د.نادية مصطفي

د.نادية مصطفي…أزمة وزارة الثقافة أم أزمة الثقافة في الوطن؟ 1

وأخيرًا انفجرت أزمة الثقافة والمؤسسات الثقافية بشكل علني منذ أن تمَّ تعيين الدكتور علاء عبد العزيز وزيرًا للثقافة في آخر تعديل وزاري، أقول: انفجرت هذه الأزمة, لكن لا يعني هذا أنها لم تكن موجودة.

إن طبيعة ثقافة المجتمع والأمة, وهوية المجتمع والدولة, تُمثِّل قضايا مطروحة للجدل الساخن والصراع سواء بصورة واضحة أو بصورة مستبطنة, كما أنها مصدر من مصادر الصراعات السياسية والحزبية الجارية على الساحة السياسية المصرية خلال المرحلة الانتقالية، ولعل البداية كانت بعد الاستفتاء الذي تمَّ في 19 مارس 2011, وما ثار من جدل حول هوية الدولة: مدنية كانت أم دينية أو إسلامية أو علمانية أو وطنية, وجميعها أمور اقترنت كما نعرف بالصعود السياسي للإسلاميين مع الثورة، فهذه القضايا ليست جديدة أو مستحدثة على الساحة الفكرية أو الثقافية المصرية بصفةٍ خاصة, أو العربية والإسلامية بصفةٍ عامة, فهي ممتدة منذ أكثر من قرن ولم يتم حسمها نظرًا للصراع المستمر بين الوافد والأصيل.

ولقد انفجرت الأزمة الآن بصورة واضحة؛ لأن الوزير الجديد قد دخل بمشرط جرَّاح واضح وصريح في جسد قيادات هذه المؤسسة الثقافية، وبمعنى آخر فإن عملية الإقالات, وإلغاء الانتدابات المتتالية في قيادات قطاعات عديدة من الوزارة أثارت الصراع حول ” التطهير” و”الأخونة” من جديد، فما أن تمتد الأيدي إلى قيادات قائمة في مكانها منذ عدة سنوات عملت في ظل النظام السابق, وامتد عملها إلى ما بعد الثورة إلا وتثور المقولة التالية: هل هذا تطهير أم أخونة؟كما لو أن “التطهير” و”الأخونة” وجهان لعملة واحدة! وحيث إن المرتفعين بأصواتهم الناقدة دائمًا هم من التيار العلماني الذين يأخذون موقفاً مبدئيًا من الإسلاميين بصفةٍ عامة, ومن الإخوان بصفةٍ خاصة, فما أن يحدث تغيير في مكان ما, إلا وتتصاعد التحذيرات من الأخونة والتحذير من الهيمنة والسيطرة, وينسون أو يتناسون أمراً هاماً ألا وهو:

هل مطالب التغيير في هذه القطاعات كانت قائمة أم لا؟

بل كانت قائمة منذ أن كنا صفًا واحدًا مصطفًا في مواجهة نظام مبارك المخلوع، يتناسون ما كان يُقال عن الفساد, والمحسوبية, وعدم الكفاءة والفاعلية في كثير من القطاعات, وعلى رأسها الثقافة والتعليم والإعلام، وها نحن اليوم 1 يونيه 2013 بعد عدة أيام من انفجار هذه الأزمة, فما الذي دفعني لمناقشة هذه الأزمة؟

       كنت أطالع الصحف فجذبت نظري ثلاثة عناوين فرعية:

الأول: “القوى الناعمة المصرية تحتفي بعلاء الأسواني”, وكان تحت هذا العنوان أسماء لرموز علمانية بالدرجة الأولى (يسارية أو ليبراليةفهل هؤلاء فقط هم القوة الناعمة في مصر؟ هل هؤلاء فقط هم من يحتفي بعلاء الأسواني؟ حتى الاحتفاء بالأدب (وعلاء الأسواني أديب مصري عالمي) أصابه الاستقطاب أيضًا، ألا يوجد بين الإسلاميين من يُقدِّر أعمال علاء الأسواني من حيث محتواها ورمزها؟ أم أن القيم التي يدافع عنها علاء الأسواني أضحت حكرًا للعلمانيين لا يمتد للدفاع عنها الإسلاميين؟ وهل القوة الناعمة فقط هي القوة الناعمة للتيار العلماني؟ هل القوة الناعمة للتيار العلماني هي فقط التي تُقدِّر الثقافة والأدب العالمي؟ أسئلة كثيرة راودتني وأنا أقرأ هذا العنوان المتحيز.

 

الثاني: القضايا التي رفعتها الأستاذة إيناس عبد الدايم ضد إلغاء انتدابها, والاعتصامات المؤيدة التي تجوب أرجاء الأوبرا, وإعلان الأوبرا عن الإضراب عن العمل لمدة ثلاثة أيام, والتضامن من جانب “أوبرا باريس” و”أوبرا براغ” مع العاملين في الأوبرا المصرية والفنانين المصريين.

 ولم أجد في تلك الزوبعة التي أثارها قادة القطاعات الثقافية في وزارة الثقافة ومع من اصطفوا معهم من إعلام الثورة المضادة, ومن رموز العمل الإعلامي الذين يلمزون ويغمزون هنا وهناك دائمًا ضد الإسلاميين بصفةٍ عامة, وضد الإخوان بصفة خاصةٍ، لم أجد إلى جانب هؤلاء نفر من أهل مصر؛ من عامة مصر, وهم المناط الحقيقي للحديث عن الثقافة؛ فالثقافة بمعناها العام هي: أسلوب حياة, هي القيم والمعتقدات في المجتمع، وهي النظرة للذات والنظرة للآخر، هي مجمل الهوية، وهوية المجتمع لا تحددها هوية نخب أو رموز أو قيادات.

فتسائلت: أين الأوبرا من اهتمامات مجمل الشعب المصري واحتياجاته إلى الثقافة؟ أين الأوبرا من مجمل الخدمات الثقافية التي يحتاجها عامة المصريين عصب هذا الشعب؟

في الحقيقة قد يقول البعض إن هناك خدمات ثقافية أخرى متنوعة تلبِّي كافة الاحتياجات، نعم, هناك قصور الثقافة, وفرق الفنون الشعبية وغيرها, حيث يجد كل مصري ما يناسب ذوقه العام في الفنون والآداب, لكني أتحدث عن الروح الثقافية العامة في هذا المجتمع، من الذي كان مسئولاً عنها؟ ألم يكن مسئولاً عنها ذلك القطاع الثقافي والإعلامي الذي لازال قائمًا ومسيطرًا منذ عدة عقود بعلمانيته وتغريبه ورؤاه العُلوية النخبوية؟ لماذا لم تستطع هذه القيادات وهذه القطاعات التي تمكنت وهيمنت على القطاع الثقافي بأوسع معانيه من إعلام مكتوب ومرئي، ومن تأثير في عمليات التربية وعمليات التعليم أن تغير من الثقافة التي يترفعوا عنها الآن ويصفونها بأنها ثقافة شعب يسهل التأثير عليه “بزجاجة زيت وكيس أرز”, ثقافة شعب جاهل فقير يُلعب بعقله باسم الدين. فأين كنتم بإمكانياتكم وأدواتكم لتساعدوا هذا الشعب وتغيروا من ثقافته الجاهلة لتصبح ثقافة واعية متجددة (ليست بالضرورة ثقافة علمانية)؟ أين أنتم من صميم هذا الشعب والعصب الأساسي والنواة الصلدة فيه؟

       إنكم تحاربون طواحين الهواء.

والذين يتباكون على وزير الثقافة الحالي وعلى المذبحة التي أجراها؛ إنما يتباكون على أمر ضيق محدود لا يشعر به إلا سواهم وهم المهددون بأن يفقدوا أماكنهم وقيادتهم وغلبتهم في قطاع ظل يأن طويلاً من عدم نجاح هذه القيادات وربما فسادها أيضًا.

 

الثالث: كتبه عبد الرحمن يوسف تحت عنوان “جرأة النشر في زمن الصحافة الحرام”؛ إشارةً إلى الكتاب الذي كتبه الأستاذ سامي كمال عن رموز الإعلام والصحافة وكيف اغتنوا من الفساد في ظل نظام المخلوع، وها هم الآن يعاودون لعب الدور باسم الثورة لأغراض أخرى, يتناسون أنهم لعبوا أدواراً محدودةً ومرسومةً أيضًا في المعارضة لتجميل صورة النظام السابق, فهم لم يتحملوا ثمن هذا الدور, ولم يضحوا بأي شيء للقيام بهذا الدور, بل ربما قد كسبوا كثيرًا من ورائه.

لا أعرف ما أقول بعد هذا غير أن الثقافة والإعلام من ناحية, والتربية والتعليم من ناحيةٍ أخرى,  إنما هم من أعصاب المجتمع, وعملية التغيير فيهم مطلوبة بشكل دوري سواء كان هذا التغيير بمشرط جرَّاح, أو بأدوية علاجية طويلة المفعول, ويُحسب لوزير الثقافة الجديد د.علاء عبد العزيز- والذي اتهُم أنه لا يعرف ماذا يفعل- أنه كان جرئيًا؛ حيث أدرك أنه لن يستطيع التصدي لما يحدث في هذه المؤسسة إلا بتغيير قيادات ورئاسات من أعلى, إنه يفعل ما لم يفعله غيره في كثير من القطاعات طوال عامين ونصف العام من المرحلة الانتقالية.

 كم طالبنا بالتغيير والتطهير في الإعلام, والأمن, والقضاء, والأجهزة الرقابية, ولم يتم هذا طبعًا دفعة واحدة أو بطريقة سريعة, وظلت التغيرات سواء الجذرية منها في الأشخاص, أو في القواعد المنظمة, تتوالى رويدًا رويدًا على مهل وبتاطئ شديد وعلى نحو مكَّن قوى الثورة المضادة من النظام السابق, وقوى الثورة المضادة لصعود الإسلاميين الذين شاركوا في الثورة, من تنظيم أنفسهم بل والتحالف ليقفوا أمام كل عملية تغيير تتم كانت هي مطلب أساسي في الثورة, لكنهم يقفون أمامها الآن؛ لأنها تتم بيد الإخوان أو بيد الإسلاميين عامةً، فينال عملية التغيير تهمة “الأخونة” أو تهمة “عدم الكفاءة“، فما الذي يحدث؟

يتم إزاحة عبد المجيد محمود من منصبه فتنقلب الأمور رأساً على عقب، والنظر في قانون السلطة القضائية مرفوض تمامًا من قبل السلطة القضائية, وها هي أحكام المحكمة الدستورية تتوالى واحدةً تلو الأخرى تبِّين قدر التسييس الذي أضحى عليه دور هذه المحكمة, وهي قمة جهاز السلطة القضائية وتاجه الذي يتباهون به, فما الذي حدث؟

       إنها المعايير المزدوجة بأكبر معانيها، إنه الانفصال عن قيم الثورة والتغيير والتطهير طالما جاءت بيد الإخوان والإسلاميين, وحتى لو أدى الأمر إلى التحالف مع قوى الثورة المضادة.

 

إذًا كيف سيتم التغيير ومن سيقوم به؟ هل نحن بحاجة لمزيد من التوافق فقط, أم نحن بحاجة إلى يد قوية حازمة, وقرارات حاسمة لا تتوافر إلا لمؤسسة الرئاسة والرئيس المنتخب يقوم بها ليطهِّر كل هذه الأماكن, لا ليخضع لهذه الأصوات المعارضة؛ وإنما ليأتي بالأكفأ والأقدر على إدارة هذه المؤسسات فيما تبقى من هذه المرحلة الانتقالية وليستعيد الشعب ثقته بالثورة وبالرئاسة، فهل يمكن هذا؟ أم ستظل أصوات المعارضة في رفض ما هو قائم أعلى بكثير من صوتها وحركتها لتنظيم نفسها وللمبادرة الإيجابية البنَّاءة؟

لعل الوعي يكون قد عاد للمعارضة، ونحن نرى الآن عمليات تنظيم للقواعد الهيكلية للأحزاب مثل الكرامة والدستور, والمصريين الأحرار، إنهم يلتفتون لأنفسهم لعلهم أدركوا أن المشاركة في العملية السياسية هي الأوجب وليست المقاطعة، لعلهم أدركوا أن الاهتمام بكوادرهم وقواعدهم الانتخابية هو الأجدر بالاهتمام الآن؛ وليس مجرد معارضة من في الحكم أوالحزب الحاكم أو الأغلبية، لعلها تكون بداية انفراجة حقيقية، وسأنتظر وسأراقب ماذا يفعل د.علاء عبد العزيز في قطاع الثقافة, إنها مهمة صعبة فليعنه الله, وليمده ببصيرة ورؤية استراتيجية-إذا لم يكن لديه هذه الرؤية- ويمده بالعقل والحكمة إلى جانب الجرأة والشجاعة؛ فإن الجرأة والشجاعة لا تكفي بمفردها في هذه الحالة من الضبابية والعفونة المتشابكة من جانب من يتهددهم مصير النسيان.

أ.د.نادية مصطفى

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة ، ومديرة مركز الحضارة للدراسات السياسية

2/6/2013

أقرأ أيضًا:  د.نادية مصطفي ..أزمة وزارة الثقافة أم أزمة الثقافة في الوطن؟ 2

           د.نادية مصطفي …أزمة وزارة الثقافة أم أزمة الثقافة في الوطن؟ 3

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق