الأكراد في سوريا تحديات الاندماج والانفصال العابرة للحدود

مقدمة:

تُعدّ المسألة الكردية واحدةً من أكثر قضايا المنطقة تعقيدًا وتشابكًا، بالنظر إلى امتدادها الجغرافي العابر لحدود الدول القُطرية، وتاريخها الصدامي الطويل مع الدولة الوطنية الحديثة، وتقاطعاتها مع مصالح القوى الإقليمية والدولية[1]. يأتي الملف الكردي في سوريا في قلب هذا التعقيد، بوصفه جزءًا من مشهدٍ سياسي واجتماعي أوسع يتجاوز الحدود السورية، ويرتبط مباشرةً بتحولات الإقليم منذ انهيار الدولة العثمانية، مرورًا بتأسيس الدول القُطرية في مرحلة الاستقلال، وصولًا إلى الانفجارات الكبرى التي رافقت العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

لقد شكّلت الدولة السورية الحديثة، منذ تأسيسها، نموذجًا سلطويًا مركزيًا قام على هوية قومية عربية متجانسة، ما أدى إلى تهميش الهويات غير العربية، وفي مقدمتها الهوية الكردية. وأسفرت هذه المقاربة عن سلسلةٍ من السياسات التي عمّقت الفجوة بين الأكراد والدولة، وأنتجت حالةً من الغُبن الجماعي انعكست سلبًا على بنية الاندماج الوطني. غير أن التحولات الجذرية التي رافقت الثورة السورية عام 2011، وما أعقبها من فراغٍ سلطوي في الشمال والشمال الشرقي، فتحت أمام الأكراد فرصةً تاريخية لإعادة بناء مؤسساتهم وتنظيم مجالهم السياسي والعسكري، ما غيّر شكل حضورهم في المشهد السوري.

وانطلاقًا من هذه التحولات، تبرز ثنائية الاندماج والانفصال بوصفها إطارًا تحليليًا قادرًا على مقاربة تعقيدات الحالة الكردية في سوريا. فمن جهة، يتجلّى تطلعٌ كردي ممتد نحو الاعتراف الثقافي والحقوقي داخل دولة سورية جامعة؛ ومن جهةٍ أخرى، تتنامى نزعات انفصالية أو لا مركزية، تُغذّيها عوامل داخلية، وأخرى إقليمية تتصل مباشرةً بالصراع التركي -الكردي، وبالتجربة الفيدرالية لإقليم كردستان العراق، فضلًا عن أدوار الولايات المتحدة وروسيا في شمال سوريا.

وعلى هذا الأساس، يُناقش التقرير مسارات تشكّل الوضع الراهن للأكراد في سوريا منذ عام 2011، وطبيعة التوازنات بين الفاعلين الأكراد أنفسهم، وحدود العلاقة مع الدولة السورية. كما يسعى التقرير إلى الإجابة عن عددٍ من الأسئلة المحورية، من بينها: كيف تؤثر هذه التوازنات في وحدة القرار السياسي الكردي؟ وما أنماط التعايش أو التنافس التي تحكم العلاقة بين الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية من جانب والدولة السورية من جانبٍ آخر؟ وما محددات اندماج الأكراد داخل الدولة السورية وحدوده الواقعية، في ضوء العوامل السياسية والأمنية والقانونية التي تضبط هذا الاندماج أو تُعيقه؟ فضلًا عن ذلك، يبحث التقرير في مسارات الانفصال غير المُعلَن والعابر للحدود، وأشكاله الممكنة دون إعلان دولة مستقلة، ودور القوى الإقليمية والدولية في ترجيح سيناريوهات بعينها، وانعكاس هذه التفاعلات على استقرار سوريا، ووحدة أراضيها، ومستقبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق البلاد.

أولا- الإطار التاريخي لتشكل المسألة الكردية في سوريا:

بادئ ذي بدء، لا يمكن فهم الديناميكيات الراهنة للمسألة الكردية في سوريا دون النظر إلى التكوين الاجتماعي المتنوع للمجتمعات الكردية، وعلاقات الأكراد ببقية المكونات السورية، فضلًا عن تأثرهم التاريخي بالحركات الكردية في تركيا والعراق وإيران. كما لا يمكن قراءة مسارهم السياسي والعسكري بمعزلٍ عن التحولات الكبرى في خريطة الحرب السورية، وبنية التحالفات المتغيرة، والصراع على الموارد الحيوية في مناطق انتشارهم.

تُشير الدراسات إلى أن القضية الكردية في سوريا ظلّت بعيدةً عن التناول الإعلامي وفي البحث الأكاديمي، مقارنةً بالاهتمام الواسع بأكراد تركيا والعراق، وبدرجةٍ أقل إيران. ذلك حتى إن الدراسات الكلاسيكية حول فترة الانتداب الفرنسي والاستقلال السوري غالبًا ما أهملت البعد الكردي[2]. ولم تبدأ الدراسات المتخصصة حول أكراد سوريا في الظهور إلا منذ تسعينيات القرن العشرين، مدفوعةً بتصاعد الاهتمام العالمي بقضايا حقوق الإنسان، كما في تقارير منظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش”، وبصدور الدراسة الرائدة التي أعدها ديفيد مكدول عام 1996. وقد تناولت هذه الأدبيات الأكراد بوصفهم أقلية قومية داخل الدولة السورية، غير أن أحداث القامشلي عام 2004 شكّلت محطةً مفصلية أسهمت في تعميق الاهتمام البحثي بالقضية الكردية، وإنتاج أعمال أكاديمية أكثر تنوعًا[3].

تعاطت الأدبيات الكلاسيكية حول الشرق الأوسط مع الأكراد باعتبارهم جماعات قابلة للاندماج ضمن البيئة العربية، أو بوصفهم فاعلًا هامشيًا لا يؤدي سوى دورًا ثانويًا في تطور سوريا الحديثة، وذلك في ظل غياب حركة سياسية كردية منظَّمة وفاعلة داخل البلاد. وفي بعض المقاربات، جرى اختزال مطالب الهوية الكردية في مطالب نخبوية محدودة النطاق[4]. كما أسهم تركيز هذه الأدبيات على القومية العربية، والصراع العربي -الإسرائيلي، والدور السلطوي للدولة، في إهمال الديناميكيات الاجتماعية والإثنية والدينية، إلى جانب التكوينات الحضرية، رغم هيمنة خطاب رسمي يُقدّم سوريا بوصفها دولة عربية اشتراكية متجانسة[5].

ينطلق هذا المحور من القراءة التاريخية التي قدّمها جوردي تيجيل لمسارات تشكّل المسألة الكردية في سوريا، ولا سيما تحليله لفترة الانتداب الفرنسي وما تلاها بوصفها لحظة تأسيسية في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجموعات الكردية. ولا تُستدعى هذه القراءة على نحوٍ وصفي أو تقريري، بل تُوظَّف إطارًا تحليليًا يُقدّم مجموعةً من المؤشرات التاريخية والمعطيات التفسيرية، التي تساعد في فهم ديناميات الاستمرارية والتحول في موقع الأكراد داخل المجالين السياسي والاجتماعي في سوريا الحديثة، وربطها بإشكاليات الدولة والهوية وأنماط الضبط السياسي[6].

يذهب تيجيل إلى أن الوثائق الإدارية الصادرة خلال فترة الانتداب، إلى جانب المنشورات التي أنتجها الفاعلون الأكراد في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، تكشف أن الأكراد في سوريا لم يُشكّلوا جماعةً متجانسة. فقد اتسم وجودهم بتنوعٍ لغوي وديني وقبلي وحضري، وتعدّدت شبكات انتمائهم، بحيث لم تكن الإثنية دائمًا المحدِّد المركزي للهوية الفردية أو الجماعية. ومن ثمّ، يمكن النظر إلى الإثنية لا بوصفها معطًى ثابتًا أو جوهرًا مغلقًا، بل باعتبارها قابلية للأداء السياسي تتبلور حين تتوافر شروط التنظيم والخطاب والتمثيل. ويرى تيجيل أنه:

“.. لم تكن الإثنية مسألةً مهيمنةً لدى السكان الأكراد قبل قيام الدول الجديدة في الشرق الأوسط، فالانتماء إلى جماعةٍ إثنية لم يكن سوى أحد مكوّنات هويتهم. وقد تذبذبت أهميته خلال عملية إعادة اختراع الهوية، وتكيّفت تبعًا لتقلّبات علاقاتهم مع طيفٍ واسع من الفاعلين. وما يكتسب الأهمية هنا هو شبكات الانتماء الشخصية التي يبنيها الأفراد، إذ لا تُعدّ الشبكة الإثنية سوى واحدة من بين شبكاتٍ عديدة. كما يمكن للفرد أو للجماعة أن يمتلك أكثر من سمةٍ تعريفية، مثل الانتماء المذهبي أو الإثني أو الحضري. لذلك؛ فإن فئات مثل “الإثنية” و”الجماعة” تُنشأ وتُشرعن وتُعاد إنتاجها في سياق معادلة سياسية معقّدة؛ فهي لا توجد بوصفها فئات “أصلانية”، بل بوصفها جماعات في دينامية علائقية. وفي ظروفٍ تاريخية معيّنة، يمكن للهويات الإثنية أو القومية، بل وحتى العابرة للحدود، أن تتقدّم إلى الواجهة وتحدّد الرهانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، غير أن الاستمرارية الزمنية هي التي تكشف، في النهاية، أيّ الهويات هي الأكثر حضورًا داخل جماعةٍ بعينها”[7].

وفي هذا الإطار، لم تتبلور القومية الكردية كمشروعٍ سياسي متماسك إلا مع انتقال أنماط تفكير وتنظيم حديثة إلى الساحة السورية، حملها مثقفون ونشطاء تأثروا بالتجارب القومية خارج الحدود، ولا سيما في تركيا. غير أن هذا التحول ظل محدود الأثر، إذ لم يؤدِّ إلى إعادة تشكيل سريعة للنسيج الاجتماعي الكردي، الذي استمر في استيعاب الخطاب القومي بوصفه أحد أنماط التعبير الممكنة، لا باعتباره الإطار الجامع الوحيد للهوية[8].

يُشدد تيجيل على أن سياسات الانتداب الفرنسي أسهمت في بلورة علاقة ثلاثية الأبعاد بين القوى الأوروبية، والدولة المحلية الناشئة، والأقليات. فقد دفعت الخلافات الفرنسية -التركية حول ترسيم الحدود، إلى جانب المشاريع الاجتماعية والاقتصادية الهادفة إلى تعزيز موقع الجزيرة السورية، دفعت فرنسا إلى توظيف “الورقة الكردية” سياسيًا، ما أفضى إلى انتقال آلاف اللاجئين الأكراد، بمن فيهم ناشطي الحركة الكردية في تركيا، إلى الأراضي السورية. وعلى الرغم من غياب سياسة فرنسية ثابتة ومتماسكة تجاه الأكراد، فإن النخب الكردية الصاعدة -من مثقفين و”روّاد سياسة” وزعماء عشائر- تمكنت من بلورة استراتيجيات أولية لتنظيم الجماعة وصوغ أنماط فعلها. غير أن كلفة هذا التقاطع بين النخب الحداثية والبُنى العشائرية تمثلت في ارتهان المشروع القومي لتضامنات ما دون إثنية، ما أفضى إلى تداخلٍ تدريجي أنتج “هوية جامعة” تتأرجح بين العصبية والانتماء الإثني. وفي المقابل، أسهم توظيف فرنسا للأكراد في تعميق التشظّي القائم؛ إذ دفعت إدارة الانتداب النشاط القومي إلى التمركز في الجزيرة، وتعاملت مع الجيوب الكردية كوحداتٍ منفصلة بلا روابط سياسية، بينما فاقم ضعف البنية التحتية والاتصال بين مناطق الشمال صعوبة تشكّل “فضاء كردي موحّد” أو “جماعة متخيّلة”، ورسّخ بذلك ديناميات الانقسام بدلا من تجاوزها[9].

وفي السياق ذاته، رافق هذا المسار تعميقٌ للانقسامات داخل الجماعات الكردية، واستمرار ضعف البنية التحتية في الإقليم وتفاوت مستويات التنمية بين المناطق الكردية، بما حال دون تشكّل مجال اجتماعي -سياسي كردي موحّد. كما عكست مشاركة النخب الكردية في تحالفات انتقائية مع سلطات الانتداب استمرار تداخل العصبية القبلية بالانتماء الإثني، الأمر الذي أسهم في إنتاج هوية جامعة جزئيًا، أقرب إلى تضامنات ما دون إثنية منها إلى تعبيرٍ متماسك عن مصالح الجماعة الكردية بوصفها جماعة سياسية متخيَّلة. ويُضاف إلى ذلك أن انخراط فاعلين أكراد من سوريا في تمرّد جبل آرارات ضد النظام الكمالي (1927-1931) كشف عن توجّه المطالب القومية الكردية نحو فضاءات كردية عابرة للحدود، ولا سيما في تركيا والعراق، وهو توجّه استمر لاحقًا خلال مرحلة حكم حافظ الأسد، بحكم الطابع العابر للحدود للمسألة الكردية، وإدراك الأكراد في سوريا أن الحدود السياسية كانت -في الممارسة- فضاءات تفاعل وتقاطُع أكثر من كونها خطوط فصل صارمة[10].

