الأمن الداخلي في مصر: نحو مخرج من الأزمة

 

 

منتدى الحركات والتيارات والأحزاب الإسلامية

 

  

الأمن الداخلي في مصر: نحو مخرج من الأزمة

(تقرير استراتيجي)

 

من نتائج اللقاء التاسع للمنتدى

 

صاغه:

مركز الحضارة للدراسات السياسية

 15/10/2011

 مقدمة:

تقدم ثورة 25 يناير فرصًا وتحديات للحركات والتيارات الإسلامية بكافة تنوعاتها، فالثورة تتيح فرصة للتيار الإسلامي ليقدم نموذجه ضمن مشاريع تنموية تستلهم نموذج الثورة، كما أن الثورة تمثل تحديًا على أكثر من مستوى: فهي تستلزم تجديدًا فكريًا وحركيًا بعد أن عمل هذا التيار -الذي يمكن أن تعبر عنه حركات وجماعات وأحزاب عديدة تعكس أنماط تدين معظم المصريين- تحت قهر النظم السابقة، ومن ناحية أخرى تطرح اللحظة الراهنة على هذا التيار سؤال الموقف: الموقف من الذات وتعدد عناصرها، ومن المجتمع الجماهيري واحتياجاته ورؤاه، ومن القوى السياسة والثقافية، ثم الموقف من قضايا الوطن وأزماته الماثلة.

 

لذا؛ بادرنا بالدعوة إلى منتدى التيارات والحركات الإسلامية؛ ليقوم على تنسيق أعماله كل من: مركز الحضارة للدراسات السياسية، مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ومؤسسة توافق، ومؤسسة مدى للتنمية الإعلامية. وذلك بما يحقق الأهداف التالية:

1- التواصل بين الحركات والتيارات والأحزاب الإسلامية، ونقل الخبرات فيما بينهم في إطار تنسيق معرفي وفكري، والتواصل بين هذه الحركات والتيارات من جهة والقوى السياسية غير الإسلامية من الجهة الأخرى؛ بحيث يصب كل هذا التواصل في المجرى الوطني العام لبناء تيار وكتلة وطنية أساسية.

2- التفاعل بين فكر التيار الحضاري الذي تمثله المراكز الأربعة والحركة السياسية والمجتمعية الإسلامية في موجتها الراهنة.

3- العمل على تطوير رؤى استراتيجية لقضايا الوطن والأمة التي تفرضها مجريات الثورة، على المستوى الداخلي والخارجي.

4- تجديد الخطابات الإسلامية العامة، وبلورة مبادرات داخلية وخارجية لتقديم التيار الإسلامي عن طريق منصات إعلامية مهنية ومحترفة.

ويتجه المنتدى بدوافعه وأهدافه إلى مستويات عدة من المنتمين لهذه الحركات والتيارات: مستوى القيادات، مستوى المتخصصين من أهل الفكر والأكاديميا والإعلام، مستوى الشباب.

وينعقد المنتدى دوريًا لمناقشة القضايا الحالة والمتأزمة خاصة والقضايا الواجب تدارسها تأسيسًا لمرحلة قادمة عامة. وذلك لتقديم رؤى وطنية من منظور إسلامي جامع، حول هذه القضية، ووضع خطط للتعامل معها. ومن أمثلة ما نوقش من قضايا في لقاءات سابقة:

-         معالجة التأزيم المستمر الذي يعصف بمصر والعراقيل أمام تحقيق الثورة أهدافها.

-         ضرورة فتح أبواب الحوار مع الجميع، وعدم إقصاء أي فصيل أو تشويهه.

-         المواطنة.

 

ومع دنوّ انعقاد الانتخابات (التشريعية، الرئاسية) في ظل استمرار الاضطرابات الأمنية، أضحى التوقف عند قضية "الأمن الداخلي في مصر" ضرورة ملحّة. لذا؛ عقد المنتدى حلقة نقاشية في يوم 29/9/2011 بمركز الحضارة للدراسات السياسية في هذا الصدد، وكان محورها ورقتين تناولا سبل مواجهة الأزمة:

أولاهما- ركزت على البعد الرسمي بالأساس وهي ورقة د.باكينام الشرقاوي بعنوان "المواطنة والأمن: رؤية حضارية" وتمثل نتاج حلقة نقاشية نظمها مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات في يوم 7/3/ 2011 أي في مرحلة مبكرة نسبيًا.

