أن يكون هناك مشروع نهضوي خاصة على مستوى الدول في هذه الحالة أظنه غير واضح.

تعقيب د. حازم علي ماهر:

إن المسألة تتعلق في الأساس “باحتلال المفاهيم”، وهي لا تنحصر في الشرق الأوسط فحسب. فهناك الكثير من مفاهيم -وليس فقط مفاهيم سياسية، بل مفاهيم إعلامية واجتماعية أيضًا- يتم توظيفها سياسيًا واقتصاديًا لمصالح فئة أو دول بعينها؟ والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فقد نشرنا مؤخرًا مادة على موقع حوارات الشريعة “عملة الشريعة”، حيث نجد أن حتى “الاقتصاد الإسلامي” يتم توظيفه لتحقيق كسب رأسمالي. وعلى هذا المنوال يسير مفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، ثم مفهوم “الاتفاقيات الإبراهيمية”؛ إذ يقوم هؤلاء بتحديد مصالحهم السياسية والاقتصادية أولًا، ومن ثم يختارون المفاهيم التي يتم بها الاختراق.

وفيما يخص “مدرسة المنظور الحضاري”، فهي تمتلك البدائل فكريًا ومعرفيًا، وقد قدمت بالفعل بدائل كثيرة، وكذلك الحال بالنسبة لمدرسة “إسلامية المعرفة”. وهنا أستحضر كلام الدكتور عبد المجيد حول “ثنائية النية والاستطاعة”؛ فالنية موجودة لدى المدارس التي تقدم البديل، ولكن السياق الذي تعمل فيه هو سياق مغلق ومحفوف بالمخاطر. ومن الصعب على المدرسة أن تمتلك قدرة على التأثير أكبر مما هي عليه الآن؛ فالسياق لن يسمح لها بذلك، وهي بحد ذاتها تأخذ حيطتها. فالمسألة إذن ليست فكرية بقدر ما هي تتعلق بالسياق السياسي والاجتماعي القائم، أو ما يمكن تسميته بـ “سياسة السياق الفكري”.

تعقيب د. عبد الرحمن رشدان:

بالنسبة لي التجربة الصينية والتجربة الروسية مبنيتان على “فاعل مركزي” وهو الدولة، فالهندسة ممكنة. ولكن الأمة ليس لها فاعل مركزي؛ من ثمّ، لا يمكن التفكير في هندسة اجتماعية للأمة عن طريق فاعل مركزي؛ فهذه نقطة بداية غير موفقة. فإعادة فهم الهندسة الاجتماعية من واقع مجتمعي يأخذ مسارات كثيرة من التوافق والاختلاف إلى الوصول إلى رؤية موحدة.

ولا يعني ذلك التوقف عن العمل البحثي ونقد الواقع، ولكن أخذ الدروس من التجربة الروسية والصينية، والتفكير لمستوى أبعد من الإبداعية من ناحية، ووضع “نظرية للهندسة الاجتماعية”. فسؤالي هل هناك نظرية للهندسة الاجتماعية تتكلم على المستوى الكلي  (الأمة)؟ ولو موجودة، كيف نطبقها؟

تعقيب د. دليلة بن كوسة:

فيما يخص مفهوم الشرق الأوسط (سواء قديمًا أو جديدًا)، هو تكريس للمشروع الصهيوني في المنطقة بطبيعة الحال. الأمر يستدعي إعادة بناء المؤسسات الحضارية الإسلامية، التي تكون فيها الأمة هي الفاعل الاستراتيجي. وأظن أن ذلك يستدعي وعيًا بخطورة المشاريع الغربية، وكذلك بأساليب الصهيونية (ومن بينها السلام العدواني والإقصائية، وخاصة الثقافية الدينية)، بالإضافة إلى السعي الذي يستوجب الاستناد إلى الرهان الروحي للأمة، والذي أعتقد أنه محط انبعاث الأمة والممكن لتساميها عن عوامل الفرقة والانشقاق.

تعقيب أ. ضحى بهاء:

كنت أظن أن مصر دولة عربية إسلامية جزء من العالم العربي الإسلامي، ولكن وجدت أن عددًا كبيرًا من الناس (وخصوصًا التيار اليساري) يتعامل مع مصر على أن لديها أزمة هوية؛ فهل يتم تعريفها الآن على أنها فرعونية، أم عربية، أم إسلامية، أم يتم تعريفها بحسب الفئة الموجه لها الخطاب؟ وهكذا يحدث مع باقي الدول الإسلامية. ومن ثمّ السؤال هنا عن خطاب وأزمة الهوية الراهنة وتأثيرها على عملية الهندسة الاجتماعية.

تعقيب د. مدحت ماهر:

أولًا، نشأ مفهوم “الهندسة الاجتماعية” نشأ تاريخيًا في ظروف النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فهو ابن “الفلسفة الوضعية”. والفلسفة الوضعية كانت تتكلم عن حاجة اسمها “الفيزياء الاجتماعية”؛ وأبو الفلسفة الوضعية (أوجست كونت) هو صاحب نفس التعبير الخاص بالفيزياء الاجتماعية. وهي تصور المجتمعات باعتبارها شيئًا ماديًا قابلًا للتقديم والتأخير والتحريك والتثبيت..، بحيث ننتج المجتمع الذي نريد. وانتقلوا في نهاية القرن إلى “هندسة الإنسان” (التي ذؤابتها كانت في نيتشه). وفي مطلع القرن العشرين، جمع ما بين الاثنين “ماكس فيبر” بشكل واضح قوي. فالدولة، والمجتمع، والإنسان الفرد، وكل ذلك قابل لإعادة التصنيع وفق العلوم الاجتماعية والإنسانية الوضعية الحديثة.

فالمفهوم أصلًا ضارب في الجذور بشكل عكسي -أو متضارب جذريًّا- مع كلمة “منظور حضاري”؛ خاصةً مع كلمة “حضاري” التي لا تفترض أن الإنسان ذلك الكائن المهيمن الذي يقطع في الأرض فيفصل ويوصل كما يشاء، بقدر ما هو “صاحب رسالة” يؤديها، وصاحب دعوة يقدمها، وصاحب منهجية يلتزمها، وليس المخترع صاحب الأغراض الذاتية الذي ينشئ كما يريد ويهدم ويبني كما يريد.

بناءً عليه، فالبديل الإسلامي لمفهوم الهندسة -من المنظور الحضاري- هو ما بين “الدعوة” و”السياسة”. يعني حتى نحن بمفهوم السياسة عندنا مفهوم جميل جدًا ورائق، وهو حتى موصوف به الأنبياء: “كانت تسوسهم الأنبياء”. “تسوسهم” هي ذا المعنى الخاص بالتوجيه والتحريك والقيادة، وطبعًا مفهوم الرعاية والولاية. هذه المفاهيم الأمينة حين تفعل حقيقة، ويقوم الناس بواجباتهم بمسؤوليتهم (بين قوسين: الشرعية المأخوذة من الشريعة) على مستوى الأفراد وعلى مستوى التكوينات الدعوية والتعليمية وما إلى ذلك، تحدث الهندسة بغير هذا المفهوم الهيمني الوضعي المخصوص؛ فالدعوة، والإصلاح، والتجديد أو التجدد الحضاري، هي مفاهيم قابلة لإعادة تغيير الأمة. أما الكيفيات (استراتيجيًّا وسياساتيًّا، وعلى مستوى الخطط والبرامج وما إلى ذلك)، فهذا مما تشترك وتفترق فيه الأمم على مستوى القواعد وعلى مستوى الجزئيات.

تعقيب أ. د. نادية مصطفى:

بدايةً، أتوجه بالشكر لسيادة السفير على هذا الهيكل المتراص والمتراكم في الموضوعات، وعلى هذا الاهتمام بالنقد والمراجعة وتقديم البدائل. وفيما يلي أقدم مجموعة من الملاحظات حول ما سمعته من محاضرة وتعقيبات.

