دوائر الانتماء وتأصيل الهوية


ملتقى الحضارة 2010

 دوائر الانتماء وتأصيل الهوية:خلاصات ودلالات

31/12/2010

على الرغم من عدم شيوعه، وضيق ساحات استعماله وتداوله، وعلى الرغم من غلبة معاينه السطحية، فيبدو أن مفهوم "الحضاري" بدلالاته على الكلي الجامع بين مجالات الحياة الواصل بين الثنائيات المتقابلة، أضحى يفرض نفسه على العقل المعاصر. فالحضاري هو الكلي الحاضن لجزئيات الحياة وتناصيلها، وهو الخيط الناظم بين السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والتاريخي والجغرافي والتربوي والمعنوي والسكوبي، وهو الرؤية التي تجمع بين الثابت والمتغير، والمادي والمعنوي، والتاريخي والمستقبلي، والفكر والواقع، والعلم والعمل، والداخلي والخارجي، والديني والدينوي... فتتضافر وتتكامل ولا تتنافى أو تتضارب.

 

هذا المعنى الذي نعبرّ عنه بـ"الحضاري" أصبح من الأهمية بمكان الوعي به، والتفكير به، والاجتماع عليه. فالسياسي المنبتّ الصلة عن الاجتماعي، والثقافي المنقطع عن الاقتصادي، والجري وراء المتغيرات منفصلةً عن الثوابت، ومعالجة الفروع منزوعة عن أصولها، والنظر إلى الماضي بمعزل عن الحاضر والمستقبل، ومواجهة المشكلات الجزئية اليومية بعيدًا عن الوعي بأطرها الكلية... هذه الطرائق من التفكير والتدبير والعمل باتت تمثل أزمة فوق الأزمات، وعاملاً من عوامل إنتاج مشكلاتنا المتراكمة. لا بد أن نفكر بطريقة كلية، وننظر للأمور في كليتها، ونغلّب الوصل بين عناصر الحياة لا الفصل أو المنازعة،... لا بد أن ننظر للأمور من خلال منظور حضاري.

من ذلك قضية كبرى مثل قضية "الانتماء" فأول ما يتبادر إلى الذهن إزاءها هو بعدها السياسي: أي الانتماء إلى الأوطان أو الدوائر السياسية الأخرى، والتمييز بين انتماء إلى الوطن يعرف بالوطنية، وانتماء ولاء النظم حكم أو اتجاهات سياسية معينة يدخل في حيز الأيديولوجيا. لكن تدفيق النظر في مفهوم الانتماء يؤكد أهمية ربطة بجذوره الثقافة وسياقاته الاجتماعية والاقتصادية والفكرية ودوائرة المتنوعة المحلية والإقليمية والإنسانية والنوعية، وضرورة البحث عن صيغة جامعة ناظمة بين هذه الأبعاد والجوانب المتنوعة. وليس ثمة منظورة يقدم هذه الإمكانية سوى المنظور الحضاري الكلي الشامل، سواء كان من مرجعية إسلامية على نحو ما تقدمه مدرسة المنظور الحضاري في مصر، أو من مرجعيات أخرى تعترف بأهمية الأبعاد القيمية والثقافية والفكرية للظواهر الاجتماعية والإنسانية بعامة، في دراستها وفي التفاعل العملي معها.

عقد مركز الحضارة للدراسات  السياسية –وبالتعاون مع مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات كلية الاقتصاد جامعة القاهرة- ملتقاه الشهري للعام 2010 (للسنة الثالثة) في ست حلقات متكاملة؛ لمناقشة هذه القضية الأم: دوائر الانتماء وتأصيل الهوية؛  في محاولة لاستبيان حال الانتماء اليوم في مصر وعالم العروبة والإسلام، وما يتقاطع معه من دوائر، بين الواقع المشهود والأمل المنشود. تحدث في هذه الحلقات نخبة من كبار المفكرين والعلماء، وشارك فيها مجموعات مختلفة من المعنيين بهم الانتماء والدوائر الحضارية والإنسانية، وجرت الكثير من المدادلات والمداخلات التي أكدت كثيرًا من الرؤى الحاضرة والشائعة، كما كشفت عن كثير من الحقائق والأبعاد الخطيرة فيما يتعلق بحاضر الوطن والأمة والعالم، وإرهاصات المستقبل القريب.

عقد الملتقى لقاءاته الستة على النحو التالي:

1-      المستشار طارق البشري.

2-      د.مصطفى الفقي.

3-      د.أحمد يوسف أحمد.

4-      د.إبراهيم نصر الدين.

5-      د.نادية مصطفى.

6-      د.عمرو الشوبكي.

ويمكن إجمال الخلاصات الأساسية لهذه اللقاءات على النحو التالي:

أولاً- تأكيد حقيقة التداخل في مفهوم الانتماء ودوائره:

نفعل الانتماء متعلقة دائمًا بما هو محل للانتماء (المنتمي إليه)، وإذا كنا نعني بالمنتمي (فاعل الانتماء) الإنسان بعامة، والإنسان المصري بخاصة، فإن دوائر انتمائه تتعدد وتتعقد وتبدو من التداخل والتشابك والتقاطع والتركّنب بمكان. ولقد كانت الفرضية الأساس التي تنطلق منها رؤيتنا للانتماء من منظور حضاري –وكما أعربت عنها ورقة العمل الأساسية- أن هذه الخصائص مآلها التكامل وموئلها الإنسانية الجامعة القويمة، القابلة وللتنوع والتعدد، والحاضنة للخصوصيات والتمايزات الثقافية والحضارية والدينية والفكرية، والنوعية والإثنية بلا عنصرية ولا استعلاء. ولقد كشفت حلقات الملتقى –على تنوع مداخلها ومشارب المفكرين والمشاركين فيها- عن تأكيد ظلهذه الفرضية، وأن الواقع الراهن يشدد على صدقية التنوع، وضرورة التكامل، ووجوب التعارف بين دوائر الانتماء. لقد كان تأصيل المستشار طارق البشري لهذا المعنى سبّاقًا وعميقًا وموضوعيًّا حين أسس لمفهوم "دوائر الانتماء المتخاضنة"؛ موضحًا كيف يتواجد الإنسان –في كل مكان وزمان- ضمن شبكة من الانتماءات والتصنيفات التي لا يلزم أن تتعارض أو تتنافى، بل إن طبائع الأمور تجعلها تتواكب وتتراكب، وربما تتكامل وتتساند، فلا مشاحّة في تعدد الانتماء، طالما معايير التصنيف تتضارب.

فالفلاح القريوي القليوبي المصري الإفريقي العربي المسلم، شافعي المذهب الفقهي، شاذلي الطريقة الصوفية، وفدي التوجه الحزبي، المنحدر من الأسرة الفلانية، المنتمي إلى الجمعية المدينة العلانية... كل هذه انتماءات لا تعارض بينها، ولا يصح أن يفرض انتماء منها سطوته ليلغي ما عداه.

ولكن من ناحية أخرى، فإن الانتماءات لا تتكافأ من حيث الاختيار والاضطرار. فبعض الانتماءات تولد مع الإنسان ولا خيار له في استمرارها، وكالانتماء العائلي والوطني واللغوي والعرقي والإقليمي، وبعضها يكون للمرء خيار في استمراره أو عدمه كالدين أو المذهب، وبعضها يتخيره الإنسان بعد تمييزه واكتمال وعية كالتوجه السياسي والأيديولوجي وما إليه. ومن ثم لا يصح ضرب ضروري في اختياري، وإنما الاختيار يكون في مقام إتاحة الاختيار. فمن اختار البقاء على دين أو مذهب فقد فضّل عدم الانتماء لغيره، ومن اقتنع باتجاه فكري أو سياسي أو مذهبي معين فقد يعني ذلك عدم رغبته في الانتماء لما لا يجتمع معه من اتجاهات أو مذاهب. وإنما يقع التعارض بين هذه الانتماءات عندما تتعارض منطلقاتها أو غاياتها أو مساراتها، ولكن لا يلزم من هذا أن يندلع بينها الصراع. وإنما يكون الصراع أو التدافع أو التعارف أساسًا للعلاقات بين الانتماءات المختلفة على أساس من رؤية العالم والنموذج المعرفي الذي ينطلق منه أرباب كل دائرة انتمائية.