ومع مرحلة ما بعد الاستقلال، وتحول سوريا إلى دولة ذات أيديولوجيا قومية عروبية، واجه الأكراد نمطًا جديدًا من الإقصاء، تمثّل في تجريم التعبير الإثني والقومي، وربط الهوية الوطنية بنموذجٍ ثقافي وسياسي أحادي. ونتيجة لذلك، طوّرت الجماعات الكردية استراتيجيات متنوّعة من التكيّف والتخفي للحفاظ على ممارساتها الثقافية والاجتماعية خارج المجال العام. وقد أسهمت سياسات الدولة السورية اللاحقة، من فرض حالة الطوارئ، وتقييد اللغة والتعليم، وتنفيذ مشروع الحزام العربي، وتجريد أعداد كبيرة من الأكراد من الجنسية، في تعميق إدراكهم لذواتهم بوصفهم أقلية قومية داخل الدولة. وتفاعلت هذه السياسات مع تأثيرات إقليمية عابرة للحدود، شملت الصراعات المسلحة في تركيا والعراق، وتأسيس إقليم كردستان العراق عام 1991، ما أضفى على المسألة الكردية في سوريا أبعادًا إقليمية متشابكة، وحوّل الهوية الكردية إلى إطارٍ تفسيري لإدراك الإقصاء وإعادة تعريف العلاقة مع الدولة[11].

خلاصة الأمر، فقد تشكّلت المسألة الكردية في سوريا عبر تفاعل معقّد بين الاستمرارية التاريخية والتحولات البنيوية المصاحبة لنشوء الدولة الحديثة. فبين إرث التنظيم الإمبراطوري العثماني أو ما عُرف بنظام الملل، وسياسات الانتداب، وبناء الدولة السلطوية بعد الاستقلال، أُعيد إنتاج موقع الأكراد بوصفهم جماعة خاضعة للإدارة والضبط أكثر من كونهم فاعلًا سياسيًا معترفًا به، وهو ما يُفسّر حدود الفعل السياسي الكردي التقليدي، ويفتح المجال لتحليل تحوّلاته اللاحقة في السياق السوري المعاصر.

ثانيًا- الوضع الراهن للأكراد في سوريا

يُشكّل الوجود الكردي في سوريا أحد أكثر مكوّنات المشهد السوري تعقيدًا، ليس فقط لامتداده الجغرافي في الشمال والشمال الشرقي، بل أيضًا لتشابكه مع القضايا الإقليمية والدولية. تاريخيًا، عُومل الأكراد في سوريا كجماعةٍ هامشية داخل الدولة الوطنية، حيث قُيدت حقوقهم وهويتهم في مجالات الجنسية واللغة والتنظيم السياسي، ما أسس لعلاقةٍ معقدة مع الدولة قبل عام 2011. وقد أدى هذا التمييز المؤسسي، المدعوم بتوافقٍ إقليمي ضمني، إلى حرمان مئات الآلاف من الوضع القانوني والتمثيل السياسي، كما حدث بعد تعداد 1962 في محافظة الحسكة، حين أصبح حوالي 20% من الأكراد بلا جنسية، ليصل عددهم إلى نحو 300,000 شخص بحلول 2011. وقد برزت حوادث مثل شغب القامشلي في مارس 2004، التي تحولت إلى أعمال عنف عرقية خلفت عشرات القتلى، كإشارة إلى تصاعد المطالب الكردية بالاعتراف بحقوقهم الثقافية واستعادة الجنسية، في سياق شعور متزايد بالإقصاء والفشل الحكومي في تلبية المطالب الشعبية، لا سيما في ضوء التجربة العراقية بعد 2003[12].

قبل عام 2011، لم تكن روجافا أو ما يُشار إليه أحيانًا بكردستان السورية أو “كردستان الغربية”، كيانًا إقليميًا محددًا بقدر ما كانت تصورًا هوياتيًا في الوعي الكردي السوري، مرتبطًا بفكرة “كردستان الغربية” أكثر من ارتباطه بحدود إدارية قائمة. فقد ظل الوجود الكردي موزعًا جغرافيًا وخاضعًا لسياسات الدولة البعثية التي ركزت على العروبة والمركزية، وتعاملت مع المناطق الكردية بوصفها هامشًا أمنيًا حساسًا، ما قيّد التعبير السياسي الكردي المؤسسي، لكنه أسهم في تراكم وعيٍ سياسي متزايد[13]. ومع اندلاع الثورة السورية وما تلاها من حربٍ أهلية، أتاح الانسحاب الجزئي للدولة من الشمال فراغًا سياسيًا وأمنيًا استثمره حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) لبناء بنى حكم محلي تطورت منذ عام 2014 إلى ثلاث كانتونات ذات إدارة ذاتية: الجزيرة (تشمل محافظات الرقة، ودير الزور، والحسكة)، كوباني (مدينة عين العرب التي تُعتبر من حواضر محافظة حلب)، وعفرين (مدينة تتبع محافظة حلب)، رغم انفصالها الجغرافي طويلًا بفعل سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية -داعش” على المناطق الفاصلة.

 وفي مارس 2016، أُعلن عن “فيدرالية شمال سوريا الديمقراطية” بوصفها إطارًا إداريًا جامعًا للمناطق الكردية وبعض المناطق العربية المجاورة، قُدّم رسميًا كصيغة حكم لا مركزي ضمن سوريا موحدة، وإن اكتسب عمليًا طابع “الأمر الواقع” بفعل السيطرة الميدانية وبناء مؤسسات شبه دولتية. ولاحقًا، أُثير جدل واسع مع التخلي عن تسمية “روجافا” أواخر 2016، لما تحمله من حمولة رمزية في المخيال القومي الكردي، الأمر الذي أعاد النقاش حول دقة المصطلحات بين “روجافا” و”كردستان السورية”، بوصفهما توصيفين متداخلين لحيزٍ جغرافي تشكّل تاريخيًا وأُعيد تعريفه سياسيًا مع تحولات الصراع[14].

يتسم الوضع الراهن بأربع سماتٍ رئيسة، هي:

الأولى،تعدُّد الفاعلين الكرد وغير الكرد في مناطق الشمال والشمال الشرقي لسوريا، فعلى الرغم من الهيمنة العسكرية والإدارية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة دوليًا في سياق الحرب على تنظيم داعش، يظل المشهد الكردي في مناطق الشمال والشمال الشرقي من سوريا متعدد الفاعلين سياسيًا وتنظيميًا. ففي قلب هذا المشهد يبرز حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بوصفه القوة السياسية والأيديولوجية الأساسية خلف مشروع الإدارة الذاتية، من خلال تموضعه المركزي داخل حركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM)، وهي مظلة سياسية -مجتمعية تأسست أواخر عام 2011 وتضم، إلى جانب الحزب، شبكةً واسعة من التنظيمات النسوية والشبابية والنقابية والمهنية، بما مكّنها، عبر ارتباطها العضوي بقوات سوريا الديمقراطية، من السيطرة الفعلية على مؤسسات الحكم المحلي والأمن والإدارة المدنية[15].