إن مراجعة الذاكرة التاريخية لتوظيف مفهوم الشرق الأوسط سياسيًا أو في الوقت الراهن، تشير إلى أن التركيز غالبًا ما ينصب على التشكيلات السياسية والعسكرية والاقتصادية، أكثر من التركيز على الأبعاد الدينية والقيمية والثقافية. والحال أن هذه الأبعاد الثقافية لم تكن أقل أهمية كأدوات في تنفيذ السياسات الاستعمارية من الأبعاد العسكرية (كالأحلاف والقواعد) أو التبعية الاقتصادية. بل كانت دائمًا – ومنذ ما قبل الاحتلال العسكري – أدوات فعالة في إعادة تشكيل المجتمعات لتصبح أكثر قبولًا للاستعمار وأقل مقاومة له. وبالتالي، هذا هو المحك الرئيسي؛ تفاعل البعد الثقافي مع السياسي والاقتصادي والعسكري في سياسات الدول الاستعمارية.

لقد شهدت الأمة مقاومات دائمة. فقد واجهت الرؤى والتصورات الغربية للشرق الأوسط (عبر النصوص الأكاديمية والسياسات الدولية) مقاومات مستمرة، لكنها ضُربت ولم يُكتب لها النجاح الكامل. كما كانت هناك دائمًا محاولات لمشاريع إصلاح ونهوض وتجدد، ولكنها لم تحقق الاختراق الكافي. والسبب في ذلك – كما ذكر بعضكم – يكمن في أننا نعيش “أزمة هوية عربية إسلامية”؛ ليس فقط في الدول العربية، بل في الدول الإسلامية كافة. فالهوية الإسلامية تتعرض للاحتكاك والاشتباك والتهديد ما بين قوميات، وهويات قطرية، وتاريخية، وفرعية.

ومن الجدير بالذكر أن مصطلح “غير الغربي” في الأدبيات الغربية التي تدعو لدراسة الآخر، يُقصد به الروس والصينيون أساسًا، وليس المسلمين. فعلى سبيل المثال، في آخر كتاب للمفكر “أميتاف أشاريا” (Amitav Acharya) عن التنظير غير الغربي، خصص مساحات واسعة للأقاليم المختلفة، بينما خصص للشرق الأوسط حيزًا يسيرًا؛ فنحن لا نمثل تهديدًا معرفيًا خطيرًا لهم بقدر ما تمثله الصين وروسيا في المنافسة العالمية.

ولكن، كما قيل، فإن “طوفان الأقصى” قد قلب الموازين. وليس الطوفان فحسب، بل سبقه عبر الربع الأول من القرن الحادي والعشرين عدة محاولات للمقاومة اختلفت أشكالها عبر أرجاء العالم الإسلامي.

وهنا أستحضر الملاحظة التي أثارتها الدكتورة ريهام، والتي وضعت يدها على الجرح. لقد ذكر سيادة السفير أهمية البدائل والانفتاح، وذكر الدكتور حازم أن السياقات محبطة ومقيدة، وهذا صحيح. ولكن ما ذكرته الدكتورة ريهام يحيلنا إلى تعريف الدكتورة “منى أبو الفضل” للأمة. الأمة عند الدكتورة منى ليست مجرد “دول”، بل هي “كيان عقدي اجتماعي” يجمع المنتمين لهذه العقيدة. ولهذا الكيان تكوينات متعددة تبدأ من الفرد، والأسرة، والعائلة، والمجتمعات، والجمعيات، والحركات، وصولًا إلى الدول. فإذا لم توجد “دول” (بمعنى دولة الخلافة الجامعة)، فلا يعني هذا أن الأمة غير موجودة. وإذا فُرضت علينا الدولة القومية (والتي نقدتها الدكتورة منى والدكتور أحمد داود أوغلو بوضوح لضررها على حركة الأمة)، فإن الأمة تظل قائمة في إطار الحضارة الجامعة والتنوع. ويظل الصميم والأساس هو “المجتمعات” والناس.