والخلاصة أن الإنسان المصري العربي الإفريقي المسلم الذي هو جزء من عالم اليوم تقارب المسافات، ليس مفروضًا عليه أن يتخير بين مصريته (وطنيته) أو عروبته (قوميته ولسانه) أو إفريقيته (قارئه وإقليمه) أو إسلاميته (دينًا أو حضارة بالنسبة لغير المسلم)، أو انتمائه للدائرة الإنسانية والعالمية حيث فضاؤه الأرحب. إن الرؤية الحضارية الجامعة تصبح في هذا المقام فرضًا وواجبًا؛ من حيث العقل وفكره، والدين وقيمه، والواقع ومعطياته. فالواقع والواجب معًا متفقان على ضرورة الأخذ والعمل بهذا المفهوم (دوائر متخاضنة لا متنافية).

لقد برزت –في آونة قريبة- رؤيتان قاصرتان لدوائر الانتماء وأصول الهوية المصرية العربية الإسلامية، على الرغم من تناقض متطلقات كل منهما. فالأول رؤية دينية ترى الوطنية ولاء لغير الله ورسوله والمؤمنين، والقومية العربية انتماء مصطنعًا لا أصل له، والأخوة الإنسانية مدعاة لتمييع التمايز العقدي والاختلاف الديني. وربما دفع هذه الرؤية طرفها البعيد ما جدّ من فكر علماني يرمى إعادة تأسيس الهوية والانتماء خارج دائرة المرجعية الحضارية الأصيلة ومني قلبها الإسلام. برؤية ومبادئه الإنسانية الجامعة. ولكن على كل وقع ردّ الفعل الديني النافي لمعاني الوطنية والقومية والإنسانية في نفس فخ الغلوّ والتجاوز الأعمى، وليس الاستيعاب البصير الذي مارسته التجربة الحضارية الإسلامية عبر تاريخها، ومن ناحية أخرى، ظهرت رؤى تزعم أن الحديث عن رابطة دينية في القرن العشرين سخافة أو كارثة أو تخلف (راجع سلامة موسى وطه حسين)، وأن العصر والمعاصرة لا يسمحان إلا بالرابطة على أساس التراب والإقليم والعنصر، فكما أن انجلترا للإنجليز، وفرنسا للفرنسيين، فيجب أن تكون مصر للمصريين، فقط وليس إلا.

والحق الفضيلة وسط بين تطرفين، والغلو إلزام بما لا يلزم، وليّ لأعناق الأمور حتى تتوافق مع رؤى قاصرة وانفعالية، متطلقها شهوات أو مخاوف أو شبهات مستحكمة.

 

ثانيًا- الارتباط الوثيق بين الهوية والانتماء والقيم المعنوية، وبين جانب المصالح المادية والعملية ضمن دوائر الانتماء المختلفة:

فالانتماء إلى المضرّ والفاسد من كل وجه ومجال، والانتماء إلى عديم النفع والإفادة لا يكون قويًّا ولا فعّالاً... وما انتماء الإنسان إلى ما هو في ظاهره غير صالح ولا مفيد، إلا لأنه يحقق له في الباطن مصلحة معنوية، وجانبًا من جوانب تكوينه الضروري. فللانتماء جناحان على قدر قوتهما يكون تحليقه وارتقاؤه: جناح جواني ينطلق من الهوية وتحقيق الذات، وهذا بعضه ضروري غير مكتسب كالانتماء للأيوبين أو للأرض التي نشأ الإنسان عليها، وبعضه يكتسبه الإنسان عن رويّة وتناعة كالانتماء للدين والاتجاه الفكري والسياسي والحضاري وقيمها. وجناح برّاني يتعلق بالمصالح المتبادلة والمنافع المحصّلة بين الإنسان المنتمي، ودائرة انتمائه. وكلما ضعف أحد الجناحين في نفوس المجتمعات وأفرادها، أو في واقع حياتهم ومعايشهم كلما وهن حبل الانتماء وتعرض للترهل والانقطاع.

لقد كشفت المداخلات والنقاشات عن أهمية أن تتحول معاني الهوية الذاتية، وصلات الارتباط المعنوية، بالوطن والأمة والإقليم والإنسانية إلى حقائق واقعية، ومصالح ملموسة، يجني ثمارها الأفراد والجماعات والأوطان، كما تفيد منها دائرة الانتماء نفسها. ولقد تضاربت الرؤى حول أكثر الدوائر فعالية وصلاحية اليوم؛ بين من يرى أولوية الوطن، ومن يرى أولوية الإقليم الاستراتيجي، ومن يعوّل على دوائر نوعية أو الدائرة الحضارية الإسلامية، فضلاً عمن يدعو لمنح مزيد عناية بالدائرة العالمية وقيمها وأهمية الاستفادة من الالتقاء بها.

ولقد كان لميزان المصالح والأعباء مكانة البارز في هذا المضمار. وجرى حديث عن أهمية إيلاء الوطن –منفردًا- قسطًا أكبر من الانتماء والتركيز؛ والدفع بأن ثمة دوائر أخرى تمثل تبعاتٍ وأثقالاً أكثر من كونها مصادر قوة وتعزيز كالدائرة العربية وما جرّته على مصر من حروب وأعباء لم تزل مصر –وفق هذه الرؤية- تدفع ضريبتها إلى اليوم. بينما دفعت وجهات نظر أخرى بأولوية الدائرة العربية لمالها من بعد استراتيجي لا يثير مخاوف العالم من مثل الانتماء الإسلامي وهواجس الهوية الدينية ومخاطر الدخول في صراع بين الحضارات والأديان.

وبالمثل تراجعت دوائر هوية وانتماء مثل الدائرة الإفريقية، والإسلامية حين لم تعد تترجم عوامل الارتباط التاريخي والحضاري بها إلى مصالح وطنية واستراتيجية واضحة، بل جرت تصويرات للارتباط. لا على أنها –كما تقدم- أعباء وإشكالات لم يعد في الإمكان تحملها اليوم. بل إن دائرة الوطن نفسها صارت عرضة للتراجع والتحلل حق ميثاقها الغليظ مع تخلف أحواله في المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية.

لا شك أن من الانتماء ما لا يُثمن –ولا ينبغي أن يُثمن- بالمصالح المادية والعوائد الاقتصادية، وأن مفهوم المصلحة –من نحية أخرى- ينبغي ألا يقتصر في الوعي على هذه الجوانب الاقتصادية؛ إذ إن عزة الفرد وكرامته في وطنه، وكذلك مكانة الوطن في الساحة الدولية والإقليمية واستغلال إرادته وامتلاكه زمام أمره هي من المصالح القيمية والقيم المصلحية في آن والتي لا يصح –بحال- إهدارها من معنى المصلحة والمنفعة... لكن حال التخلف والإهدار العام الذي تعيشه الأمة وأقطارها يقف على رأس عوامل تراجع الانتماء واتساع مساحات الاغتراب والانفصال المعنوي عن دوائر الانتماء الحيوية.

 

ثالثًا- الانتماء في أزمة على كافة الأصعدة: ملامح وأسباب

ومن ثم تطرقت الحوارات إلى حقيقة أن الانتماء –إلى سائر دوائره البارزة ومن ورائه الهوية والشعور بالذات وحقيقتها في مصر وسياقاتها الإقليمية والحضارية- واقع في براثنة أزمة خانقة مركّبة. وتضافرت المداخلات في الإعراب عن ملامح هذه الأزمة، والأعراب عن عوامل إيجادها واستفحالها.

لقد تسابقت مداخلات جيل الشباب بالأخص في التعبير عن حالة اغتراب واسعة؛ على كافة الأصعدة. وعلى الرغم من التأكيد على ضرورة تساند دوائر الانتماء وأن تسير في خط من العطاء المتبادل، فإن المشاركين أكدّوا –في معظمهم- على واقع الثقافي والتضارب، وأن ثمة ملامح خطيرة لظاهرة الاغتراب وضعف الانتماء لعل من أهمها:

(1)  التفكك الأسري وتفسخ علاقات المجتمع وجماعاته الفرعية.

(2)  برودة حسي الوطنية والارتباط بالوطن.

(3)  وصول الشعور بالوطن أحيانًا إلى حال من النفور والكراهية.

(4)  الغياب البعيد عن دوائر مثل العروبة والأفريقية.

(5)  إثارة الهواجس حول الانتماء إلى الدائرة الإسلامية.

(6)  تداخل الدائرة العالمية مع واقع الهيمنة الغربية والعدوان على عالمنا.

(7)  الخلط بين أنظمة الحكم والأوطان وعدم القدرة على الفصل بين السياسات والهوية.

(8)  الخلط بين السياسي والحضاري، والعجز عن التفاعل مع معاني الحضاري والمرجعية الحضارية.

(9)  قياس الانتماء والهوية والشعور بالذات بالمردود المادي والاقتصادي البحت.

(10) عدم القدرة على ترجمة الانتماء النفسي إلى مشاركة فعّالة وتنمية وبناء.

(11) الشعور بأن التغيرات العالمية والوطنية تمضي باتجاه مزيد من الانتماء، وعدم القدرة على التفاعل الإيجابي معها من منطلق حفظ الانتماءات الأصيلة.

(12) التحولات الثقافية في اللغة المتداولة، والتعليم والإعلام والفنون والآداب واتجاهها إلى التخفف من أعباء الانتماء إلى الوطن أو الأمة، لصالح اللامسئولية واللاارتباط.

(13) مناسبية الانتماء، وتفاهة مقاماته مثل الانتماء الكروي الذي يتقنع بالوطنية لضرب القومية، أو الانتماء الحزبي المتسربل بالعقلانية الاقتصادية لنفي أصالة الانتماء الحضاري، أو الانتماء لنظم حكم مستقيلة عن مهامها تدعي الحسابية الاستراتيجية لصالح التخلي عن انتماءات قومية أو حضارية لا محيد عنها لدى الشعوب.

(14) معضلة الاختراق بين الانتماءات الشعبية وانتماءات النخب الفكرية والسياسية، وأي نوعي الانتماءات الشعبية وانتماءات النخب الفكرية والسياسية، وأي نوعي الانتماء هو الذي يقود الواقع والأوضاع والعلاقات والسياسات.

(15) معضلة العلاقة بين الانتماء وظواهر الفساد والاستبداد والكساد والتبعية.

(16) انفراط الخيط الناظم لمعنى الانتماء والهوية، وتسميم التراتب بينها.

ولقد تبارت الرؤى في تفسير هذه الأحوال، ونال الجانب السياسي النصيب الأكبر من التبعية والتسبيب. ثم التخلف الحضاري العام، بما يشتمل عليه من تخلف اقتصادي، واستبداد سياسي في الداخل، وتبعية للخارج، وثقافات دخيلة مضيعة أضعفت مناعة الشعوب، وبرّرت سياسات الانكفاء عن العرب والمسلمين والأفارقة، لصالح شراكات ظاهرها الاشتراك وباطنها الاستتباع والإلحاق، وترويج لمواطنة عالمية موصومة، ومساواة دولية مزعومة.

وتنافت بالأخص العوامل السياسية والأسباب المنسوبة للمجتمعات في هذا الصدد.

وعلى كل فقد كشفت سائر هذه السجالات مرة بعد أخرى –من أهمية الرؤية الكلية لملامح ضعف الانتماء، وعوامله، الأمر الذي يؤكد على أهمية المنظور الحضاري في التفاعل مع هذه القضية ومثيلاتها.

 

رابعًا- مؤشرات الانتماء:

ومن هنا كان ينبغي أن نستكشف ما يراه المشاركون من عناصر للانتماء ومؤشرات واقعية له؛ بحيث يوجد الانتماء بوجودها، ويفقد بفقدها، ولعل من أهمها:

1-   ثقافة الجماعة: فالفردانية هي ألد أعداء الانتماء الصغير والكبير.

2-   الرؤية الحضارية: فالرؤى المبتسرة والجزئية لا تضع انتماء حقيقيًّا، وإن أعمت ارتباطًا ما.

3-   الثقة في الوطن

4-   الأمل الفسيح في مستقبل الوطن والأمة.

5-   الانتماء بالعمل، فالتعود عن أداء الواجبات لا سيما ذات البعد العام إنما هو إمارة الاغتراب أو الخيانة.

6-   المشاركة العامة.

7-   العمل الخيري والتنموي.

8-   التماسك الأسري والاجتماعي.

9-   ثقافة المجال العام.

10- التضامن عبر الأقطار نحو الأمة والإنسان.

11- مقارنة الفساد والاستبداد.

وإذا كان الانتماء حقيقة معنوية، فإن الذي أكد عليه الملتقى أنه بلا تجسيد لروح الانتماء، فإنها تتلاشى شيئًا فشيئًا.

 

خامسًا- وظيفية الانتماء وغائيته:

وهذا يتصل بحديث مصلحية الانتماء وقيميته. فمن المهم التأكيد على أن للانتماء منطلقه الذي ينبع منه، والذي يجد الإنسان نفسه مدفوعًا إلى الإحساس به واعتناقه، وأنه ينبغي لمنطلق الانتماء أن يصبّ في النهاية في وظيفة حياتية فعّالة تؤكد على صدقية الانتماء، وتجسّد طاقاته، وإلا ضمرت شجرته بعد حين وأكل بعضها بعضًا.

فالانتماء إلى الأوطان والدوائر الحضارية والإنسانية ينبع من القلب والوجدان، وتحركه الفطرة وربما الغريزة الحية، والانتماء إلى الدوائر الاستراتيجية قد يصدر عن التفاعات العقلية والحسابات الراشدة، لكن هذا لا يكفي ما لم يمارس هذا الانتماء وظائفه وأدواره، ويصل إلى غايات واقعية في مسيرة الحياة وتفاعلاتها. فالإيمان قول وعمل، وكذا الانتماء. فالانتماء إلى الأوطان ليس شعرًا ولا شعارات، والانتماء إلى الدائرة العربية ليس بالأماني ولا الأغاني، والانتماء إلى أمة الإسلام وحضارته ليس طقوسًا ولا مظاهر، والانتماء إلى الدائرة الأفريقية والإنسانية لا يكفي فيه إعلان البراءة من العنصرية أو الاستعداد للتضامن مع قضايا هنا وإغاثات هناك.

إن الانتماء لا يكتمل ولا يتحقق إلا حين يحب المرء لأهله ما يحب لنفسه، وحين يكره لهم ما يكره لنفسه، إلا حين يسعى في مصالح دائرة الانتمائه كأنما هي مصلحته الخاصة، وحين تكون فعاليته في الحياة جامعة بين خاصه وعامّه، ووطنه وأمته، وعنايته بشأن المعمورة وعمارها جزءًا من عنايته بشأنه الكلي.

 

سادسًا- خصوصية المداخل وتنوع النتائج

لقد حرص معدّو الملتقى على تنويع الحضور، محاضرين ومشاركين ومداخل ومشارب، فكانت الدوائر الخمس، وكلية الاقتصاد، ومركز الحضارة، وساقية الصاوي، بما لكل منها من جمهور، وحضور... ومن ثم تجلب ملامح التنوع في المداخل الوطنية والقومية والاستراتيجية والحضارية والإنسانية، والعلمية والعملية، والمعرفية والفكرية.

فعلى الرغم من جامعية وموضوعية اللقاء الافتتاحي مع عناية المستشار البشري ومحاولته التأصيل لقضية الانتماء تأصيلاً حضاريًّا كليًّا، إلا أن هذا فتح المجال أمام رؤى متباينة ومتنوعة لقضية الانتماء وإشكاليته وقسمات أزمة وأسبابها، والمداخل أو المخارج من هذه الأزمة.

 

سابعًا- الحاضر الغائب في قضية الانتماء: الانتماء الحضاري الإسلامي:

وأخيرًا، فعلى الرغم من هذه التنوعات وتعددية الرؤى، إلا إن الملاحظ لمن يراجع اللقاءات الستة، أن ثمة مشتركًا ثابتًا متكررًا فيها؛ هو المقارنة والتحاور المستمر مع الانتماء إلى الدائرة الحضارية الإسلامية، فلقد حرص كل الحاضرين (في الدائرة المصرية والعربية والإفريقية والعالمية، فضلاً عن اللقاء الخاص بالدائرة المصرية، ولقاء المستشار البشري) على استدعاء إشكالية الانتماء إلى الأمة الإسلامية وأثرها على دوائر الانتماء الأخرى محل الاهتمام. وحرص الجميع على تأكيد أنه ليس ضد هذا الانتماء بل إنه يراه مكملاً وداعمًا، لكن من منظور حضاري للإسلام، وليس من منظور سياسي وأيديولوجي.

ولا شك أن هذا مقام من المهم التنبّه إليه، وهو ما للدائرة الإسلامية من ثقل وحضور في الوعي العام اليوم، وأنها صارت للأزمة لكل تناول لقضية الانتماء؛ ذلك أنها تمثل هوية ومرجعية ورؤية ومنظورًا ودائرة انتماء وحركة وتضامن في آن واحد، الأمر الذي لا يتوفر لسائر الدوائر بالضرورة ولا بنفس الدرجة والكيفية.

ولكن من المهم التأكيد على نقطة التمييز بين النظر إلى الإسلام بوصفه دينًا يعتنقه المسلمون، وبوصفه حضارة ينتمي إليها غير مسلمين، ثم بوصفه يقدم منظورًا حضاريًا قابلاً للتشارك فيه والاجتماع عليه بين مشارب واتجاهات مختلفة.