في المقابل، يُشكّل المجلس الوطني الكردي (ENKS) فاعلًا كرديًا آخر، تأسس في أكتوبر 2011 ويضم نحو سبعة عشر حزبًا، ويعتمد مقاربة حزبية تقليدية ذات توجهات قومية وليبرالية ويسارية معتدلة، مع علاقات إقليمية وثيقة بأحزاب كردية عراقية، ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، إلى جانب انخراطه في أطر المعارضة السورية. غير أن غياب ذراع عسكرية للمجلس وضعف حضوره المؤسساتي داخل مناطق الإدارة الذاتية حدّا من نفوذه الميداني، مقارنةً بالفاعلين المرتبطين بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD). وإلى جانب هذين القطبين، تضم الساحة الكردية شبكةً واسعة من الأحزاب الكردية غير المرخّصة، التي تعود في أصولها إلى الحزب الديمقراطي الكردي السوري (1957)، وسعت تاريخيًا إلى الدفاع عن الحقوق القومية للأكراد وإنهاء سياسات التمييز، مع ارتباطاتٍ متفاوتة بالحركات الكردية في العراق وتركيا، دون أن تتبنى قبل عام 2011 مطلب الدولة المستقلة، مكتفيةً بالمطالبة بالاعتراف الوطني والثقافي، وهو ما يعكس تعددية التمثيل وغياب قيادة كردية مركزية موحّدة في السياق السوري[16].

الثانية، تداخل السيطرة العسكرية الكردية مع فضاءات سكانية عربية واسعة في شرق وشمال شرق سوريا، ولا سيما في دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة، الأمر الذي أفرز بنية حكم هشة قائمة على “تعايش قسري” بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والعشائر العربية المحلية. فعلى الرغم من اعتماد قسد منذ 2015 على مقاربةٍ تحالفية مع بعض الزعامات العشائرية في إطار الحرب على تنظيم داعش، فإن هذه العلاقة سرعان ما اتسمت بالاختلال، بفعل شعور متنامٍ لدى قطاعاتٍ واسعة من العشائر بالتهميش السياسي، والاستحواذ على الموارد، وفرض سياسات أمنية وإدارية تُعدّ غريبة عن البنية الاجتماعية للمنطقة[17]. وقد تجلّى هذا التوتر في موجاتٍ متكررة من الاحتجاجات والاشتباكات، كان أبرزها مواجهات سبتمبر 2023 وأغسطس 2024 في ريف دير الزور، عقب اعتقال قسد لقياداتٍ عربية محلية وشنّها حملات دهم واسعة، ما فجّر تمرّدًا عشائريًا محدودًا سرعان ما حُسم عسكريًا لصالح قسد بدعمٍ مباشر من طيران التحالف الدولي[18].

 غير أن هذه المواجهات، رغم فشلها الميداني، كشفت عن هشاشة شرعية قسد في البيئات العربية، وعن قابلية هذا الصدع المحلي للاستثمار من قِبل النظام السوري السابق وإيران، اللذين حوّلا بعض الفاعلين العشائريين إلى أدوات ضغط منخفضة الكلفة في صراع النفوذ مع الولايات المتحدة. وبذلك، لم تعُد العلاقة بين قسد والعشائر مجرد إشكالٍ محلي، بل غدت أحد مفاتيح عدم الاستقرار البنيوي في شرق الفرات، حيث يتقاطع العامل الإثني مع الصراع على الموارد، كما تتنازع هذه العلاقة مشاريع سلطوية وإقليمية متضادة، تجعل أي صيغة حكم لا تُراعي هذا التنوّع مرشحةً للانفجار في أي لحظة.

الثالثة، غموض العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والكيان الذي أنشأوه -الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا (DAANES)- في شمال وشمال شرق سوريا والدولة السورية، الأمر الذي استمر لأكثر من عقدٍ على نحوٍ شكَّل نمطًا من التعايش القَلِق بين الطرفين، وذلك قبل أن يشهد الأمر تحوّلًا تاريخيًا مع توقيع اتفاق مارس 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي[19]. نص الاتفاق على دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري الجديد ومؤسسات الدولة الأخرى، مؤكدًا على وحدة الأراضي واعتبار المجتمع الكردي جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، وضمان حقوق كافة السوريين في المشاركة السياسية. ومع ذلك، ترك الاتفاق مسألة اللامركزية والفيدرالية، وكذلك تفاصيل اندماج القوات، موضع غموض متعمد، ما يجعل المستقبل السياسي للإدارة الذاتية في شمال شرق الفرات قائمًا على توازن هش بين اللامركزية والسيادة الوطنية، وعلى قدرة دمشق وقسد على تنفيذ البنود دون إخلال بالهوية العسكرية والسياسية للهيئات الكردية، في ظل تدخلات إقليمية ودولية متفاوتة، وتناقض المواقف بين الولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل.

 وبذلك، يمثّل الاتفاق إنجازًا تاريخيًا ومسارًا ممكنًا لتوحيد الدولة السورية، لكنه في الوقت نفسه يترك باب الصدام المستقبلي مفتوحًا حول مستوى الحكم الذاتي، والموارد، والسيطرة على الأراضي، مؤكّدًا أن التعايش بين الأطراف سيظل قائمًا على مزيجٍ من التنسيق الظرفي والضغط الاستراتيجي، أكثر من كونه توافقًا مؤسساتيًا كاملًا[20].

الرابعة، الحضور الكثيف لفاعلين إقليميين ودوليين في معادلة شمال وشمال شرق سوريا، بما يجعل القرار الكردي رهينةً لتوازناتٍ إقليمية ودولية تتجاوز الفاعلين المحليين. ففي هذا السياق، تُمثّل تركيا الفاعل الإقليمي الأكثر تأثيرًا؛ إذ تنظر إلى حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية بوصفهما امتدادًا مباشرًا لحزب العمال الكردستاني، وتسعى عبر أدواتٍ عسكرية وأمنية وسياسية، إلى منع تبلور أي كيان كردي يتمتع بحكمٍ ذاتي مستدام على حدودها الجنوبية.

 في المقابل، تضطلع الولايات المتحدة بدور “الضامن العسكري” لقسد منذ الحرب على تنظيم داعش، غير أن هذا الدور يعكس، في جوهره، نمطًا براجماتيًا أقرب إلى سياسات الانتداب الفرنسي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حين جرى توظيف الأقليات -ومن بينها الأكراد- كأدوات ضغط وموازنة ضمن صراعاتٍ إقليمية أوسع، من دون الارتقاء بها إلى شريكٍ سياسي كامل الحقوق أو توفير ضمانات سيادية طويلة الأمد. وضمن هذا الإطار، تُدار “الورقة الكردية” أمريكيًا باعتبارها موردًا وظيفيًا في إدارة الصراع السوري واحتواء الخصوم، لا مدخلًا لبناء تسوية سياسية مستدامة[21].

 أما روسيا، فتحتفظ بدور الوسيط التكتيكي بين دمشق والإدارة الذاتية، مستثمرةً الملف الكردي كورقةٍ تفاوضية مرنة في مساوماتها الإقليمية والدولية، أكثر من كونه مدخلًا لحل سياسي مستقر. وبهذا المعنى، لا يعكس الحضور الخارجي دعمًا متماسكًا لمشروعٍ كردي جامع، بقدر ما يُعيد إنتاج نمط تاريخي من الارتهان والتشظّي، حيث تُدار المسألة الكردية بوصفها أداة في صراعات القوى الكبرى، لا كقضية حقوق سياسية قابلة للتسوية المستدامة، الأمر الذي يُضعف إمكانية تشكّل قرار كردي مستقل، ويجعل مستقبل الإدارة الذاتية مرتهنًا لتحولات البيئة الدولية بقدر ارتهانه للتوازنات المحلية.

في ضوء هذا السياق التاريخي والسياسي المركّب، لا يُمكن اختزال المجتمع الكردي في سوريا في خطابٍ سياسي أو مشروعٍ سلطوي واحد، ولا سيما ذاك الذي تُروّجه النخب الحزبية والعسكرية المهيمنة على مؤسسات الإدارة الذاتية. فإلى جانب هذه النخب، توجد شرائح اجتماعية واسعة من الأكراد -كما من العرب وبقية المكوّنات- تتبنى مقاربة براجماتية تتركز أولوياتها على تحسين شروط العيش، وضمان الأمن والخدمات، والاستقرار الاقتصادي، أكثر من انخراطها في مشاريع أيديولوجية كبرى، سواء ذات طابع قومي أو فوق -وطني. ويُغذّي هذا التباين بين الخطاب السياسي المعلن، المشبع بحمولات الهوية والحكم الذاتي، وبين الاحتياجات الاجتماعية الفعلية، فجوةً داخلية تحدّ من قدرة أي مشروع سياسي كردي على بناء شرعية اجتماعية عريضة، أو ضمان استدامته من دون تسوية شاملة تُراعي التنوع الإثني والاجتماعي، وتُعيد وصل السياسة بالاقتصاد والحوكمة اليومية.

وبناءً على ذلك، يمكن توصيف الوضع الراهن في شمال وشمال شرق سوريا بوصفه حالة “توازن هش”: فلا اندماج كامل ومستقر داخل الدولة السورية، رغم اتفاق مارس 2025 وما يحمله من وعود بإعادة التوحيد والدمج، ولا انفصال قابل للحياة أو الاعتراف الإقليمي والدولي، في ظل الرفض التركي الصارم، والتوظيف البراجماتي الأمريكي. وبين هذين الخيارين، تتشكل إدارة ذاتية واقعية تعمل ضمن هامش ضيق فرضته موازين القوى المحلية، وتناقضات الحضور العشائري العربي، والضغوط الإقليمية والدولية المتشابكة.

ثالثًا- محددات الاندماج وحدوده العملية

لا يُطرح الاندماج بالنسبة للأكراد في سوريا بوصفه عودة بسيطة إلى ما قبل 2011، بل كمسألة إعادة تعريف للعلاقة بين المركز والأطراف في دولةٍ أنهكها الصراع. في هذا السياق، يمكن القول إن مطلب الاندماج لا ينفصل عن مطلب إعادة بناء الدولة نفسها على أسسٍ مختلفة، أكثر لامركزية واستيعابًا للتعدّد القومي والثقافي. غير أن هذا المسار يصطدم بجملةٍ من المحددات البنيوية التي تضع سقوفًا واضحة لإمكانياته العملية.

أول هذه المحددات هو المحدد السياسي -السيادي، إذ تنظر الدولة السورية إلى أي صيغة حكم ذاتي كردي خارج سيطرتها المباشرة بوصفها مساسًا بوحدة الدولة واحتكارها للسيادة. ورغم الانفتاح الخطابي المحدود على فكرة “الإدارة المحلية”، فإن دمشق لم تُبدِ استعدادًا حقيقيًا للقبول بلامركزية سياسية أو إدارية موسّعة تُتيح تمثيلًا فعليًا للأكراد بوصفهم جماعة قومية لها خصوصيتها، وهو ما يجعل الاندماج المقترح أقرب إلى الاستيعاب القسري منه إلى الشراكة السياسية.

ومن ثم، فإنه رغم الاتجاه المعلن نحو اعتماد نموذج “اللامركزية الإدارية” في عموم المحافظات، فإن هذا التوجه، وفق معطياته العملية، يظل محكومًا بسقفٍ أمني وعسكري مركزي صارم، حيث تُمنح الإدارات المحلية هوامش محدودة في الشأن الخدمي والتنموي وإدارة الموازنات، مقابل بقاء القرار السيادي الحقيقي الأمني والعسكري والسياسيبيد المركز. وفي هذا السياق، لا تُبدي دمشق استعدادًا فعليًا للاعتراف بخصوصية الأكراد بوصفهم جماعة قومية تستحق تمثيلًا سياسيًا وإداريًا وازنًا، بل تسعى إلى تعميم نموذج إداري موحّد يهدف، في جوهره، إلى احتواء النزعات الانفصالية وشراء الوقت تحت ضغط داخلي ودولي متزايد. وهو ما يجعل مسار “الاندماج” المطروح أقرب إلى إعادة إدخال المناطق الخارجة عن السيطرة في بنية الدولة المركزية بصيغة إدارية منضبطة، منه إلى شراكة سياسية تقوم على تقاسم السلطة والاعتراف بالتعددية القومية[22].

ثانيًا، يتمثل المحدد العسكري -الأمني في مسألة حصر السلاح بيد الدولة، ودمج وتوحيد القوى العسكرية ضمن منظومةٍ وطنية جامعة. فقوات سوريا الديمقراطية ليست فاعلًا سياسيًا فحسب، بل تمثّل بنية عسكرية منظمة تتمتع بسيطرةٍ ميدانية فعلية، ما يجعل أي اندماج مستدام مرهونًا بمعالجة موقعها ضمن النظام الأمني الرسمي للدولة. ويزداد الأمر حساسيةً في ظل غياب الثقة المتبادلة، وتخوّف الأكراد من تكرار أنماط الإقصاء السابقة، مقابل إصرار الدولة على حصر استخدام السلاح بيدها وفق المادة 9 -الفقرة الثالثة من الإعلان الدستوري لسنة 2025، التي تحظر على أي فرد أو جهة تشكيل تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية[23].

ثالثًا، يبرز المحدد القانوني والدستوري، باعتباره عاملًا حاسمًا في ملفات الجنسية، والحقوق الثقافية، واستخدام اللغة الكردية، والتمثيل المحلي. فعلى الرغم من الخطوات الجزئية التي اتُّخذت بعد 2011 لمعالجة بعض مظالم الإحصاء الاستثنائي، فإن غياب إطار دستوري شامل يضمن المساواة والاعتراف بالتنوّع القومي قد حدّ من فعالية سياسات الاندماج، وجعلها رهينة للترتيبات الأمنية المؤقتة. ومع ذلك، فإن الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 مارس 2025 يضع أسسًا واضحة لتعزيز الحقوق الثقافية واللغوية، حيث تنص المادة 7، الفقرة الثالثة، على تكفل الدولة بالتنوع الثقافي لجميع مكونات المجتمع السوري، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية لكل السوريين[24].

رابعًا، تلعب البيئة الإقليمية دورًا معقّدًا يحدّ من أي مسار دمج محتمل لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية. فتركيا تعتبر هذا الدمج خطوةً مرتبطة مباشرةً بحل حزب “العمال الكردستاني” ونزع أسلحته داخل حدودها، مؤكدة أن أي تقدم في سوريا يجب أن يكون متوافقًا مع “نداء أوجلان” الذي يشمل جميع الفصائل التابعة للحزب في تركيا وسوريا والعراق وإيران[25]. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى اندماج قسد باعتباره مسألة داخلية سورية فحسب، بل كعنصر حاسم في استراتيجية تركيا الداخلية لتحقيق السلام مع الأكراد، وهو ما يجعل كل خطوة تقوم بها دمشق أو قسد تحت المراقبة والضغط التركي، مع احتمال اللجوء إلى إجراءاتٍ عسكرية إذا لم يتم الالتزام بالشروط التركية.

 بهذا، تتحوّل مسألة الدمج إلى قضيةٍ إقليمية محورية، يوازن فيها كل من دمشق وأكراد سوريا بين مصالحهما وبين الأولويات الأمنية والسياسية لأنقرة، في ظل استمرار دور الوساطة الأمريكية المحدود وعدم وضوح خريطة طريق عملية السلام.

بناءً عليه، يمكن القول إن الاندماج بالنسبة للأكراد في سوريا لا يُفهم كعودة إلى ما قبل 2011، بل كمسألة إعادة تعريف للعلاقة بين المركز والأطراف في دولةٍ أنهكها الصراع. وفي هذا الإطار، يظل الاندماج خيارًا مشروطًا ومحدودًا، أقرب إلى استيعابٍ قسري أو تسوية اضطرارية منه إلى حلٍ استراتيجي طويل الأمد. فغياب الضمانات الدستورية الشاملة، واستمرار معادلة القوة العسكرية الفعلية التي تمثلها قوات سوريا الديمقراطية، وقيود الدولة على اللامركزية، وضغوط البيئة الإقليمية، تجعل من أي مسار دمج هشًا وقابلًا للتآكل، ما لم يُربط بإعادة تأسيس شاملة للعقد السياسي السوري، تأخذ في الاعتبار الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، وتضمن تمثيلهم الفعلي ضمن منظومة الدولة، مع مراعاة التوازنات الإقليمية التي تضع شروطًا صارمة لأي تقدم في هذا الملف.

رابعًا- مخاطر ومسارات الانفصال

لا يُمكن مقاربة مسألة الانفصال في الحالة الكردية السورية بوصفها خيارًا داخليًا خالصًا، إذ إن البعد العابر للحدود يُشكّل عنصرها الحاسم -كما سلف البيان. فالأكراد في سوريا جزء من فضاءٍ كردي إقليمي ممتد عبر تركيا والعراق وإيران بل وحتى الشتات في أوروبا والولايات المتحدة، ما يجعل أي تحوّل في وضعهم السياسي موضع حساسية قصوى لدى دول الجوار. من هنا، فإن النزعة الانفصالية -حتى حين لا تُطرح صراحةً- تظل حاضرةً كهاجسٍ أمني إقليمي أكثر منها مشروعًا سياسيًا سوريًا متكامل الشروط.

يتمثّل أول المسارات المحتملة في الانفصال عبر ترسيخ الأمر الواقع، من خلال استمرار الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وبناء منظومات تعليمية وأمنية واقتصادية شبه مستقلة، بما قد يُفضي تدريجيًا إلى تشكّل كيان فعلي غير مُعلَن. غير أنّ هذا المسار يظل بالغ الهشاشة، لاعتماده على مظلة دولية متقلّبة، ولتعرضه الدائم لضغوط وتدخلات عسكرية إقليمية، في مقدمتها التدخل التركي. فمنذ عام 2016، انتهجت أنقرة مسارًا تصاعديًا من التدخل العسكري المباشر في الشمال السوري، استهدف بصورةٍ أساسية التشكيلات الكردية المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، بوصفها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني وتهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وقد بدأ هذا المسار بعملية “درع الفرات” (أغسطس 2016 -مارس 2017) الهادفة إلى طرد مقاتلي داعش وقطع التواصل الجغرافي بين الكانتونات الكردية، تلتها عملية “غصن الزيتون” (20 يناير -24 مارس 2018) التي أفضت إلى إخراج القوات الكردية من عفرين بالكامل، ثم عملية “نبع السلام” (2019) التي رسّخت منطق “المنطقة الآمنة” وأعادت رسم خرائط السيطرة على طول الشريط الحدودي[26].

 ولم يتوقف التدخل التركي عند هذه العمليات الواسعة، بل استُكمل منذ 2020 بسياسة استنزاف طويلة الأمد، عبر الضربات الجوية والطائرات المسيّرة والاغتيالات المركّزة، وصولًا إلى عملية “المخلب -السيف” في نوفمبر 2022، التي استهدفت مواقع لقوات سوريا الديمقراطية في عين العرب (كوباني) وتل رفعت ومنبج، ثم توسعت لتشمل الحسكة والرقة، في إطار سعي أنقرة لفرض حزام أمني بعمق يتراوح بين 30 و35 كيلومترًا[27]. وقد أسفرت هذه السياسة عن تفكيك المشروع الكردي المتصل جغرافيًا، وتكريس مناطق نفوذ تركية تُدار بصورةٍ غير مباشرة عبر فصائل محلية، فضلًا عن إحداث تحولات ديموغرافية وإدارية جعلت الوجود الكردي، ولا سيما في عفرين، وجودًا هشًا ومهمّشًا بعد أن كان في موقع السيطرة، بما يُقوّض عمليًا قابلية مسار “الانفصال الواقعي” للاستدامة.