أما الثانية- والتي كان محورها البعد الشعبي، فهي "مبادرة شعبية سياسية لإصلاح الوضع الأمني" قدمها د.مصطفى مسعد بحزب "الحرية والعدالة".

 

وكان الهدف من ذلك الإسهام في:

- استعادة الأمن الداخلي والمجتمعي بشكلٍ عام بالتعاون بين الجهود الشعبية والرسمية وبكافة الوسائل الآمنة والشرعية.

- حماية الثورة في مواجهة ما يرتبه الاضطراب الأمني من تشتت الجهود وانحراف المسار.

 

وتتحدد أسس ومنطلقات إسهام المنتدى في مجال الأمن انطلاقًا من كونه منتدى للتيارات والحركات الإسلامية فيما يلي:

أهمية الاتجاه للعمل السريع والفعال وعدم الاستغراق في مناقشات نظرية، خاصةً أن للحركات الإسلامية خبرة على هذا الصعيد، كتجربة الإخوان المسلمون في تنظيم المرور.

-     التأكيد على سلمية العمل الميداني الشعبي، فلا قبول لعمل ميداني مسلح.

إعطاء أولوية للتعامل مع الأبعاد الأخلاقية والنفسية المجتمعية للقضية، والعمل على تفعيل القيم الإسلامية في معالجة قضية الأمن، بما يتطلب رؤى جديدة تناسب الواقع المعاصر.

-     الخروج من الثنائيات الضيقة التي لا تضيف سوى مزيد من التعقيد، مثل: الشرطة، أم البلطجية؟ والشعبي أم الرسمي؟

الانفتاح على القوى السياسية المختلفة، وكذلك دعوة مختلف فئات المجتمع وخاصةً الشباب. فهي "مبادرة وطنية وإن انطلقت من قوى إسلامية".

 

وقد تمثلت محاور النقاش في التالي:

- المحور الأول: الأمن الداخلي في مصر: نحو رؤية منظومية شاملة.

المحور الثاني: تقييم الجهود السابقة.

المحور الثالث: آليات التطوير المقترحة.

- المحور الرابع: إجراءات تفعيل للمنتدى والمبادرة.

 

المحور الأول: الأمن نحو رؤية منظومية شاملة

 

منذ غابت الشرطة عن عملها إبان أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير، حلت قضية الأمن كواحدة من أهم قضايا المجتمع المصري الاستراتيجية في المرحلة الراهنة. وعلى الرغم من الدور الفعال -والناجع في تنظيمه وكفاءته- للجهود الشعبية التي عرفت باسم "اللجان الشعبية الأمنية" مع بداية ظهور الأزمة والوصول لذروتها في الأيام الأولى للثورة (والتي ما زال كثير من جهودها قائمة وبفعالية كبيرة)، يتأكد للجميع -يومًا بعد يوم- أن قضية الأمن لا يمكن أن تقتصر على النظرة الجزئية التي تقصر مفهوم الأمن على البعد المتعلق بالأمن على الحياة.

فواقع المجتمع وحياة الناس تؤكد أن الأمن منظومة متكاملة ومركبة متعدد الأبعاد: الأمن المجتمعي والأمن النفسي والأمن الغذائي… وهي منظومة تتصل بمختلف القطاعات والمستويات المجتمعية. فالأمن ليس أمن جماعة ولا طبقة ولا نظام؛ الأمن أمن المواطن وأمن الوطن والجماعة الوطنية بمجملها، كما هو أمن الأفراد والمجموعات والمناطق المختلفة.

ولعل أكمل صياغة لأبعاد منظومة الأمن ما ورد بإعجاز في القرآن الكريم من قوله تعالى بسورة قريش:]لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ {1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ {2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4}[-سورة قريش.

