تقدير موقف عقب أحداث مجلس الوزراء

تقدير موقف عقب أحداث مجلس الوزراء

ورؤية حول أسس التفاهم بين التيارات الوطنية

السبت 17 ديسمبر 2011

 

الحضور: د.نادية مصطفى، د.مازن هاشم، د.بسيوني حمادة، د.عماد حسين، أ.محمد ياقوت، أ.أمجد جبريل، د.شيرين فهمي، د.سحر طلعت

 

أولا- مداخل الفهم والتفسير للموقف الراهن:

تعيش مصر الآن حالة من صناعة الفرقة والاستقطابات المتزامنة بل المتداخلة (حيث الاستقطاب بين العلماني والإسلامي وبين العسكري والمدني والتداخل بين الثنائيتين مؤخرًا). وهذا ما تكشفه التطورات الأخيرة للأحداث فيما يتصل باعتصام مجلس الوزراء، فضلا عما تكشف عنه من فشل في إدارة الأزمة. حتى أنه لم يكن من السهل اتفاق أغلبية ما على الأسباب، ولكن يمكن القول إن أبرز مداخل التحليل جاءت كالتالي:  

المدخل الأول: أن ما حدث من مواجهات بين الجيش والمعتصمين إنما مرده إلى رغبة المجلس الأعلى للقوات المسلحة في استعادة هيبة الدولة التي اهتزت بمنع المعتصمين لرئيس الوزراء من دخول مجلس الوزراء وأداء مهام عمله، وحتى لا تنجر البلاد إلى حالة فوضى يرتفع فيها صوت السفهاء ويتراجع صوت العقلاء.

وفي إطار هذا المدخل ذاته، تعلو الأصوات المحذرة من مؤامرة خارجية لا بد من مؤازرة الجيش لمواجهتها، كما تدفع حكومة الجنزوري.

 

المدخل الثاني:أنالمجلس العسكري يسعى إلى الانقلاب على الانتخابات. وهذا ما يتم إرجاعه إلى ما يلي:

-   إن الجيش لم يبتعد عن الحياة المدنية منذ قيام ثورة 1952، وقد حقق جراء ذلك من المكاسب الكثير، وبالتالي فهو لا يُريد الالتزام بلحظة استحقاق تسليم السلطة التي ستأتي بانتخاب رئيس جمهورية. ومن ثم، يرى أن ملاذه تشويه الثورة أمام الشعب وعموم الناس، على نحوٍ يجعلهم يتصورون المجلس العسكري المنقذ الوحيد للبلاد من الفوضى.

-   للجيش تصور معين للدولة الجديدة عبَّر عنه اللواء مختار الملا إذ صرح قائلا إن الجيش لن يُفرط في مدنية الدولة. وعليه، فإن ما أسفرت عنه نتائج المرحلتين الأولى والثانية من صعود للإسلاميين (إخوان مسلمين وسلفيين) يُخالف ذلك التصور. الأمر الذي يدفع لاستحضار سيناريو مواجهة الإسلاميين مع العسكر في الجزائر، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف السياقات وطبيعة الأطراف المعنية. ويُعزز من موقف الجيش في هذا الصدد أن هناك من يضع الإسلاميين والفلول في سلة واحدة.

-   خشية أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة قيام البرلمان بدورٍ في تحريك محاكمات ضده، سواءً بتهم الفساد أو قتل المتظاهرين.

 

المدخل الثالث: تقع مسؤولية كبرى في وصول الأحوال إلى ما آلت إليه على عاتق كافة التيارات السياسية التي انشغلت في المقام الأول بتحقيق مصالحها الذاتية الضيقة، ولم تسعَ سعيًا حقيقيًا لأن تكون حلقة وصل مؤثرة بين الشعب والسلطات الراهنة، بل تُرِك الشعب وحده في المواجهة.

 

 ويبقى السؤال الأكثر أهمية وإلحاحًا: كيف يمكن أن تصل الرسالة الحقيقية إلى الناس، في وقتٍ لم تعد تصل فيه سوى الشائعات التي لا يجب الانفعال بها عند الحديث عن مستقبل مجتمعٍ ودولة، لاسيما وأن وسائل الإعلام قد جعلت من نفسها طرفًا فيما يدور من صراعات؟

والأهم هو: كيف يمكن مد الجسور بين جزر القوى السياسية الإسلامية والعلمانية، سواء في المرحلة الراهنة من استكمال العملية الانتخابية أو فيما بعدها؟ وحيث أن هذا الاستقطاب قد تقاطع مع استقطاب جديد حول الموقف من المجلس العسكري.

وهنا تبرز أهمية دراسة د.مازن هاشم.

ثانيا- أُسس للتفاهم بين التيار الإسلامي والتيارات الوطنية الأخرى

طرح د.مازن هاشم([1])

 

يهدف هذا الطرح –كما يؤكد د.مازن- إلى تحديد الأوجه التي تلتقي عليها –أو يمكن أن تلتقي عليها وتجتمع حولها- مختلف التوجهات السياسية/الفكرية، بالتركيز على الجانب العملي بعيدا عن الجانب النظري. فالهدف أصلاً هو بيان وتأكيد وجود مساحات مشتركة برغم اختلاف الرؤية والمنطلقات.

وتتمثل أهم أسس هذا التفاهم فيما يلي:

·  تجنب النخب الرؤية الحالمة لأيديولوجياتهم، أو "الطوباوية الفكرية" كما أطلق عليها د.مازن؛ حيث تؤدي هذه المثالية الأيديولوجية إلى النظر إلى الآخر باعتباره مخالفًا وليس فقط مختلفًا.

·  البعد عن احتكار العقلانية واحتكار العمل الصالح؛ فالعلمانيون يحتكرون العقلانية ويعتبرون الإسلاميين غير عقلانيين، بينما يحتكر الإسلاميون –في المقابل- العمل الصالح بقصره على جانب العبادات مع تساهل البعض منهم في أمور أخرى تندرج في المعنى العام للعمل الصالح.

 

ومن الأمور التي يثور حولها جدل وخلاف بين الإسلاميين وغيرهم، مفهوم الشريعة؛ حيث يعتبرها طرف خلاصة الخير والصلاح بينما يراها طرف آخر خلاصة الجمود. ويتزايد هذا الخلاف بشكل واضح عند الحديث عن قضية تطبيق الشريعة، ومرجع ذلك إلى الخلط بين المبادئ العامة للشريعة وبين تنزيل أحكام الشريعة على الواقع المعيش.

وقد يكون المخرج من ذلك بالتأكيد على أن الحكم المستنير إسلاميًا هو الذي يحقِّق خمسة شروط: (1) العدالة في المجتمع؛ (2) كرامة الأفراد وحريات المجموعات بغض النظر عن الانتماء الدّيني أو القومي؛ (3) تأمين أساسيات المعاش قبل كمالياتها؛ (4) تشجيع الفضيلة والتضييق على الرذيلة ورفض الإكراه في مسائل الدّين؛ (5) استخدام آليات التشاور والمشاركة والتمثيل والمحاسبة وضوابط القانون والعرف في جميع التشكيلات المجتمعية أدناها وأعلاها.

 

وتطرق د.مازن –في هذا الإطار- إلى الحديث عن النموذج المفضل للديمقراطية؛ فقد صار لفظ الديمقراطية يستخدم للتعبير عن مفاهيم مختلفة، لذا فمن الأفضل الحديث عن آليات وأدوات الديمقراطية حيث تتعدد أشكال وأنساق الديمقراطية بين أنماط ثلاثة:

-         ديمقراطية تمثيلية: تقوم على تمثيل المصالح الخاصة للفئات المختلفة.

-         ديمقراطية توكيلية: تقوم على القدرة والكفاءة على تحقيق المصالح.

-         ديمقراطية تشاركية (deliberative): تقوم على توزيع اتخاذ القرار على عدة مراكز.

 

وتميل الرؤية الإسلامية إلى الديمقراطية التشاركية؛ حيث تقترب إلى معنى الشورى.

ومن هنا تطرق د.مازن إلى مجموعة من الأفكار المتعلقة بالديمقراطية؛ فتحدث عن المجتمع المدني بما تشمله من مؤسسات الأمة المختلفة (دينية واجتماعية وغيرها) القائمة على العلاقات الطبيعية بين الأفراد. وتطرق أيضا إلى قضايا حقوق الإنسان وارتباطها بفكرة الواجبات، والمرأة، وفصل المؤسسة الدينية عن الدولة.

 

نقاشات ومداخلات:

* د.بسيوني حمادة:

- إذا كنا نتحدث عن دولة إسلامية فلابد من وجود قانون، ففي لحظة معينة لابد من تحويل ما هو مرن إلى شيء ثابت وتفصيل المجمل، ومن ثم فإن فكرة Islamic Law فكرة جيدة.

- ما المانع من أن تتوسط المجتمع المدني العلاقة بين السلطات الرسمية والقطاع الخاص وتتبنى قضايا سياسية؟

 

د.مازن: بالطبع هناك أمور معينة يمكن تحويلها إلى قانون، ولكن تحفظي على ترجمة الشريعة إلى "Islamic Law".

 وفيما يخص اعتبار المؤسسات الدينية جزءًا من المجتمع المدني فهذا أمر مهم، ففي المجتمع الأمريكي –على سبيل المثال- تقوم الكنيسة بدور اجتماعي ونفسي مهم.

