أربع‏ رسائل للرئاسة والإخوان والإنقاذ والقضاء

حينما تتعقد المشاهد وتتعالي الأصوات وتدور رحي حروب الكلام تموت كل معاني الوئام والالتئام‏,‏ وتتوه كل أصوات تنادي علي مصالح الوطن وتؤكد ضرورة الاهتمام بمعاش المواطن.

ويكون كل فصيل مكتفيا بنفسه مستغنيا عن غيره مستعليا علي رفاقه وأقرانه, وفي مقام كهذا قد يسد البعض أذانه فلا يسمع وقد تغشي الأبصار فلا تري وقد تغيب العقول فلا تعي وهي في كل هذا لا تستخدم كل أدوات الفهم والبيان التي تتعلق بعموم الخلق والإنسان, إن من عظم مسئولية الإنسان أداء الحق للخلق. ذلك أن الرحمن من رحمته خلق الإنسان وعلمه البيان, ليكون ذلك بيانا للناس يحقق البلاغ الواجب برأي رصين نحسبه صائبا, وتكون النصيحة عنوان كل ذلك في زحمة اتهام كل فريق لفريق وتأتي مداخل الاستقطاب من كل فج عميق, أقول لكم في مربع للنصيحة أعبر بها عن كامل تقدير لكل هؤلاء الذين قد عقدوا المشاهد وراكموا الأزمات وحاربوا واقتتلوا بالكلمات, أوجه نصيحة في رسالة, ورسالة في نصيحة لأربعة أعمدة يمكن أن تفعل وتفعل في دائرة البناء ويمكن أن ترغي وتزيد في ساحات فائض الكلام والهجاء.

النصيحة الأولي أوجهها لمؤسسة الرئاسة وما أدراك ما الرئاسة عمل قويم وقرار رصين يحرك كل طاقات الفاعلية في المجتمع, فيجتمع عنده الناس ويجمع عموم الناس, ليحقق بذلك كل ما يتعلق بمطالب معاش الناس, إن الرئاسة في هذا المقام تعمل علي قاعدة من استراتيجية التوافق والاتفاق ولا تعمل في ميادين الفرقة والشقاق, وهو أمر يجعل من الرئاسة عملا يكون فيه الرئيس ظهيرا للشعب حتي يكون له الشعب ظهيرا, لا يكفي قول الرئيس أنه رئيس لكل المصريين بل يؤكد الناس كونه رئيسا لكل المصريين, وفي هذا المقام تبدو الرئاسة ليست قبيلة من القبائل أو عشيرة من العشائر, بل هي ميزان بين المتعدد ولحمة لكل متنوع وجامعية لكل متفرق. ففي هذا المقام تكون الرئاسة عمل حقيقي يتعلق بتلك القرارات اللازمة والنافذة تنفذ لكيان المجتمع فتقويه وهذا الشعب فترضيه, وتجعل من ثورة شهدتها مصر حياضا تحميه, إن لمؤسسة الرئاسة الفاعلة شروطا ومعايير للتفعيل والفاعلية لا تكون إلا بتحريك قدرات تتعلق بجهاز إعلامي ومعلوماتي واتصالي يؤسس لخطاب رئاسي قادر علي الاشتباك مع قضايا الناس وتحقيق آمالهم ومناط طموحهم, كذلك فإن الرئاسة تحتاج لجهاز إداري في داخلها كفء وفعال يحرك كل عناصر الفاعلية في الحركة والاتصال, وهي في حاجة كذلك إلي جهاز من الخبراء والمتخصصين يختارون علي قاعدة الكفاءة والاقتدار والجدارة والاستحقاق حتي يمكن أن تستند لأهل الكفاءة والخبرة لا أهل الثقة والحظوة, وكذلك جهاز لإدارة الأزمات بل وإعداد العدة للمهمات واستباق الرؤي وبناء الاستراتيجيات أجهزة تتكامل في تحقيق الفاعلية لمؤسسة الرئاسة لتكون دافعة لعمل ورافعة لوطن.
النصيحة الثانية لجماعة الإخوان الذين من الواجب أن ينظروا لأنفسهم إلا باعتبارهم من نسيج هذه الجماعة الوطنية يتحركون بفاعليتهم لخدمة الوطن لا لمصلحة جماعة, إنها حركة الجامعية التي توظف كل أمر لمصلحة هذا الوطن والمواطن, إن الأمر ليس في استكفاء أو استغناء أو استعلاء ولكن حقيقة الأمر هو في قدرة الجماعة علي أن تنخرط في كيان الجماعة الوطنية فلا تجعل من نفسها جماعة علي الجماعات بل بكونها جماعة من التكوينات المجتمعية والجماعات, وغاية الأمر في هذا المقام ألا يركن الإخوان مربعا للقعود عن العمل والنهوض بكل فعل يحرك أصول الفاعلية لمصالح هذا الوطن, فقد مر الزمن الذي تتحكم فيه الرؤية التي تتعلق بالضحية إنكم الآن تحكمون, فكيف تعملون؟ ما عدتم بضحية ولكنكم تمسكون بزمام الأمور فأين إصلاح الأمور؟ وكذلك لا تركنوا إلي نداء المؤامرة في كل وقت وحين, ولكن تساءلوا دائما عما تفعلون قبل أن تتساءلوا عما يفعل غيركم, ليس من الحنكة أن نبرر الأمور برؤية المؤامرة, وكذلك لا تستسهلوا الحديث عن الابتلاء وأنكم قد ابتليتم بهذا الأمر للحديث عن عظم ما وقع عليكم من عبء ومسئولية وتبرير عدم الإنجاز والفاعلية ولا ترفقوا كل كلامكم بالصبر والانتظار فإن هناك أمورا لا تحتمل التأجيل ولا الانتظار, ولا تحتمل التبرير ولا التمرير, مربع خطير تتخذونه مسلكا للتبرير وتعثر الإنجاز ولكن ذات المربع يمكن أن يشكل مداخل لحركة فاعلة ونهوض لا يركن, ودافعية لا تتخلف, وعمل دائب لا يتوقف, إن رباعية هزيمة الفعل في نفوسكم هي أخطر ما يكون علي مجتمع الجماعة جماعة الإخوان والجماعة الوطنية.

النصيحة الثالثة لجبهة الإنقاذ إنكم أول من يستحق الإنقاذ, تعالوا بحق نتحدث عن جوهر الفاعلية السياسية, مرة واحدة لا تقاطعوا ولا تمتنعوا,أطلقوها مدوية: نحن سندخل الانتخابات وسنتحرك علي أرض الناس وفي حياة الناس وسننزل من فضاء وفضائيات الإعلام إلي دنيا وقضايا الناس, ولا تمارسوا ذلك بفائض كلام أو أقوال وإنما مكنوا لفاعليتكم بأعمال وأفعال, إن الدخول إلي الانتخابات هو المحك الحقيقي لإحداث توازن سياسي حتي لا يسيطر فصيل علي عموم المواطنين والناس, ولا يمكن بسلبيتكم أن تلوموا أي أحد أن يملأ فراغكم, فالفراغ لابد وأن يملأ, الفراغ يملأ بك أو بغيرك, الحضور الفعال خير من المغيب ورفع الشعارات والأقوال, لو أردتم أن تضمنوا وتوفروا للانتخابات نزاهة وضمانة فإن ذلك لا يتحقق إلا بانخراطكم في العملية الانتخابية وضمان نزاهتها وأمانتها, فالنزول في الانتخابات هو خير الضمانات, أما التحجج بالشروط والمطالبات فسينتهي في النهاية بمغيب هو أقرب إلي الانتحار السياسي, فلا تجعلوا من مراهقة في اتخاذ المواقف سقفا في ممارسة السياسة, فإن لممارسة السياسة أصولا وآليات وما القوي السياسية والأحزاب إلا انتخابات, وما هي الضمانات ؟, إلا باصطناع وسائل وآليات تتحقق عبرها نزاهة وأمانة الانتخابات.
النصيحة الرابعة لقضاء مصر لا تكونوا كالقضاء والقدر,إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر, ولكن كونوا عونا لهذا الشعب قضاء عادلا وقدرا لإنجاز حكم عاجل, إن المسألة ليست في دخولكم لحلبة السياسة تقومون بمعارك وهمية مسيسة ولكن الزموا منصة القضاء فإنها منصة العدل والحق والاقتصاص من كل قاتل وظالم وكل فاسد ومفسد, القصاص لشهداء مصر الذين دفعوا حياتهم ثمنا لثورة حموها وتحمي بقضاء ناجز عادل وفاعل, تلك هي العدالة الناجزة, أما استقلال القضاء فهو أمر يتعلق بكم والاستقلال والاستغناء في نفوسكم حينما يتوافر كل ذلك فهو عمل يجعل من القضاء الطاهر أول من يحرص علي تطهير كل مواطن الشبهة فيه, لأن العادل لابد أن يكون عادلا مع نفسه قبل أن يوزع العدل علي غيره.

هذا مربع النصيحة أسديه لمربع يمكن أن يمكن للثورة كما يمكن أن يزهق روح الثورة, رئاسة فاعلة ومعارضة وازنة وقوي سياسية جامعة وقضاء عادل عاجل ناجزفاعل, قد يقول البعض من أنت لتنصح؟ أقول أنا ابن فلاح فصيح سكن ذاكرة حضارة مصر منذ قديم الزمان, وأنا لكم من الناصحين.

د.سيف الدين عبدالفتاح / أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ونائب مدير مركز الحضارة للدراسات السياسية

نشر بجريدة الأهرام

27-4-2013