مفهوم الانتماء ودوائره المتحاضنة

 مفهوم الانتماء ودوائره المتحاضنة

المستشار طارق البشري

 

 07/04/2010

 

أولاً : ما الذي أقصده، أو ما الذي أفهمه من هذا التعبير "دوائر الانتماء"؟

 

دائرة الانتماء هي: مجموعة من البشر، يشملهم وضع اجتماعي لوصف يتصفون به بالتشابه فيما بينهم، ويكون هذا الوصف ذا فاعلية اجتماعية، أي يشكل لمن يتصف به مركزًا اجتماعيًا يتعامل به ويؤثر في حقوقه وواجباته الفردية أو الجماعية، مما يوجد صالحًا مشتركًا بين من يشملهم، ويُنتج وعيًا ثقافيًا والانتساب إليه ويحرك بواعث الدفاع عن وجووده.

كنا نقرأ في الكتب القديمة، ما يقرن الاسم بعبارات مثل: "الحسيني، البصري، الشافعي، الشاذلي، الأزهري، القرشي، السكندري، المالكي، القروي أو القيرواني...". هذه كلها وحدات انتماء ما إن تقترن باسم ما حتى تعرف نسبة صاحبه النَسَبية والإقليمية والمذهبية والحرفية والتعليمية، كل ذلك أو بعضه.

اسم الفرد لا يعرف الإنسان، إنما يعرفه إلى غيره ما ينتسب إليه من الجماعات، وهذه النسبة هي ما تشكل وعيه الثقافي وأسلوبه في إدراك الأمور.

 

 

الإنسان لا يكون فردًا أبدًا، إن لحظة ميلاده هي ذاتها لحظة انتمائه إلى "جماعة" وهي الأسرة المحيطة به، ثم ما تنسب إليه الأسرة من جماعات إقليمية جغرافية ومهنية وحرفية وتعليمية، ثقافية وسياسية. وهو يشب في إطار هذه الدوائر المترابطة، لأن ذويه ينتمون إليها جميعًا، ويتشكل وعيهم ويتطور من خلالها.

ومن هنا نلحظ العوار الذي تتصف به بيانات حقوق الإنسان العالمية (سواء بيان الاستقلال الأمريكي 1776، وبيان حقوق الإنسان الفرنسي 1789، وبيان الأمم المتحدة 10 فبراير 1948) لأنها نظرت إلى الفرد ولم تنظر إلى الجماعة، بل إنها أجرمت بحق الفرد في ذات الوقت الذي أهدرت فيه حقوق الجماعات (احتلال مصر 1798، تقسيم فلسطين 1948).

إن تجريد الفرد من الجماعة التي ينتمي إليها هو أول خطوات خيانة هذا الفرد، وتجرده بنفسه هو خيانة لنفسه، لأنه لا وجود له ولا ضمان له إلا من خلال من يعايشهم من جماعات. ولننظر إلى ما حولنا قديمًا وحاضرًا، سنرى أن الناس دائمًا جماعات، ولكن ما هي هذه الجماعات؟

 

**************

ثانيًا

 

بالتعدد السابق لدوائر الانتماء، يمكن أن نلحظ أن الغالب منها إنما يتشكل وفقًا لعدد من المعايير أو التصنيفات التي تتكرر في المجتمعات كلها:

-   ثمة تصنيف أساسه علاقة النسب، ومنه ظهرت الأسرة وظهرت القبيلة والعشيرة وغيرها من التكوينات البشرية التي تربط بينها علاقات القرابة أو العرق.

-   ثمة تصنيف أساسه نوع العمل، ومنه ظهرت تجمعات الحِرف والمهن المختلفة قديمها وحديثها، فقديمها مثل نقابات الحرفيين، وحديثها مثل نقابات العمال واتحادات الفلاحين والنقابات المهنية.

-   ثمة تصنيف أساسه اللسان، سواء ما تحدد وفقا لاختلاف اللغات أو ما تحدد وفقا لاختلاف اللهجات، ومنه ظهرت التشكلات القومية التي تتميز بتنوع اللغات.