 

* د.نادية مصطفى:

الإسلام يحل مشكلات المجتمع، لذا من الخطأ القول بأن اختيار الناس للإسلاميين اعتمد على العاطفة؛ فهذا الاختيار نابع من قناعة الناس بأن الإسلاميين سيحققون مصالحهم ومصالح المجتمع. والتغلب على هذه النظرة يتحقق بكسر الثنائية بين الديني والنخبوي السياسي إلى رؤية أكثر رحابة تجمع بين الثنائيات كمتكاملات وليس كمتضادات، وإعادة طرح هذه الرؤية من مدخل حضاري إسلامي يؤكد على التواصل والتكامل بين الدين والعمل السياسي (مع رفض الدعوة من خلال دور العبادة لفصيل أو تيار سياسي معين).

فطرح د.مازن قائم على كسر الثنائيات؛ بداية من كسر ثنائية العقلانية/ العمل الصالح، وكسر الثنائية بين الديمقراطية التمثيلية والتشاركية (على خلاف التركيز الآن على الحكم من أعلى فقط دون الاهتمام بالبعد الجماهيري).

ولكن من ناحية أخرى، فإن الحديث عن "التيار الإسلامي" مقابل "التيارات الوطنية الأخرى" يوحي بأن "الإسلامي" وطني فقط، وينحي الاهتمام بأبعاده المتعلقة بالأمة، في مقابل اتجاه التركيز إلى اعتبار القومي العروبي جزءًا من الإسلامي.

 

* أ.محمد ياقوت:

من المهم التركيز على منظومة قيم الديمقراطية، من قبيل الديمقراطية في الإسلام والعلاقة بين الديمقراطية والشورى. وذلك سواء داخل الحركات والتيارات الإسلامية (بين قياداتها وقواعدها)، أو بين الحركات الإسلامية والقواعد الشعبية عامة.

حيث يتم التركيز في حديث الديمقراطية مع الإسلاميين على قضايا خلافية وجدلية وتوجه إليهم اتهامات بمخالفة الديمقراطية، ويظهر ذلك –على سبيل المثال بالحديث عن قضية الاحتكام للشعب؛ فالاحتكام للشعب –وفق الرؤية الإسلامية- هو احتكام في اختيار الشعب من يمثله وليس احتكام باعتباره مصدر القوانين والتشريعات.

 

* د.عماد حسين:

- لدينا نقص في تقديم رؤية إسلامية للقوانين المتعلقة بإدارة الحياة السياسية، على خلاف القوانين التجارية. في ظل الإشكالية المتمثلة في كونها تمثل اجتهادًا فقهيًا بشريًا ولكن تحولها إلى قانون قد يحولها إلى نص تاريخي غير قابل للنقاش. لذا، لابد من مجموعة من الضوابط لتحقيق التوازن في هذا الأمر؛ تتمثل في: أن يكون الخيار قائمًا بين عدة بدائل واجتهادات فقهية، وأن يكون الاجتهاد الفقهي قابلا للتطبيق المجتمعي. والتمييز بين الحوار الفقهي الذي لابد أن يكون قاصرًا على أهل التخصص وبين الحوار المجتمعي الذي يقتصر على الحوار حول المصالح والموازنات.

وتأتي -في هذا السياق- ضرورة تركيز البرلمانيين من الإسلاميين على مناقشة مضمون القوانين وليس صياغتها فحسب.

 

- يركز الليبراليون واليساريون على "السلطة من أعلى"، لذا يخوفون من وصول الإسلاميين إلى الحكم، في حين أن مفهوم "السلطة" يمكن أن يتسع بزيادة صلاحيات المجتمع المدني لإحداث نوع من الموازنة مع النظام الحاكم (السلطة من أعلى). فمفهوم السياسة شهد تغيرًا حتى في الأدبيات الغربية ولم يعد قاصرًا على "السلطة من أعلى".

 

* أ.أمجد جبريل:

- بعض التطمينات التي يقدمها الإسلاميون تثير القلق والتساؤل حول التنازلات المطلوبة من "الآخر" مقابل ما يقدمه الإسلاميون.

- تبرز بوضوح ثنائية المدني/ العسكري في الثورات العربية؛ خاصة مع بقاء إسرائيل في المنطقة الذي يطرح نموذجًا لعسكرة المنطقة.

- كما تبرز أيضًا ثنائية المدني/ الديني، في ظل حالة من التخويف الشديد من الإسلاميين بالتركيز على النموذج الإيراني باعتباره السيناريو المحتمل مع صعود الإسلاميين. ومن ثم يأتي السؤال: كيف يمكن إدارة الصراع بين الإسلامي والعلماني من أجل مصلحة الوطن؟

 



[1]ولد الدكتور مازن هاشم في دمشق، وتعلم بها، إجازة فيهندسة المعلومات من الولايات المتحدة الأمريكية، دكتوراه في علم الاجتماع جامعة ريفرسايد كاليفورنيا، ماجستير في علم الاجتماع جامعة دي بول شيكاغو.