حيث يبدأ التذكير الإلهي بأولوية الأمن النفسي بقوله تعالى" إِيلَافِهِمْ " وهي من الألفة والاستئناس، ثم يذكر تعالى الأمن العقائدي بقوله تعالى: " فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ" (وإن شئت تأمل المعنى الواسع للأمن العقائدي باشتماله الأمن الفكري)، وينتقل إلى الأمن الاقتصادي بقوله تعالى: "الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ"، ثم يأتي الأمن من الخوف أو الأمن على الحياة "وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ" ليعطي دلالة مركبة: أن الأمن على الحياة يتحقق كمنتج تالٍ للأبعاد الأخرى للأمن، والدلالة الثانية أن الأمن على الحياة يكلّل ويحفظ أنواع الأمن الأخرى.

ولتعطينا السورة درسًا عقائديًا للمجتمع كله يتمثل في أن وجود وفعالية أجهزة الأمن المسئولة في الدولة أمر أساس، وواجبها حماية وحفظ أمن الناس، إلا أن تحقق الأمن فعليًّا يستلزم أن يقصد الناس ربهم (رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) الذي يؤلف ويجمع مقصدهم على قلب بيت واحد يدافعون عن أمن مجتمعهم، ويتكاتفون لحفظه مع مؤسساتهم الشرطية والأمنية.

وعليه، تمكننا الاستفادة من هذه التذكرة الربانية حول قضية الأمن؛ بأن تتمثل منظومية الأمن في مجتمعنا المصري بخطة استراتيجية طويلة الأجل، محورها مقاصدي يتمثل في أمن الإنسان المصري على نفسه وعرضه وأهله ولقمة عيشه وعقله، ولكنها تبدأ في مداها القصير الآني بالأمن على النفس والحياة، ليس فقط كضرورة ملحة في وضع الوطن الراهن، وإنما كشرط ضروري لتحقق أبعاد الأمن الباقية.

وهو مما يستدعي بعضًا من جميل تميز الرؤية الإسلامية ومنظورها الحضاري متمثلاً في إبداعها المقاصدي بخماسية الحفظ: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ العقل.

تلك الخطة والمنظومة لابد وأن تتكاتف فيها الأدوار: الشعبية، والأمنية الشرطية، والعسكرية. وفق إجراءات فعلية محددة تساعد كل طرف على أداء دوره، وتكشف وتحاسب متعمدي التقصير والإخلال بالأمن. هذا يستدعي تقصي واستكشاف مظاهر الانفلات الأمني ومصادر تخويف الناس وتهديد أمنهم كخطوة أولية ثم تفسيرها والوقوف على سبل علاجها  وفق هذه الرؤية المنظومية للأمن.

 

المحور الثاني: تقييم الجهود السابقة

 

تثبت الأحداث المتلاحقة ضعف جدوى ما قُدِّم من مقترحات من جهات مختلفة لمعالجة خلل المنظومة الأمنية في مصر، وكذلك عدم فاعلية ما أُعلِن أنه اُتخذ من إجراءات من قبل الأجهزة المختصة، رغم تخصيص ميزانيات ضخمة لهذا الغرض.

 

أولًا: مظاهر استمرار الانقلاب والانفلات الأمني:

تتعدد هذه المظاهر لتشمل كافة مناحي الحياة، بل يمكن القول إنها تشهد تطورًا نوعيًا يصل بطبيعة هذه المرحلة من الثورة وما يمر به كل من المجتمع وأجهزة الدولة من أزمات إلى حالة الذروة، ولا شك أن هذه الحالة هي مسئولية المجتمع والدولة معًا وكذلك الخروج منها.

ويمكن تصنيف مظاهر الانقلاب الأمني في المستويات الخمسة التالية:

الأول: البلطجة المنظَّمة التي أوجدها النظام السابق كداعم له ولا تزال آلتها تعمل بلا رادع.

الثاني: الإجرام العادي الذي يزداد في هذه المرحلة من عمر الثورات، وهذا كالسرقات وتجارة المخدرات.

الثالث: فوضى الشارع من الناس العادية التي أبرز ما يمثلها (فوضى المرور وإشغال الطريق).

الرابع: فوضى للاعتراض والغضب؛ إذ ارتفعت حدة التعبير عن الرأي والاختلاف بصورة مهددة لأمن في كثير من الحالات.

الخامس: الاضطرابات المقترنة بالاعتصامات والإضرابات كقطع الطرق المختلفة.

وإذا كنا تحدثنا في الرؤية المنظومية للأمن عما تتضمنه من رؤية مقاصدية، فإن تلك المستويات للتهديد تعصف بذلك كله، وتؤول إلى تهديد الأرواح والأعراض والممتلكات والبنية المجتمعية للشعب المصري.

إلا أنه مع الاعتراف بخطورة الأوضاع يجب أن نحدد حجم الظاهرة بدقة؛ فهل هي بالفعل بالحجم الذي تصوره أجهزة الإعلام، أم أن هناك تهويلا؟ وما معدل تكرار مظاهر الانفلات؟ وما درجة العنف بها؟ وألا توجد جوانب إيجابية لدى هؤلاء البلطجية يمكن تنميتها؟ كما ينبغي عدم تجاهل أثر الأوضاع الطارئة؛ وبينها على سبيل المثال الأوضاع الاقتصادية التي ساءت لدى كثير من الفئات ودفعتهم إلى أعمال السرقة، هذه الأوضاع التي هي محل نقاش النقطة التالية.

 

ثانيًا: أسباب استمرار مظاهر الانفلات الأمني:

1- إغفال الفلسفة الجديدة اللازمة للإصلاح والتي مفادها: أن يكون جهاز الشرطة خدميًا مدنيًا، حارسًا للدولة والناس لا للنظام، متلاحمًا مع المجتمع وليس السلطة.

2- عدم توفير المناخ والشروط الصادقة لتنفيذ الآليات التي انتقلنا إليها مباشرة. فعلى سبيل المثال، هناك مطالبات بالأخذ بتجربة جنوب إفريقيا بينما أن هذه الخبرة تأسست على المصارحة والمصالحة بين الأطراف المعنية بالأزمة، وهذا لم يتوفر في حالتنا حتى الآن.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن من أهم الشروط المفتقدة في عملية الإصلاح:

أ‌- فيما يتعلق بجهاز الشرطة غياب الإرادة لدى جهاز الشرطة في الإصلاح الداخلي؛ إذ كيف له أن يُصلح نفسه وهو لم يعترف بعدُ أنه قد أجرم في حق الوطن وأنه أفسد الحياة العامة والخاصة للمصريين ضمن النظام السابق وأنه لا يزال يحمل في أحشائه ميكانيزمات الفساد وكثيرا من رعاته، بل إنه يبدو من المناخ السائد أن الشرطة متعمدة عدم العمل وإحداث هذا الانقلاب الأمني الواضح.:

ب‌-        بالنسبة إلى الناس مترددون فكثير منهم حتى الآن غير متقبلين جهاز الشرطة نظرا لما كان عليه ولأنه لم يقدم جديدًا يؤبه به. خاصةً لأن الناس قد شعرت بقدرتها على الاعتراض بعيدًا عن قيود الخوف التي طالما فُرضت عليها، وتزداد خطورة هذا الأمر كلما لمس الناس تقاعس الشرطة عن حمايتهم، وتصوروا أنها من الممكن أن تكون سببًا في إجهاض الثورة.:

جـ- سياسيًا: هناك أزمة تتمثل في:

     - تردد المجلس العسكري في اتخاذ قرارات حاسمة في الشأن الأمني، ما يؤدي إلى تفاقم أمور كان من السهل تداركها.

      - غياب مجلس الشعب الذي من المفترض أن يلعب دورًا رئيسيًا في نقل احتياجات الناس والرقابة على أداء الحكومة بما فيها وزارة الداخلية، هذا فضلًا عن دوره التشريعي والحاجة إلى منومة جديدة من قوانين تنظيم العمل الشرطي والرقابة عليه وضمان فاعليته.

د- اقتصاديًا: هناك تردٍّ واضح في الحالة الاقتصادية أدى –كما أشير- إلى الإضرار بقطاعات واسعة، حيث توقف بعض الأعمال ومن ثم فقدان الكثيرين لوظائفهم واتجاه جزء منهم إلى وسائل غير مشروعة للكسب.

 

المحور الثالث: آليات التطوير المقترحة

وهنا، يتم تناول مستويين؛ أولهما يتعلق بمعالجة الأزمة الأمنية بشكلٍ عام، والآخر يتضمن بعض الإجراءات الخاصة بأمن العملية الانتخابية.

ومن الأسس التي تنبي عليها هذه الخطوات:

-التوازي والتنسيق والمشاركة بين الرسمي والشعبي؛ إذ إن عدم إحراز تطور مقبول يدفع بالبعض إلى القول بالاكتفاء بالشعبي.

الحرص على توافر المرونة وصياغة البدائل.

 

أولًا: معالجة الأزمة الأمنية بشكلٍ عام:

لما كان حفظ الأمن مهمة اجتماعية، ولما كان وصلت إليه أوضاعه مسئولية المجتمع بأكمله، فإن استعادته كذلك تقع على عاتق أطراف مختلفة.

* إجراءات تتعلق بالجانب الرسمي:

1- وزارة الداخلية:

أ- بالنسبة لقيادة الوزارة، فهنا يبرز اتجاهان:

- الأول، يرى ضرورة قيادة مدنية للشرطة (من خارجها)؛ وذلك بحيث يكون لديها فكر جديد، كما أنها ستكون أكثر قبولًا لدى الناس وغير محملة بأخطاء سابقة.

- الثاني، يكتفى بقيادة عسكرية شابّة (أي شرطية)، رافضًا قيادة مدنية لما من الممكن أن تثيره من مشكلات داخل جهاز الشرطة الذي لم يتعود منذ زمن طويل أن تأتيه قيادة من خارجه. وباعتبار أن الشباب الجاد قابل للتجديد ويمكن أن يتجرد من أغلال الفكر الذي ساد عقودًا داخل الجهاز والوزارة. أما ما دون ذلك من قيادات، فيُرى الأخذ بنظام المعاش المبكر وتصعيد الشباب؛ لأن هناك بعض القيادات من الصعب تأهيلها؛ إذ اعتادت لعقود على نمط معين من أساليب العمل.

 

ب- الضباط وأفراد الأمن العاديين:

يمكن الاستعانة بخريجي الكليات المختلفة من غير خريجي الشرطة، ككليات الحقوق وأقسام علم النفس والاجتماع في كليات الآداب. ذلك؛ لأن كثيرًا من أعمال وزارة الداخلية لا تحتاج لخبرة أمنية كبيرة، وإنما سيتم الاكتفاء بإعطاء دورات أمنية محددة لغير المتخصصين.

 

ج- جهاز الأمن الوطني (بديل أمن الدولة):

إن المهم فيما يتعلق بهذا الجهاز هو تغيير العقليات، إلى جانب الحيلولة دون اختلاط العناصر السابقة في الجهاز بالشعب بشكل مباشر، مع تغيير القوانين التي تكفل للجهاز أداء مهمته الشرعية بكفاءة وتحول دون تعديه حدوده أو تخطيه للنظم المعلنة، وتكفل الرقابة عليه من نواب الشعب.

د- إجراء تعديلات في نظام الحكم المحلي:

بحيث يتم -على سبيل المثال- انتخاب عُمد القرى ولا يعينون من وزارة الداخلية، كما يمكن تفعيل نظام الخفير بشكل أكثر تطورًا.

 

2- الجيش:

يجب أن يقوم الجيش بمساهمة أكثر وضوحًا يمكن أن تتمثل في:

- تقديم خبرته في التعامل السلمي مع المتظاهرين.

- ويرتبط بما سبق مزيد من الدور للشرطة العسكرية.

3- تشريعيًا:

بما أن هناك مدة تقارب الستة أشهر حتى ينعقد مجلس الشعب المقبل، فإنه من المقترح إنشاء برلمان للثورة يتكون من 500 عضو (ما بين أعضاء من البرلمان الموازي والأحزاب المختلفة وشباب الثورة).

هذا البرلمان تكون له صفة رسمية، بحيث يراقب أعمال الجهات المختصة، وكذلك يقوم بإجراء تعديلات قانونية تبرز الإيجابي وتعالج السلبي وتقديم مزيد من الضمانات القانونية كيفما يتعلق بعمليات القبض على المتهمين والتعامل معهم.

 

* على المستوى الشعبي: اللجان الشعبية

إن نجاح أي مبادرة للإصلاح والتطوير في أي مجال لابد أن تعتمد على وجود حشد وتوافق شعبي، وتزداد هذه الإمكانية في الحالة المصرية؛ إذ إن ما زال جزء كبير من الشعب غير مسيّس ويمكن استقطابه -ليس فقط عن طريق المليونيات- وإنما عن طريق تفعيل طاقته في أمرٍ يخصه لاسيما في مسألة شديدة الالتصاق بواقعه: كمسألة الأمن.

وتُعد "اللجان الشعبية" بكل ما تتضمنه من تفريعات من أفضل ما يمثل العمل الشعبي في هذا المضمار.

 

وتقوم المبادرة المقترحة لعمل "اللجان الشعبية" على الآتي:

 وجود إطار تنظيمي مناسب يمكن العمل من خلاله على المستويات جميعها، والتي يُقترح أن تكون أربعة مستويات على النحو التالي:

 

أولًا- اللجنة العليا للمبادرة:

وتتكون من مجموعة من قيادات سياسية وشعبية تتولى الإشراف العام على تفعيل المبادرة، وهذا من خلال متابعة لجنة إدارة المبادرة، والصلات المباشرة مع الأجهزة السياسية والتنفيذية والقدرة على ممارسة الضغوط عليها باتجاه التحرك الفعال وتفعيل الخطط الأمنية المعلنة أو الواجبة.

 

 

ثانيًا- لجنة إدارة المبادرة:

وتتكونمنقياداتتنفيذيةعاليةالهمةومؤهلةومدعمةبخبراتذاتصلةبالمشكلة، وتتولى وضع الاستراتيجياتوالأهدافوالأولوياتللمستوياتالمختلفةمنالعملالميدانيووضعالتوجيهاتالعامة، كماتتولىالإشراف المباشرعلىعمللجان العملالميداني.

 

ثالثًا- لجان إدارة العمل الميداني:

التي تشرف على مجموعات العمل. وهذه اللجان موزعة جغرافيًا، وستتم البداية بما تقتضيه الأولويات. وتتولى تجميع القوى وتقسيم المجموعات والتنسيق بينها، حيث إنها تتولى دراسة كل منطقة تعمل بها؛ لأن معطيات كل منطقة تختلف من حيث الظروف وطرق التأثير المناسبة.

 

رابعًا- مجموعات العمل الميداني من قوى شعبية:

وهي قد يكون عددها كبيرًا جدًا، إلا أنها توزع جغرافيًا ونوعيًا. هذه المجموعات تتولى العمل المباشر مع الجماهير، ومن الأعمال المقترحة بالنسبة لها:

رفع الواقع الأمني واقتراح الخطة المناسبة.

عقد لقاءات مفتوحة مع الشرطة.

-التنسيق مع المساجد والكنائس والمدارس وغيرها من المؤسسات المجتمعية لمخاطبة الناس وتوعيتهم بالواقع الأمني والمنشود من الجميع ووجوب دفع الإيذاء عن الناس. هذا بما يحدّ من انتشار روح البلطجة ويحاصر ممارساتها شيئا فشيئا، بما فيها مباشرة الذين يمارسون البلطجة بخطاب استيعابي؛ لاسيما أن مخاطبة الجوانب الروحية والإيمانية لدى البلطجية من أكثر وسائل التعامل المرجوّ نجاحها.

 

ومن الإجراءات المقترحة في هذا الإطار:

-   تحديد هوية خاصة للجان الشعبية الأمنية العاملة ضمن المبادرة بما يشمل زيًّا خاصًّا وبطاقة هوية مصدق عليها من جهات رسمية: مديرية الأمن أو المحافظة.

-       وجود غرف متابعة دائمة للتواصل مع الجماهير معروفة المواقع ويسهل التواصل معها من قبل العاملين والجماهير.

