المنظور الحضاري الإسلامي

مشروع

المنظور الحضاري الإسلامي- تأسيسًا وتأصيلًا- ليس منقطع الصلة بالواقع القائم أو إمكانيات تغييره، فالأكاديمي والمفكر وأصحاب المدرسة قاموا عليه من منطلق احتياجات واقع الأمة والتحديات التي تواجهها فكرًا وعملًا؛ ومن هنا تأتي الواصلة بين المنظور الحضاري وضرورات مشروع حضاري إسلامي؛ انطلاقًا من ضرورات الوصل ما بين الفكر والواقع، والعلم والعمل؛ تطبيقًا لنظرية “العلم النافع للأمة”.

ويُقصد بالمشروع الحضاري الإسلامي عادة: الرؤية والتصور والمخطط الذي يقدمه الإسلام– باستنباط واجتهاد وجهود المسلمين- للإنسانية والأمة الإسلامية من أجل ترسيخ أسسه وقيمه وتحقيق مقاصده وتعاليمه في الأرض، وفي حياة الناس؛ مسلمين وغير مسلمين. وهذا يعني أنه مخطط شامل لمجالات الحياة: الروحية, والمادية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفردية، والثقافية، وفي العلاقات بين الجماعات والدول والأمم، وأن هويته ومرجعيته هي الإسلام عقيدة وشرعة، وأن عماده قيم الإسلام ومقاصد شريعته العليا، بأوسع مفاهيمها التي تستوعب العقل والواقع المعاصريْن، ومجاله الأرض والبشرية، وفي قلبها الأمة الإسلامية… وغايته تجديد الحضارة الإنسانية وفق هداية الرسالة الإسلامية…

ويواجه المشروع الحضاري الإسلامي واقعًا حضاريًّا تهيمن عليه المركزية الغربية، وتدفع باتجاه سيادة مشروعها المادي والحيلولة دون بروز مشروعات حضارية أخرى تنافس هذه الهيمنة الحضارية الغربية، كما يواجه واقعًا إسلاميًّا غير متوائم من حيث التحديات والعقبات والمعوقات التي تأتي من داخل الحالة الإسلامية ومن اختراق الخارج لها.

وقد كان أهم هذه التحديات ما تشهده الأمة الإسلامية من تجزئة وتفرقة، ومن تخلف أمام الآخرين في معظم المجالات، ومن تبعية وفقد الاستقلال والإرادة.. هذا فضلًا عن حالة الازدواجية الفكرية والثقافية الكبرى، بين من يؤمنون بالذات وقدرتها على التجدد الحضاري، ومنها الاستفادة من الغرب، وبين من يدعون لقطيعة تاريخية مع التراث والتاريخ والحضارة الإسلامية، والانطلاق من حيث انتهى الآخرون بفلسفاتهم وقيمهم وليس فقط صناعاتها وأفكارهم العملية. ولهذا فإن المشروع الحضاري الإسلامي يتحرك حركتين في آن واحد: حركة تتعلق بتجديد الذات وإعادة تشييدها فكرًا أو أوضاعًا أو بالأحرى: إزالة معوقات التجدد الحضاري الذاتي، وحركة تتعلق بالتفاعل مع الغير، استفادة واستقلالًا حضاريًّا.

والمستوى الحضاري للمشروع يعني أنه عريض المسار؛ وليس مشروعًا سياسيًّا وحسب منقطعًا عن الاجتماعي أو الديني الروحي، فهو ليس مشروعًا فكريًّا أو نظريًّا أو ثقافيًّا وحسب، بل هو كذلك مع الحركة في المجتمع والسياسة والسوق والعلاقات الخارجية والدبلوماسية وغيرها.. هو مشروع جامع بكل ما في الكلمة من معنى، بل إن الجامعية هي خاصيته الكبرى، وميزته الأساسية، في مقابل صراع الثنائيات الذي تقوم عليه الحضارية الغربية المعاصرة، وتعمل على تصديره وتسويقه عالميًّا؛ ومن ثم يعانيه العالم اليوم.

وكشأن سائر المشروعات العلمية والفكرية التي تتأسس وتنمو ضمن مشروع حضاري أوسع، تأتي قضية العلاقة بين التأصيل الفكري والعلمي من جهة والتفعيل الحركي في سائر المجالات من جهة أخرى، على رأس إشكاليات المشروع ومهامه لإحداث النقلة النوعية في الفكر والواقع. ولقد عبرت خبرة مركز الحضارة على هذا التدرج والجمع بين التأصيل والتفعيل؛ التأصيل لمنظور حضاري، والتفعيل لمشروع حضاري للتغيير.

فالمشروع الحضاري الإسلامي- وخاصة في شقه السياسي- هو فكري بالأساس، وضمن مرحلة “إسلامية المعرفة” ابتداء ثم مرحلة المنظور الحضاري لاحقًا بحثًا عن الأسس النظرية والأصول المعرفية للسياسة في الإسلام، كان التأصيل عنوان الجهود الأولى لمدرسة المنظور الحضاري. وجاءت جهود د. حامد ربيع ود. منى أبو الفضل وغيرهما، وتأسيسات مشروع العلاقات الدولية في الإسلام تؤكد هذه الحقيقة والممارسة: التأصيل أولًا؛ سواء بتجميع جهود التأصيل، أو بالعمل البحثي والعلمي التأصيلي المباشر؛ وإذا كان أصل الإسلام (الكتاب والسنة) متاحًا ومعطاءً في هذا المضمار لكل باحث، فإن التراث الإسلامي الشاسع، والجهود الفقهية والشرعية الحديثة والمعاصرة كانت قناة أساسية وضرورية لهذا التأصيل.

لكن مما يجب الإشارة إليه أن الانتقال من تأصيل الفكر إلى تفعيله في دراسة القضايا الواقعية والإشكالات العملية وصولًا لتأسيس مشروع حضاري للتغيير في الوطن والأمة والعالم؛ لم يكن انتقالًا خطيًّا أو تراتبًا زمنيًّا محضًا، فالتداخل والتقاطع هو أساس العلاقة بين التأصيل والتفعيل، فالدراسات التي تكشف عن أصول الرؤية والمنظور الحضاري في التصور الإسلامي، لا تكتمل إلا بعد اختبارها في الدراسات المتعلقة بقضايا الأمة والدول والجماعات؛ ومن ثم يعود الباحث من مقام التفعيل إلى إعادة النظر والمقارنة بين التأصيلات والتنظيرات لتطويرها أو تصحيحها… وهكذا تتضافر هذه العمليات في تجديد المنظور برمته.

ولهذا سوف يلاحظ القارئ أن كثيرًا من الجهود التأصيلية لم تأتِ منفردة أو منفصلة عن تناول القضايا الواقعية وتفعيل التنظير في البحث؛ فقضايا، مثل بناء المفاهيم، والعلاقات مع الآخر، وحوار الحضارات، والعولمة، والخطاب السياسي، والخطاب الديني والعلمانية والجماعة الوطنية وغيرها… اشتملت على تأصيلات تمهد للتناول المنهجي والبحثي؛ ومن ثم التعامل العملي.

لقد واجهت فلسفة المنظور الحضاري انتقادًا ورفضًا من حيث أسسها المعرفية وأحقية مثل هذا المنظور في الدخول إلى دائرة العلم الاجتماعي الحديث، وأن تكون له نظرته النقدية لأسس وفلسفة هذا العلم في طبعته الوضعية العلمانية الغربية. جاء هذا النقد والرفض بأشكال متنوعة ومن منطلقات مختلفة، على غرار النقد الذي تم توجيهه إلى فكرة “إسلامية المعرفة” (راجع مشروع تقويم إسلامية المعرفة: الجزء الأول من هذا الكتاب).

فعلى سبيل المثال، انتقد بعضهم فلسفة المنظور الحضاري الإسلامي عامة؛ بحجة أنه يستبدل بأحادية العقل الغربي أحادية الشرق أو الإسلام (راجع: ندوة “الحضاري: المفهوم والمنظور في العلوم الاجتماعية”: الجزء الثالث من هذا الكتاب)، ولم يكن هذا النقد في محله إذ قامت جهود التنظير والتأصيل للمنظور الحضاري على أساس “المقارنة” والإصرار على التعاطي أولا مع المنظورات السائدة النابعة من المركز الغربي وأصدائها المدافعة عنها في العالم العربي والإسلامي، بالإضافة إلى الانطلاق من الأصول والتراث الحضاري الإسلامي (راجع: نحو جماعة علمية من منظور حضاري إسلامي: الجزء الثاني من هذا الكتاب)، على نحو ما تؤكد كافة دراسات هذا المشروع.

ومن ناحية أخرى، فمن الجدير بالذكر أن هذه المدرسة العربية الإسلامية كانت سباقة في الإشارة إلى ضرورة تطوير منظورات علمية مقارنة من دوائر حضارية خارج النطاق الغربي المهيمن. فالحديث عن “منظور” أو “منظورات حضارية” ليس مقتصرًا على الدائرة الإسلامية، فلقد شهد العقدان الماضيان تصاعدًا واتساعًا في مراجعة ونقد حالة العلوم الاجتماعية بعامة والعلوم السياسية بخاصة، والدعوة إلى التعددية في المنظورات التي تتنافس على التنظير داخل العلم، وتراعي المعطيات الحضارية المتنوعة، وكذلك الدعوة إلى تفكيك العلاقة بين الحداثة العلمانية وبين العلم الحديث de-secularization of Social Sciences، (راجع: أميرة أبو سمرة، مفهوم العالمية في العلاقات الدولية: دراسة مقارنة في إسهامات نظرية نقدية، رسالة دكتوراه، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2014).

ولكن- وبالرغم من هذه الجهود المتزايدة- وبالرغم من التفاعل مع المنظورات الغربية من قِبل الآخرين، وأن حالة مراجعة العلم فتحت مجالًا للنقاش مع الأنساق المعرفية والمنظورات العلمية المتقابلة؛ إلا أن الانفتاح المتبادل لا يزال ضعيفًا جدًّا.. فالمراجعات الغربية لا تزال عامة ولا تتحاور مباشرة مع تنظيرات وتطبيقات منظور علمي من خلفية حضارية إسلامية، وكذلك كثير من الجهد في المنظور الحضاري يحتاج إلى الحوار المباشر مع المنظورات الأخرى. ولعل في مثل هذه الدراسة ما يساعد على ذلك!

ومنذ قامت الثورات العربية أواخر 2010 ومطالع 2011 وأظهرت ثقل الوزن النسبي للفكر الإسلامي وللحركات ذات المرجعية الإسلامية، والحديث يجري في مصر والأمة عن ماهية المشروع الحضاري الإسلامي (ما هو؟ أين هو؟..الخ). وعلى الرغم من طول العهد بهذا المفهوم والمشروع ومضامينه الفكرية والحركية، وضخامة ما كُتب فيه وكُتب عنه، وما مورس فيه وما تمت مواجهته به، فيبدو أن قطاعًا كبيرًا من المصريين والعرب والمسلمين لا يزال بعيدًا عن فهم ماهية هذا المشروع أو التعرف على أسسه ومقوماته، ومنطلقاته، وغاياته، وأن كثيرًا من الخواص والعوام، من المثقفين والناشطين، لا يعرفون عنه إلا ما يقال عنه من قِبل خصوم أو غير مستوعبين له.

كثرت حول المشروع الحضاري الإسلامي– بسعته وعمقه، وكثرة تفاصيله وتداخلها وتعدد القوى والمجالات المعَّبرة عنه- الأقاويل والمفهومات الخاطئة وغير الدقيقة وخاصة منذ الانقلاب. جرى التعامل معه بمنهج الانطباع لا الاطلاع، والدعاية لا الدراسة، والصراع السياسي لا التناول الفكري. ومع ذلك فثمة قطاع كبير من الناس ومن المثقفين- وبالأخص من الشباب بكل فئاته وتوجهاته- يطرح تساؤلات جادة عن هذا المشروع: حقيقته، وجوده، مضامينه، إشكالياته، أطروحاته المختلفة عن غيره، قدرته على الحضور والتجديد في الواقع السياسي والعام لمصر والأمة، والمنافسة مع الرؤى المحلية والعالمية.

وثمة دوافع ومبررات عديدة للحديث عن المشروع الحضاري اليوم ومحاولة إضاءة بعض جوانبه أمام الناس. لعل في مقدمتها: قضية الذاكرة الحضارية التي يجب تجديدها وإنعاشها في العقل المسلم المعاصر؛ بإيقاظ وعيه عن الأمة ومجالها الحيوي، وتجليات حضورها عبر الزمان (التاريخ) والمكان (العالم). ويرتبط بذلك قضية الهوية؛ التي هي في منظور الحضارة الإسلامية جامعة غير مانعة، مستوعِبة لا مستبعِدة، محّرِرة لا مستعبدة. هوية تتصالح فيها الهويات الفرعية والمتنوعة، بل المختلفة أيضًا، ورغم أنه لا يقوم مجتمع على أقلية ولا على هويات الأقليات، لكن النموذج الحضاري الإسلامي استوعب المِلل والنِحل والأعراق والأجناس بغير تمييز أو عصبية.

المشروع الحضاري الإسلامي اليوم على المحك فيما يتعلق بقضية المرجعية التي اشتبكت مع قضية الديمقراطية في نظم حكم الأمة، وأصبح المطروح– بفعل القوة الغاشمة- ديمقراطية بلا إسلاميين، ديمقراطية تستأصل الإسلامي، ديمقراطية بغير مرجعية الأمة. وواضح ما في هذا من تعارض وتناقض ذاتيين كبيرين؛ إذ المرجعية هي الثقافة السائدة في الأمة، ولاشك أنها ثقافة إسلامية تصورات وقيمًا وأنماط عيش وسلوك، والديمقراطية هي التعبير عن الإرادة السائدة أو الغالبة ومن ثم فلا ديمقراطية حقيقية بغير مرجعية حقيقية، ولا مرجعية حقيقية بغير ديمقراطية حقيقية إلا باعتماد منطق مختلف هو منطق القوة الغاشمة والإكراه والقهر سواء السلطوي أو المعنوي.

يفكك المشروع الحضاري هذه الإشكالية ويقدم فيها مقطوعة من الرؤى تتعلق بقضايا: الجامعية والجماعات الوطنية داخل الأقطار في إطار ارتباطاتها، وامتداداتها في المجال الحيوي للأمة، ومراعاة الخصوصيات الثقافية والديموغرافية والسياسية، والشرعية وعلاقات نظم الحكم بتطلعات الشعوب ومصالحها واحتياجاتها المتجددة، وقضية الفاعلين وبناء استراتيجيات حفظ كيان الأمة، والتنمية المستدامة المتكاملة، واستراتيجيات التعاون والتكامل، وبناء المستقبل.

ويرتبط ذلك بقضية تفعيلية أساسية؛ هي قضية المؤسسية وبناء المؤسسات الفكرية والبحثية والتوعوية والتثقيفية والتنموية وغيرها.

وبداية من المعلوم أن هذا المفهوم وذلك المشروع (الحضاري الإسلامي)، بفكره وحركته، لا يقتصر على قُطر من الأقطار، ولا على تيار فكري معين دون غيره، ولا على فصيل سياسي أو حركي بعينه؛ بل هو مشروع تأسس ونما وتطور بطول الأمة وعرضها، وبتنوع روافد وميادين العمل، وباجتهادات ورؤى غاية في التنوع، ضمن إطار من الثوابت المجمَع عليها التي تمثل هوية هذا المشروع وجوهره الراسخ. وفي إطار التنوع في الوحدة، والوحدة في التنوع تتجلى أهم خصائص وملامح هذا المشروع.

يمكن عرض هذا المشروع من زوايا مختلفة ومداخل متعددة، وكل منها يعطي تصورًا متميزًا يمكن أن يكون وافيًا أو لا يكون كذلك. ومن ثم يجب أولًا رسم خارطة المشروع الكلية، ثم توضيح الغاية من عرضه، وزاوية النظر التي نتبناها، والتي بناء عليها يتبين أن العرض له وعليه.

ومن ناحية أخرى: يعتبر مركز الحضارة للدراسات السياسية واحدًا من المؤسسات التي عنيت بهذاالمشروع الإسلامي الحضاري، وانصبت جهوده العلمية منذ تأسيسه على دراسة أبعاده على أكثر من مستوى: التأسيس، والتنظير، والمنهاجية، تاريخًا، وفكرًا، ومؤسسات وقضايا، وواقعًا. وذلك في إطار من التفاعل مع الخبرات المقارنة العالمية: النظرية والتطبيقية. واشتملت المادة التي توفرت لدى المركز حول المشروع في مادة علمية مكتوبة منشورة بصور مختلفة في إصدارات المركز[1]، ومادة علمية مرئية تمثل فعاليات وتفاعلات مهمة ضمن تفاصيل هذا المشروع.

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن ثمة خبرة مهمة سبقت تأسيس مركز الحضارة وأسهمت في وضع أساسات المنظور الحضاري في العلوم السياسية؛ فكرة ومسيرة؛ ألا وهي خبرة قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة منذ نهاية الستينيات ومطالع السبعينيات. وتعود هذه الخبرة إلى جهود الأستاذين الكبيرين: أ.د. حامد ربيع- رئيس قسم العلوم السياسية والعالم الموسوعي وعمدة التنظير السياسي العربي ومجدد الفكر السياسي الإسلامي في الأكاديميا العربية والمصرية، وكذلك أ.د. منى أبو الفضل– الأستاذة الجليلة التي كشفت عن هذا المستوى من البحث والنظر المتعلق بالمنظورات داخل علم السياسة وأهمية أن يطرح الفكر والتأصيل الإسلامي المتصل بعلم السياسة تصوره ورؤاه حول المنظور العلمي للسياسة من منطلق إسلامي حضاري… وهي صاحبة صك المقولة (المنظور الحضاري في العلوم السياسية)، والذي كللته بمشروع “التأصيل النظري للدراسات الحضارية”- والذي سيلي بيان ذكره في أجزاء هذه الببلوجرافيا- والذي صدر في سبعة أجزاء، وعلى يديها تشكلت نواة مدرسة علمية وبحثية أخذت تتسع وتتوالى أجيالها داخل الأكاديميا المصرية إلى اليوم… فقد نبه الأستاذان إلى أهمية هذا المجال، وإلى مستلزمات تأسيسه وتأصيله، وإلى مقدمات ومقومات في التنظير له وفيه؛ مصادر، ومنهجية، ومداخل، ومفاهيم، وموضوعات أجدر بالتناول.

يقوم مركز الحضارة على أمرين مهمين؛ أولهما: حمل الهمّ وتشكيل الاهتمام، بالتوجه إلى قضايا التأصيل والتجديد العلمي والفكري، وإلى دوائر العناية والرعاية وفي قلبها دائرة الأمة وحضارتها وتجددها الحضاري ومشروعات نهوضها. والأمر الثاني: هو حفظ استمرارية وتراكمية العمل من خلال الإطار المؤسسي والأداء الجماعي، ولاشك أن الاستمرارية هي شرط الفاعلية.

ما يقدمه المركز وبعض من الرموز والدوائر التي هو على اتصال بها، يمثل مستوى ووجها وزاوية من زوايا هذا المشروع الكبير، على المستوى العلمي والفكري دون الحركي، بحكم طبيعته، وطبيعة التخصص، وغاياته وإمكاناته. لا يقلل هذا من قيمة المسارات والقوى الحركية ضمن المشروع الحضاري الإسلامي، والتي تعمل على تحقيقه على الأرض وتطبيقه في واقع الحياة بمختلف مجالاتها، ولكنه يعبر عن الوجه الذي يقوم عليه المركز والتيار الفكر الحضاري الذي ينتمي إليه ضمن آفاق المشروع الحضاري الكبير.

ولاشك أنه لما قامت الثورات في الوطن العربي، تطورت العلاقات بين المسارات النظرية والمسارات العملية، بين الفكري والحركي، بين المنهج والممارسة، وأدرك الجميع أن واحدًا من أسباب فشل التطبيق في هذه الفترة القصيرة الماضية هو الفجوة والمباعدة بين هذين الجناحين؛ ومن ثم فإن درس الثورات هو الوصل، كما أن درس الثورات المضادة هو الحذر من العودة إلى الفصل.

اِقرأ المزيد: مشروع

للتحميل

 اضغط هنا 

ببلوجرافيا في المنظور الحضاري الإسلامي وقضاياه : خبرة مركز الحضارة للدراسات السياسية

للمزيد أضغط