-   ثمة تصنيف أساسه نوعالتعليم، وهو قد يتصل بتنوع المهن وما تستلزمه من تنوع دراسات، ولكنه أيضًا قد يتميز عن المهن بأنوع من التعليم تكون تقليدية أو حدثة أودينية أو نظرية ثقافية عامة،...

-   ثمة تصنيف أساسه أنواع عمل معينة ذات ثقافات ونظم خاصة، مثل الجيش ضباطًا وجنودًا، والقضاة، وأعضاء هيئات التدريس بالجامعات.

-   ثمة تصنيف أساسه الإقليم، ومنه ظهرت الوحدات الصغيرة مثل القرى والأحياء والنواحي السكنية، أو الوحدات الكبيرة مثل الأقطار والأقاليم وغيرها.

-   ثمة تصنيف أساسه الدين، ومنه ظهرت جماعات الأديان والمذاهب والملل والطرق والطوائف المختلفة: مسلمون ومسيحيون، سنة وشيعة، طرق صوفية،...

 

**************

 

ثالثًا

 

هذه الوحدات أو الدوائر تتحدد وتتبين ملامحها وتتعدد طبقًا لمعيار التصنيف الذي نفرز به الظواهر والآحاد. ولذلك:

* فهي دوائر لا تقع تحت حصر؛ إذ كلما جدَّ معيار للتصنيف كلما ظهرت دوائر جديدة، شريطة أن يكون معيار التصنيف معبرًا عما جد في المجتمع من علاقات ومراكز جديدة للتعامل.

* وهي دوائر ليس من شأنها بالضرورة أن تنشئ استقطابًا وصراعًا بين بعضها البعض، لأن وصف التداخل والتشارك بين الأفراد المنتمين إليها وبين الدوائر الأخرى ينشئ إمكانية دائمة للتعامل وللتحاور وتحقيق المصالح بالاتفاق والمساومة.

* بمعنى أن هذا التداخل يشكل عاصمًا من التفكك والتضارب، ويسهم في توحيد القوى وفي التماسك الاجتماعي العام. وذلك كما يحدث في البنيان المرصوص عندما تتداخل أجزاؤه في بعضها البعض بما يشكل في النهاية بناءً واحدًا يشق بعضه بعضً.

* وهي دوائر قد تتنوع بين خصوص وعموم؛ حيث يشكل بعض منها أجزاء من دوائر أخرى، مثل حال إقليم معين عندما يزرعون قوى الإقليم ذاته.

* وهي دوئر غير ثابة ولكنها متغيرة ومتحولة، لأن حرفًا تذوي و حرفًا تنشأ، ومذاهب تزتدهر ومذاهب تزول، وبما نفعله مثل الهجرة إلى المدن من خفوت الوزن الاجتماعي لعلاقات النسب والمصاهرة من أبناء العشائر والأسر.

* ودوائر الانتماء بعضها يحكم بعضًا، بمعنى أن يكون البعض منها خاصًا لمصالح عامة تجمعها وتجمع غيرها ممن يتشاركون في علاقة خصوص وعموم. فالأعم منها يحكم الأخص ويخضعه للمصالح الأعم مع إسباغ الحماية عليه.

 

**************

 

 

 

 

رابعًا

 

وثمة أمران متعلقان بمفهوم الانتماء:

أولهما: أن دوائر الانتماء هذه تتنوع نوعين متميزين: نوع منهما يشمل الفرد دون أن يكون للفرد المشمول إرادة في اندراجه في هذا الانتماء، مثل دائرة اللغة أو الدين أو النسب، وكذلك دوائر العمل والمهن ونوع التعليم التي يندرج فيها الفرد لا لكونه شاء أن ينضم إلى هذه الدائرة، إنما هو اختار العمل أو نوع التعليم أو الطريقة الصوفية في العبادة، لأسباب تتعلق باختياره لهذه المهنة أو نوعالتعليم أو طريقة العبادة، ثم هو اندرج في هذا الانتماء نتيجةذلك دون أن يقصده في ذاته.

والنوع الثاني هو هذا الاندراج في انتماء قصده الفرد لذاته ودخل فيه بموجب سعيه للاندراج فيه والانتماء إليه، وذلك مثلما نلحظ في إنشاء الجمعيات والأحزاب وغيرها من التكوينات الاجتماعية التي نشأت أصلاً بسبب سعي أناس لإنشائها لتعبر عن دعوة لهم سياسية أو اجتماعية، أو نوع نشاط يؤدونه لأنفسهم أو لغيرهم.

ثانيهما: أن دوائر الانتماء هذه تتنوع نوعين متميزين آخرين: نوع يصلح لأن تنشأ به جماعة انتماء سياسي تقوم على أساسه الدولة، ويغير حينها داءرة الانتماء الأعم التي تخضع لها كل دوائر الانتماء النوعية الأخرى. ونوع لا يصلح لهذه المسألة ولم يعرف التاريخ له صلاحًا في أي من تجارب الأمم والشعوب، وذلك لأن الوصف الذي قامت عليه أي من دوائر الانتماء الفرعية هذه إنما يقوم على أمر محدود لا يستوعب ما يستلزمه وجود الجماعة السياسية من أنواع عمل مادي وثقافي ومعيش متكاملة ومتساندة ومتعددة في وظائفها. ويستحيل -نظرًا وواقعًا- أن تنشأ جماعة سياسية على أساس من انتماء لنوع حرفة معينة أو تخصص مهني محدود، إنما الأمر يستدعي أن تكون الأوصاف الصالح بعضها لنشأة الجماعة السياسية من الشمول والثبات بما يجعلها خليقة بأن تكون الحاكمة لغيرها من الجماعات والدوائر على المدى الزمني الذي تقاس به المراحل التاريخية طويلة المدى، وهذا ما يمكن الإشارة إليه الآن.

 

**************

 

خامسًا

 

التصنيف الذي يصلح لقيام الانتماء لما يقوم بوصفه الجماعة السياسية، هذا التصنيف يتعين أن يتصف بعدة أوصاف لازمة؛ الأول أن يكون عامًا يشمل من الجماعات ما يصلح لأن تتكامل به وظائف العيش المشترك وفقًا للمستوى الاجتماعي والحضاري والثقافي السائد في مرحلة تاريخية معينة وفي بيئة معينة، فهو يكون الوصف الأوسع والأشمل في نطاق تكامل الفاعلية الاجتماعية، ولذلك لا تصلح الأوصاف المتعلقة بالعمل المتخصص مثلاً، لقصورها عن تغطية هذا التكامل اللازم لقيام الحياة الاجتماعية.

والثاني أن يكون وصفًا ذا استمرارية طويلة؛ بحيث لا يشمل التغيرات الطارئة والتغيرات الطوعية الإرادية للأفراد، وبحيث يستحيل على التغيير إلا إلا عبر العديد من الأجيال وبما يتجاوز العمر الفردي للإنسان، فلا الإرادة الفردية ولا العمر الفردي ولا الممكنات الذاتية مما يمكن أن تغيره.

والثالث أن يكون وصفًا لصيقًا بمن يتصفون به لا يقوم على اختيار حر لهم، وإنما يتشكل عبر مرحلة تاريخية، ويتشارك الاتصال الجغرافي والاستمرار التاريخي في تشكيله الموضوعي بين الناس المتصفة به، ثم في تشكل الوعي الثقافي الجماعي بوجوده وبكفايته لقيام جماعة سياسية متميزة بذاتها وقادرة على إدارة شئونها المتكاملة.

ومن ثم فإن جماعة الانتماء العام، وهي ما يسمى بالجماعة السياسية، يمكن التعريف بها بأنها "مجموعة من البشر تتحدد وفقًا لتصنيف معين يقوم على وصف لصيق وفعال يصدق على المتصفين به ويميزهم عن غيرهم، وذلك حتى كانت الأوضاع التاريخية قد رشحت الجماعة المتصفة بهذا الوصف بأن تقوم بوظيفة محددة لحماية أمنها الجماعي المشترك وصالحها بعيد المدى، فضلاً عن إدارة أمورها المشتركة.

وقد عرفت تجارب التاريخ المعروفة ثلاثة أوصاف قامت على أساسها الجماعات السياسية، وهي الوصف النَسَبِي الذي قامت به جماعات سياسية أساسها القبيلة أو العشيرة، والوصف الديني الذي قامت به دول وجماعات سياسية أساسها الدين، والوصف اللغوي الذي قامت به دول وجماعات سياسية أساسها القومية. وكل ذلك في أي من حالاته كان يجري اختماره باجتماع عوامل جغرافية وتاريخية وثقافية مع أوضاع سياسية مكنت من تبلور أي من هذه الجماعات، وبتمام قيام أي منها تقوم الدول على أساسها.

حركة التاريخ وتفاعلاته هي ما يصنع من هذه المادة الخام جماعة سياسية، وهي ما يمكن من قيام دولة على أساسها ويبقيها علىالمدى التاريخي المناسب.

* شاهدنا في حركة التاريخ الأوروبي قيام التجمعات الإقطاعية تحت هيمنة الكنيسة الكاثوليكية، ثم الانتقال إلى الجماعات القومية على أساس اللغة، ثم مرحلة التحول إلى الاتحاد الأوروبي الجارية حاليًا.

* وشاهدنا في حركة التاريخ العربي التكوين القبلي الذي تحول إلى جامعة الإسلام وقيام الجماعة بجامع الدين، ثم التجزؤ القطري الحادث بفعل الاستعمار الغربي وبتفاعل الوحدات القومية، وهكذا.

أقصد من ذلك أن ثمة حركية بين كل الانتماءات العامة الصالحة لتكوين جماعات سياسية، وأنها بفعل الحدث التاريخي وتفاعلاته تتبادل المواقع بين أن تكون إحداها حاكمة للأخريات، ثم تصير محكومة من جماعة أخرى.

* وعندما يكون الدين وحدة الانتماء العامة الحاكمة التي تنشأ بها الجماعة السياسية، تكون ما احتوته من وحدات لغوية وقبلية دوائر انتمائ فرعية خاضعة للوحدة الحاكمة (العرب، الفرس، الترك): قريش حاكمة للمسلمين بالجاهلية ثم انعكس الوضع.

* وعندما تكون اللغة هي وحدة الانتماء العامة الحاكمة، تصير الدين والقبائل والعشائر من وحدات الانتماء الفرعية المحكومة.

* كانت الجماعة السياسية القرشية قبل انتصار الإسلام تضم وتحكم الإسلام في صدره الأول وتحميه العصبية القبلية لبني هاشم، ثم بعد انتصار الإسلام صارت التكوينات القبلية محكومة بالجماعة الإسلامية مثلما رأينا في حروب الردة. ذم صارت هذه الجماعة بعد توسعها تضم العرب والفرس والترك وغيرهم. ثم مع نشأة القوميات في العصر الحديث، صارت القومية العربية مثلا تضم مسلمين ومسيحيين وغير ذلك.

وقد شاهدنا في تاريخنا الحديث هذه العمليات من نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، وكان ظهر من قبل التكوين الفارسي، ثم ظهرت حركة التتريك والجامعة الطورانية، وكذلك الحركة العربية، وغير ذلك.

 

**************

 

سادسًا

** الجماعة الحاكمة عليها وظائف جد مهمة:

أولاً- أن تحمي الأمن الجماعي لذويها من المخاطر الخارجية.

ثانيًا- أن تحمي وحدات الانتماء الفرعي المشمولة بها وتوجد طبيعة التنسيق بين هذه الدوائر وفقًا للوزن النسبي لكل منها، وحماية مصالحها تجاه الأخرى في ذات الوقت.

ثالثًا- الإدارة العامة للشئون الجارية للجماعة والتنسيق بين مكوناتها.

وإذا غيرت أي من ذلك، فإما:

أ‌-        أن تغير من سياساتها

ب‌-   وإما أن تنكسر وتتغير

 

** الدائرة الفرعية، تخضع لحكم الجماعة العامة بشرط:

أن تجد الحماية منها والآليات لتحقيق مصالحها وتسيير شئونها، بما يتناسب مع حجمها وثقلها الاجتماعي بالنسبة للدوائر الأخرى.