حتى مفهوم “الهندسة الاجتماعية” الذي طرحه سيادة السفير كإعادة توجيه للمجتمعات، بأي أدوات يتم؟ النماذج الروسية والصينية هي نماذج قومية شرسة، تستدعي تقاليد قيمية (كونفوشيوسية أو أرثوذكسية)، ولكنها في صميمها مشاريع قومية استعمارية. فالذاكرة التاريخية لتوسع روسيا والصين تؤكد ذلك. إذن، المجتمعات عندنا هي الأساس، وهذا يستقيم مع الإشارة إلى المتغير الحاضر الغائب في مفهوم الهندسة الاجتماعية، وهو “الأبعاد القيمية الثقافية” التي تواجه النموذج الوضعي مستندةً إلى عناصر القوة المادية.

فيما يتعلق بتسمية المنطقة، أتفق مع ما قيل في أن استخدامنا لمصطلح “الشرق الأوسط” يكرسه. ولكن ماذا نسمي هذه المنطقة؟ هل نستهلك المفاهيم السائدة والمسمومة؟

تاريخيًّا، كانت الشام هي رأس الحربة، وكان لدينا “القلب العربي” وجناحا الأمة في آسيا شرقًا وغربًا. أنا أتصور أننا أمام مشكلة، وأقترح تسميتها “الفضاء الحضاري الإسلامي” بأقاليمه المختلفة. هي أقاليم حضارية لكنها جغرافية بحكم المكان والتاريخ والديموغرافيا (تتنوع من جنوب شرق آسيا إلى شمال أفريقيا)، ولكن يجمعها “رابط واحد” (عقيدة واحدة وخصائص ثقافية وتحديات مشتركة). فلا مانع من الحديث عن “الفضاء الحضاري العربي الإسلامي” بجواره التركي والإيراني، أو “الفضاء الحضاري العربي الآسيوي”، أو “الأفريقي الآسيوي”. هذا هو الواقع الذي نعيشه.

ختامًا، وضعت المحاضرة يدها على مواجع كثيرة. منها السؤال الملح الذي أثاره النقاش هو أننا: نفتقد “الفاعل المركزي”؛ الصين وروسيا دول قوية لها نظم قادرة على وضع استراتيجيات للهندسة الاجتماعية، أما نحن في الفضاء الحضاري العربي الإسلامي فنفتقد “الدولة القائدة”. بل تتنافس قوى مختلفة في أقاليم مختلفة من الأمة؛ تتنافس إندونيسيا وماليزيا، كما تتنافس السعودية ومصر وإيران وتركيا. كما أن التحالفات بين القوى العربية والإسلامية هي “تحالفات تكتيكية وقتية ظرفية” لن تستمر؛ لأنها محكومة بطبيعة النظم (دول وطنية رأسمالية تحكمها المصالح الضيقة)، وليست مصالح الأمة ولا المصالح الشرعية.

لذا، نحن لا نحتاج نماذج فكرية فقط، ولا ننتظر دولة قائدة فقط، بل نحتاج تغييرًا في النظم والمجتمع ينطلق “من الأسفل إلى الأعلى”؛ تغيير مجتمعي، حرية دعوة تقود لتفعيل السياسة، حرية تعليم وتربية، وحرية مجتمع مدني بكل أطيافه الشبابية. هذا هو “الإبداع المطلوب” لتصور كيفية إحداث التغيير.

تعقيب ختامي للسفير/ معتز أحمدين:

أولًا- أتفق حول أهمية “القلب العربي”، فالعربية هي لغة القرآن، وهذا شرف ومكانة. ولكن، ربما لدي حساسية خاصة تجاه حصر المفهوم في إطار جغرافي أو عرقي ضيق قد يجعلنا نشبه نماذج أخرى (كالصين وروسيا والهند). فالحضارة الإسلامية أوسع وأرحب من التركيز الحصري على مجرد “قلب عربي”. ومع ذلك، أتفهم أن هذا التركيز نابع من حقائق المكان والديموغرافيا والتاريخ التي منحت هذا الإقليم أدوارًا مختلفة عبر الزمان. وكما ذكر الدكتور كريم، فإن “القلب” في القرآن له دلالات تتجاوز العقل والفكر لتشمل المشاعر والوجدان والروح؛ وبهذا المعنى، يظل “القلب العربي” مركزيًّا بحكم كونه مهبط الوحي ومنطلق الرسالة، مع التأكيد على سنة “التداول الحضاري” بين الأمم (العرب، ثم الأتراك، وغيرهم) في خدمة الإسلام، بعيدًا عن أي تعصُّب قومي.

ثانيًا- بالنسبة للتناقض بين الحدود والمنظور الحضاري، فإنني لا أجد تناقضًا جوهريًّا. فمفهوم “الغرب” أو “الحضارة الغربية” يضم حدودًا كثيرة جدًّا، ومع ذلك يظل مفهومًا واحدًا. المنظور الحضاري بطبيعته هو “رؤية عابرة للحدود”؛ فهو يتسع ليعبر الحدود السياسية القائمة ويوحد الشعوب ثقافيًا وقيميًا.

ثالثًا- فيما يخص ملاحظة أن السياق الحالي لا يسمح بالتأثير، فإنني كنت أدعو لتوصية بضرورة “الاندماج والحوار” مع الآخرين. لقد لمست في ندوة “سانت بطرسبرج” -التي حضرتها شخصيات مرموقة مثل السفير سلطاني والوزير العراقي الأسبق حسين الشهرستاني (الذي له خبرة كبيرة وتحدث عن دستور المدينة)- أنهم لم يسمعوا بمفهوم “المنظور الحضاري الإسلامي” كما نطرحه، رغم حديثهم عن مضامين متقاربة.

لذا، وفي ضوء العقبات العملية التي تعترض التطبيق السياسي للمنظور، فإن “أضعف الإيمان” هو العمل على نشره فكريًّا بصورة أكثر تفاعلًا مع الجهات الأخرى. نحن نمتلك “عمقًا حضاريًّا ورسوخًا فكريًّا” يفتقده الروس الذين لا يزالون يبحثون عن هُوية منذ عشرين عامًا، ولكننا نفتقد “الانتشار”.

كما أنه في غياب “الفاعل المركزي” (الدولة القائدة أو الخلافة)، الذي يمثل تحديًا، يظل الرهان على “الانتشار الفكري” وعلى التكامل بين “النص” و”المؤسسة” هو المخرج. فالمؤسسة يجب أن تقوم على النص. وفيما يخص “الهندسة الاجتماعية”، ورغم أنها فلسفة وضعية، إلا أن المنظور الحضاري لا يغفلها، بل يعيد صياغتها من خلال مفهوم “السنن الكونية”. فاتباع السنن الإلهية في الاجتماع البشري يقود إلى النتائج المرجوة، ويمكن اعتبار ذلك نوعًا من “الهندسة العكسية” أو “الهندسة السُّننية” التي تهدف لإعمار الأرض واستخلاف الإنسان، وهذا ليس عيبًا بل هو صميم الرسالة.

وأخيرًا، أقول إن قضية الأسماء والمصطلحات هي قضية قديمة ومتجددة. في العصر الحديث، أصبحت كثير من تسمياتنا مجرد أصداء لتعبيرات غربية. حتى مصطلح “فضاء” الذي استخدمته الدكتورة نادية، قد تتحفظ عليه اللغة العربية لما يوحي به من الفراغ، بينما مصطلح “القومية” -بمعناه اللغوي القرآني (يا قوم)- هو مصطلح إيجابي وعادي، والمشكلة تكمن في حمولته الغربية العلمانية أو في تحوله إلى “حَمِيَّة جاهلية”. نحن بحاجة لعمل اصطلاحي جاد (على غرار جهود مركز الدراسات الاصطلاحية في المغرب) لتنقية المفاهيم وتطويرها من منظور حضاري يراعي المستجدات ولا يكتفي بالمعاجم القديمة.


[1] قُدِّمَ المتحدث عرض في المؤتمر حول مفهوم الشرق الأوسط الجديد وتحليله من منظور حضاري، ونُشر على الموقع الإلكتروني للمعهد المُشار إليه.

Mootaz Ahmadein Khalil, The New Middle East: An Analysis from a Civilizational Perspective, «Social Architecture: Theory and Practice of Social Changes Conference», December 5-6, 2025, Saint Petersburg, Saint Petersburg State University Assembly Hall of the School of International Relations, Available at: https://cutt.us/ukBo5

السفير معتز أحمدين

مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى