د.نادية مصطفي

د.نادية مصطفي ..أزمة وزارة الثقافة أم أزمة الثقافة في الوطن؟ 2

لقد استمعت خلال الأيام الماضية لخطابات المتظاهرين أمام دار الأوبرا, ولخطابات المتضامنين مع المتضررين في وزارة الثقافة, وآخرها ما يسمى “المبادرة الوطنية” التي أطلقها كل من محمد سلماوي وتهاني الجبالي (القاضية في المحكمة الدستورية سابقًا)؛ تضامنًا مع هؤلاء المتضررين ورفضًا لوزير الثقافة الجديد وسياساته, ولقد دُشِّنت هذه المبادرة في مؤتمر صحفي أذاعته قناة “ON TV” على الهواء مباشرةً.

 

وفي هذا الإطار نجد أن التمعن في مفردات هذه الخطابات السيارة يُبرز أمورًا في غاية الدلالة:

الأمر الأول: استعلاء النخب العلمانية واحتكار تحدثها باسم الثقافة في مصر، فهم يتحدثون عن حماية الثقافة في مصر كما يرونها هم, أوكما يأملون أن تكون عليه، إنهم يتحدثون عن الثقافة الوطنية، عن أسس الهوية المصرية.

الأمر الثاني: وهو مرتبط بالأمر الأول؛ حيث يبرز “المفهوم الضيق والقطري للثقافة” وحبسها وتقييدها في حدود مصر، كما لو كانت مصر منغلقة على نفسها وليست منفتحة على فضائها العربي والإسلامي بل والعالمي، ومن ثمَّ الاستعلاء بالمرجعية العلمانية والتغريبية الوضعية الحداثية باعتبارها هي مرجعية الثقافة المصرية.

هذان الأمران في غاية الخطورة لأنهما يأتيان ممن يتهمون آخرين بأنهم يحاولون تغيير الثقافة المصرية, والمتهمون هنا بالطبع هم الإخوان؛ حيث إن  المفردة المستخدمة دائماً هي أخونة وزارة الثقافةكما لو أن وزارة الثقافة تضم إخوانًا سيتم تصعيدهم إلى المناصب القيادية بدلاً من هؤلاء, لكن المقصود بصفةٍ عامة هو “الإسلامية”.

ويُلاحظ في خطابات هذه المبادرة التخبط؛ فقد صدر عنها مفردات عجيبة جدًا وهي: رفض الثقافات الصحراوية الضيقة نسبةً إلى دول الخليج, ومعلوم أن ثقافتهم سلفية وليست ثقافة إخوانية، فهذا خلط بين السلفي والإخواني والإسلامي بصفةٍ عامة، ناسين أو متناسين أن النواة الصلبة للثقافة, ووفق المفهوم العلمي للثقافة هي: “منظومة قيم المجتمع الذي تبرز فيه هذه الثقافة“, وفي مصر بمسلميها ومسيحييها النواة الصلبة لهذه الثقافة هي “الدين”.

الأمر الثالث: وهو أنهم يتحدثون باسم الشعب المصري كله, فمن الذي أعطاهم مثل هذا الحق؟! أفهم أن يدافعوا عن نمط معين من الثقافة الفرعية يجب أن يُحترم, ويجب أن يُعطى لأصحابها فرصة ممارستها طالما أنها لا تخرج عن النظام العام والتقاليد العامة، فكافة أشكال الثقافات الفنية يجب أن تُحترم ولا يتم حظر أياً منها تحت أي سبب من الأسباب, ومن ثمَّ فإن ثقافة الأوبرا هي ثقافة يرتادها البعض ولكنهم قليلون.

وبالرجوع لمفردات الخطابات التي جاءت في الاعتصام أمام دار الأوبرا، جاء فيها رفض للرئيس محمد مرسي ورفض للمرشد, وللاتجاهات الإسلامية الصاعدة كلها, والأخطر هو اتهامها بالظلامية والرجعية, وهي نفس المفردات التي كانت تُستخدم منذ أزل في أدبيات العلمانيين في الحديث عن الحركات الإسلامية خلال نظام مبارك المخلوع, فكلها مفردات عجيبة أدعو كل من يهتم بالحرية, والديمقراطية, والتعددية السياسية, والتعددية الثقافية في مصر أن يقرأ ذلك البيان الذي قرأته د.عايدة نصيف -بلغة عربية ركيكة جدًا لا تميز بين الكاف والقاف- وهي تتحدث عن أزمة الثقافة في مصر التي ستحدث نتيجة للأخونة, متناسية أنها هي نفسها رمز لهذه الأزمة ابتداءً, وهي التي انفصلت عن لغتها العربية, وعن جذور ثقافة هذه الأمة أيًا كانت ديانتها، وكنت أربأ بالأستاذ محمد سلماوي أن يدعها تقرأ هذا البيان, وهو الذي تولى رئاسة “اتحاد الكتاب المصريين” الذي يضم شوامخ وأعلام الأدب المصري الذي عبَّر عن نفسه بلغة عربية لائقة.

 والعجيب أيضًا أن الأستاذ محمد سلماوي يتحدث بصفته رئيسًا لاتحاد الكتاب المصريين وهو شخص واحد, فهل كان لديه تفويض بتمثيل اتحاد الكتاب المصريين في هذه المبادرة؟ والغريب أنه سُئل بهذا الصدد, فأجاب بأن هذه ليست مشكلة فهو يعرف آراء جميع الكتاب المصريين, وذكر بعض أسماء الأدباء المصريين لكنهم جميعًا من العلمانيين, الذين لا ننكر عليهم وطنيتهم وحبهم لبلدهم, لكن ما ننكره أن يدَّعوا أنهم هم وحدهم من يمثِّلون الثقافة في مصر، ولا أريد أن أقول الثقافة المصرية؛ لأن الثقافة في مصر يمثِّلها آخرون من اتجاهات أخرى, لكن حدث وأن مكَّن جمال عبد الناصر القوميين والناصريين واليساريين من أجهزة وزارة الإعلام, والثقافة, والتعليم.

والعجيب في هذا الإطار أيضاً أن الأستاذ محمد سلماوي الذي يتهم من يتهم بالانحياز, والتعصب, والإسهام في تغيير بنية الثقافة المصرية, يعلم جيدًا أن بنية الثقافة المصرية لا تتغير بين يوم وليلة ولا يمكن أن تتغير بتغير أشخاص أو بتغير قيادات في قطاعات فنية في الوزارة، لكن لتغيير الثقافة في مصر يجب أن ينزل المثقفون إلى الناس في الشارع, يجب  أن يحدث تغير إيجابي في منظومة القيم؛ فهذه الهالة المزيفة, وحالة النواح على ما سيصيب الثقافة المصرية من تغيير بعض القيادات, لا محل لها من الإعراب.

وهذا ينقلني إلى النقطة التالية: لقد عدَّد الأستاذ محمد سلماوي أسماء عظماء وزارة الثقافة المصرية من أمثال: ثروت عكاشة, وعبد القادر حاتم, ويوسف السباعي, ولكنه توقف عند هؤلاء القمم, ولم يذكر فاروق حسني ربيب وصنيعة السيدة سوزان مبارك الذي جسم على قلب الثقافة المصرية لمدة عشرين عاماً, وكانوا جميعاً يقتاتوا على موائده, وموائد النظام السابق, وإن ادعوا مساندة الحرية والمطالبة بالديمقراطية، نعم, كانوا يطالبون بحرية وديمقراطية ولكن بدون إسلاميين، وعندما ظهر الإسلاميون لم يعد هناك أي ذكر لفاروق حسني ومساوئه وفساده ومحسوبياته في نطاق وزارة الثقافة، لم يذكر أحد فاروق حسني كما لو كان تاريخ الوزراء في وزارة الثقافة قد وقف عند من قبله، ومن ثمَّ إذا كنا نتحدث بنزاهة وموضوعية, فقد كان من الأجدر أن نذكره أيضًا, ونعترف أنه كان هناك فساد, ورشوة, وتخاذل, وتدهور في حالة الثقافة في مصر في ظل العشرين عامًا الماضية ساهمت فيها عوامل كثيرة ولم تستطع وزارة الثقافة بأجنحتها وقياداتها المختلفة أن تتصدى لها, كما لم تنجح مؤسسات أخرى في الدولة من التصدي لمشكلات كثيرة، فالأمر ليس قاصراً على وزارة الثقافة فقط, فهذه هي الموضوعية والديمقراطية، ألَّا يستعلي فصيل على فصيل، فأنتم استعليتم, وتدَّعون أن الفصيل الآخر يستعلي، فهل تتهمون آخرين باحتكار الثقافة في مصر, وأنتم تحتكرون الثقافة في مصر, لا تنسَ التاريخ القريب وأنت تنوح على ما ستؤول إليه الثقافة في مصر نتيجة تاريخ الإسلاميين الماضوي، فهل الثقافة في مصر يا أ.محمد وفق البيان الذي قرأته د.عايدة نصيف لا يعرف من الرموز إلا الرموز العلمانية: أحمد لطفي السيد وسلامة موسى، و….., كما ذُكر الشيخ عبد الرازق إقحاماً في الموضوع, فهل يعني هذا أن الثقافة في ذهنك هي تلك البعيدة عن الدين، فكيف بربك هذا؟ فهناك الكثير من المثقفين, لكنهم لا يتمسَّكون بهذا اللقب, بالرغم من أنهم من الرموز والأعلام الذين يمارسون تأثيرهم على ثقافة المصريين في كل حين ولحظة, ويمثِّلون مدارس فكرية وسياسية أخرى, إلا أنهم لا يوصفون بهذه الصفة ” المثقف” التي اكسبتموها قداسة مثل قداسة الدين, وخلعتموها على فئة قليلة من الناس؛ ذلك لأن تلك الرموز “ليست علمانية”.

والسئ في هذا الأمر: أن مؤسسات الدولة تفصل بالفعل بين مؤسسات الثقافة, ومؤسسات الثقافة والشئون  الإسلامية, فالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يضم نخبة من المثقفين, والأعلام, والرموز, والمتخصصين في مجالات حضارية عدة يستدعون فيها ما يتصل بالإسلام، إلا أن مؤسسات الثقافة- وخاصةً المجلس الأعلى للثقافة- لا تضم بين دفيتها إلا “العلمانيين” الذين يرفضون حتى العلاقة بين الدين والثقافة في المجتمع وليس فقط العلاقة بين الدين والسياسة في الدولة.

 وبالتالي يجب علينا أن نُعيد قراءة هذه المفردات في الخطابات التي تُبيِّن أن الأزمة ليست أزمة ثقافة, بل أزمة تسييس ثقافة، إننا الآن في مرحلة انتقالية لابد أن تتغير فيها مؤسسات, ومن يمسك بزمامها  منذ عقود طويلة بيروقراطية وجمود, فلابد أن نُدخل دماء جديدة وعقول جديدة في كل المؤسسات وليس في وزارة الثقافة فقط, بل في التعليم, والقضاء, والأمن, والاقتصاد, والإعلام، ولكن كلما اقتربت يد “إسلامية” من تغيير من أجمع الجميع خلال الثورة على أنهم من الفاسدين ويجب تغييرهم وتطهير البلاد منهم, إلا ويتحول التطهير إلى “أخونة” ويتم رفض كل تغييرٍ ممكنٍ في انتظار أن يأتي المهدي المنتظر للعلمانيين ليُحرز بنفسه هذا التغيير الذي يرفضون أن يكون بيد الإسلاميين تحت فزَّاعة أن هذا ضد الحريات, والإبداع, والفن, والديمقراطية, والتسامح, والتعددية, كما لو كنا نعود إلى عصر محاكم التفتيش, وبالفعل جاءت كلمة محاكم التفتيش في هذا البيان الذي قرأته د.عايدة نصيف، وهو بيان علماني صرف شديد الاستعلاء, والفجاجة, والاحتكار, والعنصرية, والمركزية, في وقت لم يعد ممكنًا أن يأتي مثل هذا الخطاب في عقر دار الغرب ذاته الذي أنتج المركزية الغربية والوضعية المادية, فالغربيون الآن يراجعون أنفسهم ويفككون المركزية من داخلهم، فلقد أضحى علمانيو مصر ملكيين أكثر من الملكيين أنفسهم, شفاهم الله وعفاهم مما يسمون به غيرهم, فقبل أن يتلمسوا أي سياسات حقيقية يقومون ولا يقعدون من أجل تغيير أشخاص وليس من أجل تغيير سياسات, فهل الأشخاص مقدسون عندكم؟!

 

أ.د.نادية مصطفى

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة ، ومديرة مركز الحضارة للدراسات السياسية

6/6/2013

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق