الاستقطاب.. كيف يهدد الحالة الحضارية الثورية

 قال بلال فضل في لقاء شاركت فيه معه وأ.د.محمد المهدي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن الثورة ليست ثورة من كل شعب مصر ولكن هي ثورة الأحرار من شعب مصر. ومن ثم فإن أهل مصر الذين أعنيهم هنا هم أحرار شعب مصر

 

، ممن يعون أهداف الثورة ومطالبها ويتحركون من أجلها، وغيرهم أيضًا ممن يستهدفون الثورة ويعرضونها للخطر إراديًا أو لا إراديًا في أحسن الأحوال.

والطرفان موضعًا لتفكيري في كيفية أحداث التغيير الحضاري وما أضحى يواجهه من قيود نابعة من شعب مصر ذاته: كيف؟

هل نحن شعب مصر: نخبًا وأهالين بحاجة إلى تغيير سياسي أم تغيير حضاري لتحقيق أهداف الثورة؟ وشتان أيضًا بين مطالب الثورة وأهدافها. فالأهداف هي الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. أما المطالب لتحقيق إسقاط النظام، فهي تبدأ أساسًا من إسقاط النظام السياسي السابق بأركانه التي تآكلت في ظلها قواعد وأسس النموذج الحضاري المصري. ولكن يظل تحقيق أهداف الثورة يتطلب العمل من أجل أكثر من ذلك بكثير، وإن كان لابد وأن يرتكن إليه، أي يتطلب العمل لتغيير ما أضحت عليه منظومة قيم المجتمع المصري وليس فقط أبنيته العليا.

وإذا كان نصف القرن الأخير قد وسم هذه المنظومة بما لم يكن فيها، وإذا كانت ثورة ميدان التحرير قد أحيت الأمل من جديد، فإنه ما زال في مصر مخزونًا حضاريًا يكشف عن نفسه في لحظات التغيير الجذرية.

وإذا كان الأسبوعان الأولان من عمر الثورة بدون مبارك، وفي ظل محاكمة بعض من رموز نظامه وفي ظل فورة حماسة شباب مصر وأهلها وأملهم في الحرية، قد شهدا التحذير من التحديات التي تواجه الثورة، إلا أن الأسبوعين الماضيين قد حملا مجموعتين من المؤشرات لابد من النظر إليهما معًا وبدون انفصال فهما وجهان لعملة واحدة ويحملان ما هو أكثر من مجرد التحديات.

 

المجموعة الأولى (وفق أولويتها من وجهة نظري): ألا تعوا يا أهل مصر مخاطر فوضى الحرية والحركات المضادة للثورة؟

في ظل استمرار الغياب الأمني الفاعل على الأرض وفي نفس الوقت الذي يستمر حضور قضية الأمن في خطابات الندوات والفضائيات (وخاصة بعد أحداث جهاز مباحث أمن الدولة – الخميس – الجمعة - السبت التي أعقبت مباشرة استفالة أحمد شفيق)، تتصاعد أعمال ترويع المصريين.

كما تتوالى الاعتصامات والمظاهرات في كافة قطاعات الدولة، ثم امتدادها لتصبح طائفية وليس مجرد فئوية (بعد جريمة كنيسة اطفيح وأحداث منشية ناصر)، في ظل انتشار التخويف من ظاهرة البلطجة بكافة مستوياتها (ابتداء من الاستيلاء على الأراضي والممتلكات، وإغلاق الطرق، ومهاجمة اتوبيسات المدارس...)، وفي ظل تصدع قيم وقواعد العمل بين الرؤساء والمرؤوسين على كافة المستويات على نحو دفع بالبعض للتحذير من تفكك المؤسسات الكبرى الوطنية، حيث تحولت المطالب بالتغيير تعبيرًا عن الحرية إلى فوضى المطالب تعبيرًا عن غياب "السلطة الرشيدة والمحترمة"، بل تعبيرًا عن عدم احترام "السلطة" على إطلاقها، ودون تمييز بين سلطة فاسدين سياسيًا ماليًا ارتبطوا بالحزب الوطني وظلوا في أماكنهم أو كانت سلطة شرفاء سياسيًا وماليًا، ودون تمييز أيضًا بين مطالب يمكن تحقيقها فورًا وبين مطالب آجله ودون تمييز بين أساليب التغيير الغوغائية وأساليب التعبير السلمية...

 

وإذا كان البعض، خلال الأسبوعين الأولين بعد سقوط مبارك (11 من فبراير - 25 من فبراير) قد رأوا في هذا الوضع، تحركًا مضادًا للثورة مبعثه بقايا نظام مبارك (ولأ أقول النظام السابق لآن ما زالت أركانه قائمة)، وإذا كان تحذير البعض من خطورة هذا الوضع قد اعتبر منذ أسبوعين من العلامات الكامنة عن معارضة الثورة، إلا أن التحذير الآن من هذه المؤشرات، لابد وأن يصدر من أصحاب الثورة ذاتها ومن داخلها مؤكدين مخاطر الثورة المضادة ومخاطر القابلية لها من جانب بعض من ناس مصر.

إذن في ظل هذه الحالة من الاختلال الأمني وعدم الاستقرار المجتمعي المتنامية الظهور من حيث الاتساع والعمق، يبرز التساؤل هل يرجع هذا إلى غياب الجهاز الأمني الرشيد في الشارع ومن ثم غياب "القانون" في الشارع حيث سقطت هيبة الدولة حين سقط رأس النظام السابق وذراعة اليمنى أي الجهاز الأمني، أم أن هذه المرحلة المائجة بثورة المطالب والآمال قد أخرجت من المصريين، أو من قطاع منهم، كل ما تبقى لديهم من مخزون القيم السلبية: الأنانية والأثره في ظل ضغوط الحياة المتزايدة نتيجة الأوضاع الاقتصادية؟ أم أن الجيش قد تباطأ في اتخاذ إجراءات حاسمة منذ البداية، كان من الممكن أن تحول دون كثير من هذه الملامح، إجراءات من قبيل تغيرات فوقية في القيادات سواء على مستوى الوزارة، المحافظين، رؤساء أجهزة الإعلام، قطاعات البنوك، الجامعات والأهم تغيير جذري وسريع في الجهاز الأمني، على اعتبار أن ذلك كان مطلب جمعة التطهير.

أن هذه المجموعة الأولى من المؤشرات من ناحية ومن الأسئلة حول أسبابها من ناحية أخرى قد دفعت إلى تصاعد التحذير من أن ما يجري على أرض مصر لم يعد تفكيكًا للنظام السياسي السابق. ولكن أضحى يهدد أركان الدولة المصرية، بل ويهدد أركان المجتمع المصري ذاته بالتفكيك نتيجة فوضى الحرية من ناحية والتي اختلطت بترويع البلطجية المحسوبين على بقايا النظام الجديد. ولقد زاد من خطورة هذا الوضع على الصعيد المجتمعي والمدني والشعبي، تفجر مطالب طائفية بصورة غير مسبوقة وغير متوازنة مع طبيعة الواقعة التي فجرتها وبالنظر إلى توقيتها وتزامنها مع بداية الحوار حول التعديلات الدستورية (كما سنرى لاحقًا).

ومن ثم تدفع هذه المؤشرات للقول أن مواجهتها –الآنية- إنما تتطلب التفاعل الفوري والمتزامن مع الأبعاد الثلاثة التالية: عودة سريعة وقوية للجهاز الأمني، قيادات جديدة في القطاعات الهامة يثق بها الناس وتكون قادرة على الالتحام معهم بأساليب غير تقليدية، تحرك أقوى للجيش وأسرع لتوسيع رقعة محاكمة رموز الفساد السياسي والمالي، ولضبط "الشارع المصري" من البلطجة الإجرامية والبلطجة السياسية، وأخيرًا دعوة أصحاب المطالب الفئوية إلى العودة للإنتاج وانضباط العمل مع الاعتراف بمشروعية مطالبهم والتخطيط لتحقيقها.

ولقد مثلت مبادرة د.عصام شرف رئيس الوزراء بالاجتماع علنًا وجزء من وزارته مع الجلس الأعلى للقوات المسلحة (3 من شهر مارس)، مثلت نقلة مهمة حملت رسالة مهمة أفصح عنها البيان الذي صدر عن الاجتماع، كما أفصح عنها حديث لرئيس الوزراء. فالبيان ترجم مطالب نخب عديدة بتحرك أكثر حسمًا وسرعة، حيث نص على مشروعية استخدام المواطنين للقوة لحماية أنفسهم والمنشآت وتشديد العقوبات على البلطجية. وفي نفس الوقت أفصح رئيس الوزراء بصراحة ووضوح عن أمرين من ناحية: إن هناك ثورة مضادة ممنهجة ومنظمة ولابد من مواجهتها بقوة حتى يتحقق الأمن الذي هو وسيلة وليس غاية في ذاته، وسيلة لتحقيق الاستقرار والإنتاج، وهما هدف حكومته التي أسماها حكومة الثوار، ومن ناحية أخرى أفصح عصام شرف عن مخاطر انتشار الفتنة الطائفية. وذلك في وقت استمر اعتصام مئات الأقباط أمام ماسبيرو، الذين لم ينفع معظمهم كل ما بذله عصام شرف بنفسه والقادة العسكريون والرموز الإسلامية والمسيحية، ناهيك عن تعهدات الجيش الواضحة.

وإذا كان ميدان التحرير قد تم إخلائه بسرعة وحسم يوم الأربعاء 9 مارس، دون ردود فعل سلبية من المصريين وإذا كانت الجامعات قد شهدت مع بداية الدراسة (5/3/2011) اعتصامات ومظاهرات ضد رؤساء الجامعات وعمداء بعض الكليات، ولم يتم الاستجابة إلى مطالب الطلاب مع دعوتهم للانتظام في العملية التعليمية واستمرار تقديم مطالبهم، فيبقى الانتظار لنشهد تفعيل مضمون بيان مجلس الوزراء على مستويات أخرى وخاصة بعد توالي نزول الأمن إلى شوارع القاهرة والإعلان المتتالي عن التحقيقات. فهل ستكون مصر مع جمعة الوحدة الوطنية وما بعدها أمام ملامح حالة أمنية جديدة؟ وكذلك حالة مجتمعية ترشد مطالب الثورة سعيًا نحو الاستقرار والإنتاج تفاديًا لانتكاسة اقتصادية ومجتمعية تطيح بالأخضر واليابس؟

 

المجموعة الثانية: ألم تعتبروا يا نخب مصر أن السياسة من أعلى فقط لا تكفي وأن في العودة للاستقطاب الفكري والسياسي الإقصائي خطورة على الثورة:

 

إذا كانت الحالة الأمنية وحالة الاعتصامات والمظاهرات والمطالب الفئوية والطائفية المستمرة كانت موضوع المجموعة الأولى من المؤشرات وحيث كان "أهل مصر" هم الفاعلون المتحركون، فإن المجموعة الثانية من المؤشرات تتجلى حول مجال أساسي حظى باهتمام الجميع وكان الفاعلون (بأكثر من آلية ووسيط وعلى أكثر من ساحة من ساحات الفضاء العام، الفكرية والسياسية)، هم النخب الفكرية والسياسية وكان المستهدفون هم أهل مصر في حراكهم السياسي والمجتمعي غير المسبوق، وبالطبع فإن المجال خلال الفترة من جمعة التطهير وحتى جمعة الوحدة الوطنية وما بعدها نحو جمعة الاستفتاء (18 مارس)، المقصود هو "التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها".

فلقد اختبر هذا المجال أمورًا كثيرة واتسم بحالة متميزة، إلا أن الأهم هو أن الحراك من حول هذا المجال قد بدا، وكأنه منفصلاً عن الحراك حول المجال المدني والمجتمعي المشار إليهما سابقًا، وهذا هو مكمن الخطورة. الأول، لأن التغيير الحضاري المنشود يتطلب الضفر بين ما هو سياسي دستوري وما هو مدني وشعبي، ومكمن الخطورة الثاني أن هذا الحراك بدأ بحوار هادئ حول التعديلات الدستورية فور الإعلان عنها إلا أنه سرعان ما أفصح عن تجدد في الاستقطاب الإقصائي الفكري والسياسي بين النخب، وعلى عكس تمامًا ما قد تبلور من توافقات وانفتاح وتعارف خلال المشهد الثوري الأول (25 يناير - 11 فبراير)، وهو المشهد الذي سبق وأحيى الآمال في بناء تيار رئيس للجماعة الوطنية يقود عملية التغيير الحضاري، ويتكون من خلال عمليات حوار وطني رشيدة وممتدة.

 

وإذا كان هذا الحراك في حد ذاته محمودًا ومطلوبًا وقد بدأ الشعب المصري يمارس حريته، ويعبر عن لهفته للفهم حتى يقدر على الممارسة الديمقراطية السليمة، إلا أن هذا لا يمنع، بل يدفع إلى ضرورة مراقبة الحالة والتنبيه إلى مكامن الحظورة بقدر التشييد بالايجابيات. كيف؟

 

إن العديد من المؤشرات تساعد على شرح مكمن الخطورة المقصودة والتي أحاطت بالمشهد الثوري حول التعديلات الدستورية (من جمعة التطهير وحتى جمعة الوحدة الوطنية ونحو جمعة الاستفتاء).

 

من ناحية: الحراك اتسم في بدايته بحالة من الجدل أكثر منها حالة حوارية رشيدة. كما كان أقرب للمونولوجات المتزامنة أو المتعاقبة التي يتبارى فيها الجميع في مباراة صفرية أما بالرفض أما بالقبول.

 

ولقد بدأ فريق الرفض مبكرًا، سواء بالحجج الكلية أو الانتقادات الجزئية للبنود المعدلة وخاصة شروط اختيار الرئيس، وصولا إلى الدعوة الصريحة للتصويت بـ"لا".

 

ثم لحق بالمباراة، بعد تأخير (يحتاج لتحديد السبب) فريق الدفاع وخاصة من أعضاء لجنة التعديلات ذاتها. والبداية كانت مع المستشار البشري، الذي أعاد حديثه العلني توجيه دفة الجدالات من التركيز على الجزئيات الفنية إلى ضرورة الاهتمام بالكليات.

 

حيث قدم في خطاب هادئ جمع بين حكمة وخبرة القاضي وبين رؤية المفكر وبين فقه التاريخ، قدم فلسفة التعديلات، مضمونًا وتوقيتًا وغاية. وسرعان ما نزل من بعده إلى الساحة تباعًا وبانتشار أفقي أعضاء اللجنة الآخرين.

 

وظلت الرموز الفكرية والإعلامية والسياسية المخاطبة لأهل مصر تكاد تقتصر إلى حد كبير على أصحاب الصوت العالي في انتقاد التعديلات بل تحول الانتقاد إلى حشد وتعبئة صريحة وواضحة للناس تدعوهم للاصطفاف حول رفض التعديلات.

 

ولقد جاء معظمهم هذا الحشد ممن استعادوا التنادي بما يسمى "الدولة المدنية"، أو بمعنى أصح الليبراليين من "العلمانيين" الذي يرفضون أو يستغلون أو يجددون الفزاعات مما أسموه "التيار الديني" أو الإخوان وعلى نحو إعاد التذكرة، ولو من بعيد بخطاب الحزب الوطني، وذلك في وقت لم يكف الإخوان وغيرهم من الإسلاميين عن تقديم التطمينات السياسية وعن شرح مفهوم المرجعية الإسلامية والتذكرة بهوية المجتمع.

 

ولقد اقترن هذا الزخم وراء قول "لا" للتعديلات بزخم آخر ألا وهو ما سمي الفتنة الطائفية، ولم يكن أخطر مشاهدها في قرية صول ولكن الأخطر هو ما حدث في منشأة ناصر وأمام ماسبيرو، وفي المقابل جاء زخم الإفراج عن عبود وطارق الزمر، بعد وقت قليل من تحذير رئيس الوزراء علنًا بوجود حظر ممنهج ومنظم من ثورة مضادة، وقبل وقت قليل من الإعلان عن حل جهاز أمن الدولة أو بمعنى أصح إعادة تشكيله ليصبح جهاز الأمن الوطني.

 

كل هذا في وقت توالت فيه مؤشرات أخرى عن إعادة تجميل بعض رموز النظام السابق من الإعلاميين (تامر أمين، عبد اللطيف المناوي) أو إعادة تجميل بعض رموز الحزب الوطني السابق (محمد عبد اللاه، محمد رجب) أو إعادة تجميل جهاز الأمن في مجموعه (حديث رجائي عطية مع يسري فودة)، ثم إعادة تجميل رجال الأعمال بتسريب أفكار حول التسامح والعفو مقابل ردهم الأموال والاعتراف بالخطأ.

 

كل هذا جعلني أتساءل: ما الفارق بين الدعوة للمصالحة وبين ضرورة العقاب أولاً أو الفارق بين دفاع عن الثورة المضادة وبين تقديم المبرارات والعوامل المفسرة لها؟ فلقد كانت صيحة المليونية يوم جمعة التطهير واضحة جلية ولكن لم يتم الاستماع إليها بقوة وبجدية.

 

هذا هو السياق الذي اقترن بانفراد من هاجموا التعديلات بالساحة أولاً، حتى لحق بالساحة أعضاء لجنة التعديلات ثم انضم إليهم وبقوة رموز فكرية وسياسية وقضائية ممن أفاضوا في شرح فلسفة ومنطق التعديلات، ولم يصلوا إلا متأخرًا (بعد جمعة الوحدة الوطنية أي قبل أسبوع من الاستفتاء)، بالدعوة للتصويت بنعم للتعديلات. وهو الأمر الذي يستوجب التساؤل، بغض النظر عن حجج الفريقين لماذا هذا التأخر من ناحية؟ لماذا لم تعد اللجنة نفسها لما بعد الإعلان عن التعديلات؟ لماذا لم يردوا إلا بعد تزايد الهجوم عليها قانونًا وسياسة؟ أوليس "التيار المدني" المدافع عن الديمقراطية هو الذي بدا حالة الاستقطاب حين أخذ يحذر من أن المستفيد من انتخابات برلمانية (بعد قبول التعديلات) هم الإخوان وبقايا الحزب الوطني؟

 

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لماذا الزخم ولو المتأخر في الدعوة صراحة وعلنًا لقبول التعديلات، وهي الدعوة التي لم تقتصر على الإخوان فقط؟

 

أرى أن السبب، وبناء على خبرة تفاعلي ومراقبتي، كما أحسست به مع نفسي، هو أن الأمر لم يعد يقتصر على مواقف سياسية من تعديلات دستورية، ولكن أضحى الأمر، على ضوء كل ما سبق طرحه من مؤشرات، يتصل بمواقف معرفية وسياسية من قضية كلية ألا وهي هوية مصر: دولة ونظامًا ومجتمعًا.

 

بعبارة أخرى، كان المشهد السياسي العام، الذي سجلت بعض المؤشرات عن حالته عاليًا والمحيط بالجدال حول التعديلات إنما يطرح أكثر من سؤال عن العلاقة بقضية ظلت كامنة حتى الآن (تحت إيجابيات المشهد الثوري الأول) وهي قضية "الهوية" (ستكون موضع المشهد الثوري الرابع)، وخاصة في ظل الجدال حول التعديلات الذي أفصح عن بوادر عودة الاستقطاب التقليدي في ظل النظام السابق والذي اكتسى بلغة استعلاء ممن تسموا "بالمدنيين" تجاه "الإسلاميين" كما صحبه التخويف من التيار الإسلامي.

 

هذا الاستقطاب سبق وأعطانا الميدان أملا في إمكانية تجاوزه كما أعطانا أيضًا أملاً في المخزون الحضاري القيمي الإيجابي لدى الشعب المصري ومردوداته الفعالة مدنيًا وسياسيًا.

 

كل هذا أيقظ لدي، المخاوف، التي لا تعني التشاؤم ولكن التي تدفع للحذر والتنبيه من أن حرية الرأي والتعبير من أجل الديمقراطية لابد لتكون رشيدة وتقودنا إلى تغيير حضاري لابد أن تتجاوز مجرد تغيير سياسي، لابد وأن تتجاوز الانقسام والاستقطاب الإقصائي إلى حالة التوافق بين روافد تيار رئيسي في الجماعة الوطنية. ذلك أنه بعد الميدان ليس من الممكن أو المطلوب أن يظل العلمانيين أو القوميين أو اليساريين أو الإسلاميين أو الوفد أو الناصري أو التجمع... على ما كانوا عليه قبل 25 يناير. فهل تعي نخب مصر هذا الوضع؟ إذن لماذا الرغبة في تأجيل ممارسة الديمقراطية حتى تستقوي بعض التيارات وتستعيد تشكيل نفسها؟ أليس هذا تقييد لممارسة الديمقراطية انتظارًا لما ستأول إليه بعض القوى؟ وماذا لو لم تتمكن من ذلك؟ إلى متى يظل الانتظار؟ أنا هنا أردد نفس ما أفصح عنه البشري قبل الاستفتاء بيومين، وأضاف إليه ما يلي:

 

- المرحلة الراهنة من الزخم الثوري هي الأفضل للقوى الجديدة وليس بعد عام ونصف،

 

- وأن ما لم تفعله الأحزاب التقليدية من قبل لتدعيم وتوسيع قواعدها هل بمقدورها أن تفعله في عام ونصف من الآن؟

 

- إن النخب السياسية والإعلامية بعيدة عن حس الناس والشارع، بل وعن رمح ثورة 25 يناير ذاتها.

 

إذن، وعلى ضوء كل ما سبق، ألم يكن ميدان التحرير إلا لقطة ساكنة لم تنتقل إلى كامل المجتمع المصري، والسياسيين المصريين؟ هل هذا الاستقطاب السلبي من جديد على عكس روح ميدان التحرير هو نتاج ما أسماه إبراهيم البيومي "الأحزاب الطائفية المضادة للثورة؟" أم هي سمات هيكلية ما زال أمامنا الكثير لنغير منها، لدى "القادة التقليديين" بعد أن قدم شباب التيارات المختلفة قدرة على فتح الأبواب وتخطي الحدود بين المعسكرات السياسية والفكرية؟

 

فهل ما يجري بين الناس، وينتقده الساسة من أعلى، يفعله هؤلاء الساسة أيضًا ولكن على نحو آخر وما الضابط لذلك القيد؟ وما الذي يضمن عدم تفاقم هذا الاستقطاب الجديد؟ هل فترة انتقالية أطول كما يريد بعض الداعين لرفض التعديلات أم قترة انتقالية أقصر يحتكم فيها الجميع إلى صناديق نزيهة لعلها تعكس حقيقة "هوية الناس"؟

 

ومهما كانت نتيجة الاستفتاء فمازلنا في حاجة أكثر إلحاحًا وأكثر سرعة لما سبق المطالبة به، خلال المشهد الثوري الثاني (الأسبوعان الأول بعد رحيل مبارك، من جمعة النصر وحتى جمعة التطهير).

 

خلاصة القول:

 

وبالنظر إلى حوارات الفضاء العام في مصر على كافة المستويات حول مجموعتي المؤشرات السابق طرحهما. وبالنظر إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير البلاد، وكذلك مجلس الوزراء، نجد أن الحوارات الوطنية إنما تركز على المجموعتين ولكن منفصلتين ودون ربط مباشر بينهما، على ما في ذلك من خطورة.

 

وتنبع هذه الخطورة من الاعتبارات التالية:

 

أ- النخب المصرية الفكرية والسياسية مازالت أسيرة المنظور التقليدي للسياسة الذي يركز على العلوي، بل وينطلق منه باعتباره ذي الأولوية ومنه تتحدد بقية الأمور وتتشكل، دون نظر فيما يمكن أن يحدثه السفلي من انقلاب وما يصدر عنه من معوقات تجعل من هذا العلوي شكلاً بدون روح.

 

كذلك أن الحديث في "العلوي" هو حديث في "السلطة والقوة" بمفهومها التقليدي أيضًا: ما هو مناطها وما هو مركزها وما هي آلياتها، السلطات الثلاثة فقط أم مناطات أخرى؟ وكيف يمكن أن يترجم ذلك في الدستور الجديد؟

 

ب- أن بعض من الناس في الشارع المصري، يمارسون سلطاتهم، كما يدركونها في ظل مناخ "الحرية" الطاغي الآن، ناسية أو متناسية أو جاهلة أو غير واعية، أن حرية بدون قانون هي فوضى وأن عدم التمييز في المطالب الفئوية الطائفية بين ما هو آني وما هو آجل إنما يمثل "انتهازية ونفعية ضيقة"، وأن تحقيق المطالب يقتضي تنظيم الجماعات الفئوية المختلفة (مهنية وغيرها...) وتدعيمها وأنه مهما كانت مبررات هذه المطالب ومشروعيتها إنما لا يجب أن تكون على حساب تماسك الدولة والمجتمع. وإذا كان إدراك كافة هذه الأمور هو من طبائع الأمور في الأوقات العادية ولدى ناس على قدر من العلم والعمل، إلا أننا ننسى أن نظام مبارك قد ترك نصف شعب مصر تحت خط الفقر يعاني من الكثير الذي يحول دون صفاء الرؤية والإدراك والوعي (وصدق عمر بن الخطاب حين قال لو كان الفقر رجلاً لقتلته) ونصف هذا النصف يعمل في مؤسسات وهيئات وأجهزة حكومية تمثل عصب إدارة الدولة. مما يعني أن هذا العصب معطوب من ناحيتين، ما انُتقد به دائمًا من بيروقراطية، وما ينتقد به الآن من تدفق اعتصامات فئوية سريعة ومتسعة تعوق الإنتاج.

 

جـ- هناك مساحة ثالثة حية وناشطة وواعدة ومتفانية، لا تنسى مطالبها ولكنها في نفس الوقت لا تنسى العمل والإنتاج بكافة الأشكال سواء كان إنتاجًا ماديًا أو معنويًا. وأقصد بهذا قطاع "العمل المدني" الطوعي الذي نشط نشاطًا كبيرًا والذي ما زال يمثل روح نموذج الثورة ويجتهد لتدعيمها وتوسيع نطاقها.

 

د- المساحة رابعة هي جهاز الخدمة الإدارية والمدنية، هي ناشطة سلبيًا، وفي حاجة لاهتمام وتركيز عليها، ولكن بالطبع في المدى الوسيط وليس الآني. وأن كانت تتطلب الاستجابة الفورية لبعض مطالبها المشروعة الممكن تحقيقها آنيًا، ( الإعلان عن حد أقصى للأجور مثلاً).

 

بعبارة أخيرة، أن ضغط الأحداث خلال الأسبوعين الأخيرين من جمعة التطهير إلى جمعة الاستمرار ثم جمعة الوحدة الوطنية قد بين شدة الاستقطاب بين هذه المساحات الأربعة، في حين أن التغيير الحضاري المنشود مع الثورة يتطلب العمل على المستوى الآني والتخطيط للآجل على نحو يربط بصورة متكاملة بين المداخل الأربعة، والا سيصبح تغييرًا منقوصًا. هكذا يجب أن تكون الرؤية وما يخرج عنها من سياسات وبرامج بعد انتهاء ما يسمى المرحلة الانتقالية. ولهذا جاء عنوان المشهد الثالث الثوري: كما هو موضح عاليًا.

 

وفي الخاتمة يجدر القول إن موطن الالتقاء بين تفاعلي مع الساحتين: المدنية والسياسية بل ودعوتي لعدم الفصل بينهما، هو إن كل منهما لابد وأن يستهدف الآن: الاستقرار والإنتاج فالأمن والآمان لازمان وكذلك قبول التعديلات الدستورية ضروري أيضًا، باعتباره أفضل المتاح الآن، من أجل الاستقرار والإنتاج، ولذا فلنظل جميعًا ثائرون ولكن نبني أيضًا ونصون في ظل تعارف وانفتاح. ولعل الأيام القليلة السابقة على جمعة الاستفتاء قد حملت نسمات طيبة حيث ظهر الحوار، وليس المونولوج، بين أنصار التعديلات والرافضين، والأهم أن الجيش قد دخل في هذا الحوار العلني، من على موقعه على شبكة التواصل الاجتماعي، ومن خلال أحد وسائل الإعلام المرئي؛ حيث شارك اللواء ممدوح شاهين في 15/3/2011 مع المستشار سامي ماهر أحد أعضاء لجنة التعديلات في مناظرة علنية مع د.عمرو حمزاوي. فضلا عن دوائر حوارية أخرى في نفس اليوم ضمت إحداها عصام العريان من ناحية ومنى ذو الفقار ود.عصام شيحة ود.جابر نصار من ناحية أخرى. كما ضمت دائرة أخرى عصام سلطان من ناحية وعمرو الشوبكي ونهى الزيني من ناحية أخرى، وضمت ثالثة في 16/3 أحمد أبو المجد وضياء رشوان من ناحية وأيمن الصياد ووائل من ناحية أخرى. وجاءت كلمات طارق البشري في نفس اليوم كاشفة عن خريطة الانتماءات السياسية للاتجاهات الرافضة أو الموافقة على التعديلات. ولقد تدعمت الآمال في مزيد من الحوار تجاوزًا للاستقطاب مع مبادرة القوى الوطنية في 16/3، التي أعلنت بيانًا يتضمن توافقها على المبادئ الخاصة بالداخل والخارج. فكيف ستؤثر هذه النسمات الطيبة على نتيجة التعديلات؟

 

وكان الحاضرون الغائبون طوال المشاهد الثلاثة السابقة هم الاقتصاد، والسياسة الخارجية للثورة، وهوية مصر وسيتم الاقتراب منهم في المشاهد التالية.

 

23 مارس 2011

 

أ.د. نادية مصطفى : أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، مديرة مركز الحضارة للدراسات السياسية