المسار الثاني يتمثل في التدويل السياسي للمسألة الكردية في سوريا، عبر محاولة تحويل الحكم الذاتي الكردي إلى قضية تفاوضية في المحافل الدولية. إلا أن هذا الخيار يصطدم بعقباتٍ كبرى على المستوى الدولي؛ فالولايات المتحدة، رغم دعمها العسكري والتحالف مع القوى الكردية في مواجهة تنظيم الدولة، لا تؤيد انفصالًا كرديًا معترفًا به دوليًا، وتعمل على دمج القوات الكردية ضمن البنية العسكرية السورية الجديدة[28]. أما الاتحاد الأوروبي، فيؤكد ضرورة احترام وحدة الأراضي السورية وسيادتها، مع حماية حقوق الأقليات الكردية ضمن إطارٍ سياسي سوري موحد، ويحث على الحوار بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية في دمشق، دون فرض أي حل خارج إرادة السوريين[29]. وبالمثل، تؤكد روسيا أن المسألة الكردية شأن داخلي سوري، وأن أي قرار حول الهياكل الحكومية يجب أن يتم بالاتفاق الوطني، مع الالتزام بوحدة الأراضي السورية وسيادتها، ما يجعل أي انفصالٍ رسمي أمرًا بالغ الكلفة وقليل الاحتمال دوليًا[30].

أما المسار الثالث، والأكثر خطورةً، فيتمثل في ربط المصير الكردي السوري مباشرةً بالتطورات في تركيا أو العراق، سواء عبر التصعيد أو الانكفاء، ما يضع الأكراد في موقع ردّ الفعل على صراعاتٍ لا يملكون السيطرة عليها، ويُحوّلهم إلى ورقة ضغط متبادلة بين القوى الإقليمية. فالتوترات بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، رغم الإعلان الأخير عن نزع السلاح وحل الحزب في مايو 2025[31]، ما زالت تؤثر على شمال وشرق سوريا، إذ يظل احتمال تدخل أنقرة أو الضغط عبر الفصائل المحلية قائمًا، خصوصًا في مناطق شرق الفرات، ما يُقوّض استقلالية الإدارة الذاتية ويحد من قدراتها السياسية والعسكرية. وبالمثل، تؤثر ديناميات العلاقة بين حكومة إقليم كردستان وبغداد على الوضع الكردي السوري، إذ يمكن أن تُستغل كأداة مساومة أو ضغط على دمشق أو على القوى الكردية، بما يزيد من هشاشة أي مسار مستقبلي لتقوية الحكم الذاتي.

وعليه، فإن اعتماد هذا المسار يجعل مصير الأكراد مرتبطًا بتوازنات القوى الإقليمية والتحولات الداخلية للدول المجاورة، ويجعلهم أكثر عرضةً للأزمات المتكررة، سواء من التدخل التركي المباشر أو التغيرات في الموقف العراقي، أو الضغوط الدولية للحد من أي تحركات أحادية قد تُهدد استقرار المنطقة، مما يجعل الاستراتيجية الكردية مرهونةً بعواملٍ خارجية تفوق تأثيرها الداخلي، حتى مع بدء تطبيق اتفاق نزع السلاح بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، الذي يُعطي أملًا بفرصةٍ جديدة لتقليل الحدة العسكرية لكنه يظل مرتبطًا بشروط سياسية وإقليمية معقدة.

خاتمة- مستقبل الأكراد في سوريا

إن دراسة المسألة الكردية في سوريا عبر أبعادها التاريخية والسياسية والأمنية تكشف عن واقعٍ معقّد، حيث تتقاطع المصالح المحلية والإقليمية والدولية، ويظل المجتمع الكردي رهينة لتوازنات دقيقة بين أطرافٍ متعددة. وفي ضوء التحليل السابق، يُمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأكراد في سورية، خاصةً فيما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية:

  • السيناريو الأول: الاندماج الكامل

يقوم هذا السيناريو على إدماج الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية بالكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، بحيث يعمل الأكراد ضمن الحكومة والجيش والإدارات الرسمية نفسها دون هياكل موازية، مع ضمان حقوقهم الثقافية واللغوية ضمن إطار الدولة. ويعتمد نجاح هذا السيناريو ليس فقط على قدرة الدولة على إعادة بناء علاقاتها بالمكونات الكردية من خلال ضمان حقوق المواطنة الكاملة وفتح المجال للمشاركة السياسية، بل أيضًا على استعداد الأكراد أنفسهم للتعاون والعمل ضمن المؤسسات الرسمية، والتخلي عن أي هياكل موازية قد تُضعف هذا التكامل.

 في هذا المسار، لا توجد إدارة مستقلة للأكراد، ويصبح كل القرار السياسي والأمني ضمن صلاحيات الدولة المركزية. ورغم إمكانية هذا الخيار نظريًا، إلا أن تنفيذه يُواجه صعوبات كبيرة بسبب التوترات السياسية، وغياب الثقة الكاملة بين دمشق والإدارة الذاتية، والضغوط الإقليمية، ما يجعل هذا المسار هشًا عمليًا ويحتاج إلى ترتيباتٍ دقيقة لضمان استمراريته.

  • السيناريو الثاني: الانفصال أو ترسيخ الأمر الواقع

يرتكز هذا السيناريو على واقع قائم بالفعل، يتمثل في إدارةٍ ذاتية تُدير مؤسسات سياسية وأمنية وإدارية موازية للدولة السورية، وتفرض شكلًا من أشكال الاستقلال الواقعي دون إعلان رسمي للانفصال. يُوفّر هذا الوضع للأكراد هامشًا واسعًا لإدارة شؤونهم المحلية والثقافية والسياسية، لكنه يظل هشًا بنيويًا، في ظل غياب الاعتراف الدولي، واستمرار الضغوط العسكرية والسياسية من كلٍّ من تركيا ودمشق. وتُظهر تجربة إقليم كردستان العراق بعد استفتاء 2017 كيف يمكن لتدخل الدول المجاورة، ورفض البيئة الإقليمية لأي مسارٍ انفصالي، أن يحوّل مكاسب الأمر الواقع إلى وضع قابل للانكماش والتآكل السريع. وبالمثل، يبقى هذا السيناريو السوري معتمدًا على توازنات خارجية متقلبة، ما يجعله أقرب إلى حالة حكم ذاتي غير مُقنّن، عالق بين توسع محلي محدود وسقف إقليمي ودولي يمنع تحوّله إلى كيانٍ مستقر أو معترف به.