 

إلا أن أكثر ما يتم التشديد عليه فيما يتعلق بعمل اللجان الشعبية هو أهمية عدم الوقوع في أسر الهيراركية الجامدة، بل ضرورة إعطاء الأولوية للجان الميدانية، ومنحها درجة مناسبة من اللامركزية بحيث لا تغرق في رصد الواقع، وإنما تتعامل معه كما كان في بداية الثورة ضمن إطار من الحكمة والحنكة والالتزام بالقانون والأخلاق.

ذلك، إلى جانب التنبيه على ضرورة وجود مهام واضحة لكل مستوى، إذ إن دومًا ما تكون التفاصيل سبب فشل المبادرات المختلفة. كما أن ضمان تيسير العمل يتطلب التواصل والتنسيق مع الجهات الرسمية.

 

ثانيًا: إجراءات خاصة بأمن العملية الانتخابية (رئاسية، تشريعية):

رغم أهمية ما سبق من إجراءات وتطويرات لضمان أمن العملية الانتخابية، إلا أن هناك بعض الضمانات الخاصة التي يجب مراعاتها:

1-   الحشد للدفاع عن الحق في المشاركة دون خوف من انقلاب أو تلاعب أمني؛ لأن التواجد الشعبي هو أكبر ضمانة لنجاح العملية الانتخابية.

2-        تمكين اللجان الشعبية من العمل على صعيد كلٍّ من: حفظ الأمن والرقابة كمراقبين مدنيين.

3-        وضع كاميرات تصوير داخل وخارج قاعات الاقتراع للتأكد من حسن سير الأمور.

4-   الاستيثاق من المعلومات ومواجهة الشائعات؛ إذ تسببت كثير من المعلومات المغلوطة في هذه الفترة في العديد من المشكلات.

5-        تبديل الضباط بين الدوائر.

  

المحور الرابع: الإجراءات التفعيلية للمنتدى والمبادرة

وختامًا يطرح المنتدى مجموعة من الإجراءات التفعيلية التي يتولى المنتدى القيام بها خلال الفترة القادمة للمساهمة في تشخيص الحالة الأمنية في مصر وعلاج مواطن الخلل والقصور في مواضعها ومجالاتها المختلفة (الأمن الاقتصادي – الأمن الاجتماعي – الأمن السياسي – الأمن على الحياة)، لكي نصل إلى تحقيق "الأمن الإنساني".

وتتمثل تلك الإجراءات في:

1- عدم قصر اهتمام الحركات الإسلامية على الجانب السياسي، أو الانتخابات فحسب، وإيلاء مزيد من الاهتمام بالجوانب المدنية والمجتمعية، ويمكن أن يتم - في هذا الإطار- تأسيس لجنة للتبليغ والدعوة تقوم بتوعية مجتمعية للفئات المختلفة بأهمية الأبعاد الأمنية.

2-     توسيع دائرة عمل المنتدى فيما يتعلق بقضية الأمن على تيارات وحركات من غير الإسلاميين.

3- إلقاء مزيد من الضوء على التجارب الناجحة لمحاولة علاج الأزمة الأمنية، سواء على الجانب الشعبي (اللجان الشعبية وغيرها) أو الرسمي (الشرطة). ووضع أطر واضحة لتبادل الخبرات.

4-     التواصل مع الشباب داخل وخارج الحركات الإسلامية، والتشبيك مع ما يطرحونه من مبادرات.

5-     التركيز الإعلامي على الأزمة، وعلى الرؤية الكلية التي يطرحها المنتدى لقضية الأمن.

6-     تنظيم مؤتمر عام يناقش إشكالية الأمن (الأمن الداخلي في مصر: الأبعاد والإشكاليات وسبل العلاج).

 

ويستكمل اللقاء المقبل للمنتدى النقاش حول تفاصيل تلك الإجراءات وكيفية تنفيذها عبر مهام وجدول زمني محدد. وسيكون ذلك من خلال ربط الأبعاد الأمنية بالأبعاد الاقتصادية وبحث علاقات التأثير المتبادل بين الجانبين؛ ليكون اقتراب المعالجة أكثر عمقًا واتساقًا مع الواقع.