  • السيناريو الثالث: الاندماج الجزئي مع تعزيز الحكم الذاتي

يعكس هذا السيناريو مزيجًا من الخيارين السابقين، حيث يُدمج الأكراد جزئيًا في الدولة السورية، مع الحفاظ على حكمٍ ذاتي موسع في الشؤون المحلية والإدارية والثقافية، بما يتيح لهم إدارة شؤونهم دون المساس بالسيادة الوطنية. ويعتمد نجاح هذا الخيار على ثقةٍ متبادلة بين المركز والمكونات الكردية، وإرادة سياسية حقيقية للتعددية، بالإضافةٍ إلى وضع ضوابط قانونية ودستورية تكفل حقوق الأكراد وتوازن مصالح جميع الأطراف. ويُعتبر هذا الخيار الأكثر واقعية، لأنه يوازن بين مصالح دمشق وطموحات الأكراد ومتطلبات التوازن الإقليمي والدولي، ويحد من النزاعات العسكرية والسياسية المحتملة، مع مراعاة العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل الاستقرار المحلي والخدمات العامة والتعليم والازدهار الاقتصادي، التي تؤثر في قدرة الأكراد على التفاوض والبقاء كفاعلٍ مؤثر في العملية السياسية السورية.

ويُرجح الباحث السيناريو الثالث -الاندماج الجزئي مع حكم ذاتي محدود- لمستقبل الأكراد في سوريا. فهو يعكس طبيعة “التوازن الهش” الراهنة، ويُتيح للأكراد درجةً من الاعتراف والتمثيل داخل الدولة، مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتقليل احتمالات الصدام العسكري والسياسي المباشر مع القوى الإقليمية، وخصوصًا تركيا. كما يوفر هذا المسار الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والاجتماعي على المدى المتوسط، مع مراعاة الديناميات المعقدة للقوى العسكرية والسياسية والاجتماعية، ويوازن بين مصالح دمشق وطموحات الأكراد ومتطلبات البيئة الإقليمية والدولية، ما يجعله الخيار الأكثر واقعيةً وملاءمةً لسير العملية السياسية في شمال وشمال شرق سوريا.


باحث في العلوم السياسية.

[1] ديفيد مكدول، تاريخ الأكراد الحديث، ترجمة: راج آل محمد (بيروت: دار الفارابي، الطبعة الأولى 2004).

[2] Jordi Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society, (London: Routledge, first published 2009), P 1.

[3] انظر:

  • Kerim Yildiz, the Kurds in Syria: The Forgotten People (London: Pluto Press, 2005).
  • Robert Lowe, “The Syrian Kurds: a people discovered”, Middle East Programme, Chatham house, JANUARY 2006.

[4] A. H. HOURANI, Minorities in the Arab world (London: Oxford University Press, 1947), PP. 75-77.

[5] سوى الدراسة الرائدة التي قام بها ميشال سورا، سورية: الدولة المتوحشة، ترجمة: أمل سارة ومارك بيالو، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، الطبعة الأولى 2017).

[6] Jordi Tejel, Ibid, P.2.

[7] Jordi Tejel, Ibid, P.3.

[8] Jordi Tejel, Ibid, P.4.

[9]  Ibid, P.5.

[10]  Ibid, PP. 4-5.

[11] Ibid, P. 7.

[12] هنري لورنس، المشرق العربي في الزمن الأمريكي: من حرب الخليج إلى حرب العراق (القاهرة: دار ميريت، الطبعة الأولى 2005) ص 413.

[13] Ghadi Sary, Kurdish Self-governance in Syria: Survival and Ambition, Chatham House, 15 SEPTEMBER 2016, Available at: https://2u.pw/Vn5jbD.

[14] Thomas Schmidinger, Rojava: Revolution, War and the Future of Syria’s Kurds (London: Pluto Press, 2018), P.2.

[15] Ghadi Sary, Ibid, P.7.

[16] HARRIET ALLSOPP, The Kurds of Syria: Political Parties and Identity in the Middle East (London: I.B.Tauris & Co Ltd, 2015), PP. 28-39.

[17] سلطان الكنج، نهاية «التعايش القسري» بين العشائر العربية و«قسد» في الجزيرة السورية، الشرق الأوسط، 10 يوليو 2025، متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/4VFFv.

[18] فراس فحام، ماذا وراء المواجهات بين العشائر العربية وقسد شرق سوريا؟، الجزيرة نت، 22 أغسطس 2024، متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/ptuRmV.

[19] نص الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الجزيرة نت، 11 مارس 2025، متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/PMPNh.

[20] Gregory Aftandilian, Syria’s Fragile Integration: The SDF Joins the Army but Autonomy Remains Elusive, Arab center Washington dc, 05 November 2025, Available at: https://2u.pw/3fGmto.

[21]  Jordi Tejel, Ibid, P.4.

[22] طارق علي، دمشق نحو إقرار اللامركزية المبسطة؟، اندبندنت عربية، 05 سبتمبر 2025، متاح على الرابط التالي: https://2cm.es/1glVQ

[23] نص الإعلان الدستوري لسوريا 2025، الجزيرة نت، 14 مارس 2025، متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/ZhdG5Q

[24] المرجع السابق.

[25] سعيد عبد الرزاق، دمج «قسد» بالجيش السوري يُعطل مسيرة السلام مع الأكراد في تركيا، الشرق الأوسط، 28 أكتوبر 2025، متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/cIY6Tx

[26] Francesco Siccardi, How Syria Changed Turkey’s Foreign Policy, Carnegie endowment, 14 September 2021, Available at: https://2cm.es/1lfyI

[27] صافيناز محمد أحمد، تركيا والعملية العسكرية “المحتملة” في شمال سوريا.. الفرص والتحديات، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 4 ديسمبر 2022، متاح على الرابط التالي: https://2cm.es/1gm2d

[28] عبد الحميد مكاوي، مبعوث أمريكا: سنقلص وجودنا العسكري في سوريا، رويترز، 03 يونيو 2025، متاح على الرابط التالي: https://2cm.es/1gm6y.

[29] MOTION FOR A RESOLUTION on the need for EU support towards a just transition and reconstruction in Syria, European parliament, 07 Mar 2025, Available at: https://2cm.es/1lfFF.

[30] Russia Reaffirms Stance on Syrian Kurdish Issue, kurdistan24, 07 February 2025, Available at: https://2cm.es/1gm7k.

[31] Ruth Michaelson and Faisal Ali, PKK declares ceasefire with Turkey after more than 40 years of conflict, the guardian, 1 Mar 2025, Available at: https://2cm.es/1gmal.

محمد علي إسماعيل

باحث في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى