الدائرة الإسلامية بين انتماء الفرد والدولة

 

الدائرة الإسلامية بين انتماء الفرد والدولة

10/11/2010

د.نادية محمود مصطفى(*)

 

استكمالاً لسلسلة لقاءات "دوائر الانتماء وتأصيل الهوية"، والتي تأتي ضمن أنشطة الملتقى الشهري لمركز الحضارة للدراسات السياسية، نظم مركز الحضارة، بالتعاون مع مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات اللقاء الثامن من السلسلة يوم الأربعاء الموافق 10 نوفمبر 2010، بساقية الصاوي الثقافية، تحت عنوان "الدائرة الإسلامية: بين انتماء الفرد والدولة". والذي تحدثت فيه الأستاذة الدكتورة نادية مصطفى، أستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد بجامعة القاهرة.

 

وقد بينت الدكتورة نادية أن حديثها يرتكز على محورين أساسيين؛ أولهما: محاولة البناء على ما سبق تقديمه حول دوائر الانتماء. فالمستشار البشري –على سبيل المثال- تحدث عن مفهوم الدوائر المتحاضنة، وهو منطلق حديثها عن الدائرة الإسلامية، كما بينت. واتضح ذلك في اللقاءات السابقة؛ حيث لم يتناول أي من المتحدثين دائرة انتماء معينة منفصلة عن غيرها، فكل كان يحيل إلى الدائرة الأوسع، أو الأضيق، وإن كان يعطي الأولوية لدائرة معينة، بحسب اتجاهه الفكري والأيديولوجي. فالدائرة الإسلامية إذن ليست منفصلة عن غيرها.

كما انطلقت اللقاءات السابقة من منطلق الحديث عن أزمة الانتماء للدائرة محل الحديث والتناول، سواءً على مستوى الفرد أو الدولة أو الجماعة، وعلى مستوى الانتماء المعنوي، ومستوى المصالح (إلى أي حد ترتبط المصالح بالانتماء الوجداني؟). معتمدة في ذلك معايير تصنيف مختلفة مثل العرق أو القوم ...الخ.

أما المحور الثاني فيتعلق بموقع الحديث عن الدائرة الإسلامية مما سبق. وهو حديث لا يحمل معيار العرق أو القوم -وفق قول الدكتورة نادية، وإنما يحمل معيار العقيدة والحضارة؛ مما يعني أن هذه الدائرة تسع أيضًا من هو غير مسلم داخل هذه الحضارة. فالحديث عن الدائرة المقترنة بدين ليس حديثًا عقديًا، وإنما حديث حضاري يستدعي أبعادًا أخرى.

كما أن الحديث عن الانتماء للدائرة الإسلامية لا يحمل عنوانًا فرعيًا يشير إلى أزمة، وإنما هو حول انتماء الفرد والدولة. وهو عنوان يستدعي إشكالية معرفية، تتعلق بالعلاقة بين الفرد والجماعة، الدولة، العالم، ...الخ، في ظل العولمة.

وتتبلور إشكالية أخرى –في هذا الصدد- بين الديني والثقافي، وبين المصالح (بالمعنى الإيجابي)؛ فدائمًا ما يستدعي الحديث عن المصالح لدينا الصراع على المصالح.

والانتماء للدائرة الإسلامية –وفق هذه للرؤية- ينطلق من رؤية إنسانية، حضارية، لا تسقط الدوائر الأخرى. وأيضًا لا تسقط المصالح، رغم أنها تنطلق من مرجعية دينية حضارية بالأساس. على عكس الرؤى الأخرى التي ترى أن الحديث عن الدائرة الإسلامية لا يتضمن الحديث عن المصالح.

ومن ثم يثور هنا تساؤل مهم: ما نمط الانتماء للدائرة الإسلامية، هل هو انتماء الفرد فقط وليس الدول؟ وكيف نفعّل الانتماء للدائرة الإسلامية؟

حيث يقدم الواقع الراهن والتاريخ إجابات تؤيد المقولة التالية: أن الدائرة الحضارية الإسلامية تحتضن، ولا تناقص، غيرها من دوائر الانتماء؛ فهي تعترف بها وبتكاملها.

 

ملاحظات توضيحية:

تجدر هنا الإشارة إلى بعض الملاحظات التوضيحية المهمة التي تساعد على فهم واستيعاب الحديث عن الدائرة الإسلامة والانتماء إليها.

تتعلق الملاحظة الأولى بأهمية التمييز بين مفاهيم: العالم الإسلامي، والأمة الإسلامية، والدول الإسلامية، والدائرة الإسلامية. وهل هي مفاهيم مترادفة؟

فالعالم مفهوم جيواستراتيجي،

والأمة مفهوم عقدي حضاري،

والدولة مفهوم سياسي قانوني،

أما مفهوم "الدائرة الإسلامية الحضارية" فإنه يشتمل عليها كلها.

 

وهذا التعدد في المصطلحات قد يثير بعض الارتباك والتداخل نتيجة التراجع في شهود الأمة الإسلامية.

 

أما الملاحظة الثانية، فإنها تتعلق بالتأصيل والتاريخ؛ بمعنى أن هناك دلالات ومؤشرات تاريخية على قوة أو ضعف الانتماء للدائرة الإسلامية عبر فترات مختلفة.

وتشير الملاحظة الثالثة إلى بيان كيف أن فك الارتباط بالدائرة الإسلامية تاريخيًا، كان نتاج ضعف حضاري داخلي من ناحية في كل عناصر القوة وليس عقديًا فحسب، وتدخل خارجي من ناحية أخرى.

 ومن ثم، فالخروج من أزمات وطنية أو قومية أو حضارية، والقول للدكتورة نادية، يتحقق بإعادة الارتباط بالدائرة الإسلامية فكرًا وممارسة. وهذا لا يقتصر على تحقيق مصالح المنتمين للحضارة والدائرة الإسلامية الحضارية فقط، وإنما للإنسانية بأسرها.

 

بعض المؤشرات والنماذج الدالة على فك الارتباط بالدائرة الإسلامية:

وفي هذا السياق، أشارت الدكتورة نادية مصطفى إلى بعض المؤشرات والنماذج الدالة على فك الارتباط بالدائرة الإسلامية على مستوى الممارسة السياسية، ارتباطًا –في الوقت ذاته- بالدوائر الحضارية الأخرى.

فالأمازيغ -على سبيل المثال- يسعون الآن لتقوية انتمائهم القومي، على حساب الانتماء لدائرة الإسلامية. في حين أن كثيرًا منا قد لا يعلم أن طارق بن زياد كان أمازيغيًا، وأن صلاح الدين الأيوبي كان كرديًا، فلم يغلبا انتمائهما العرقي على انتمائهم الحضاري والديني، بل إنهما –أي الانتماءين- تكاملا معًا.

من تلك الأمثلة أيضًا، الحركة التورانية في تركيا في فترة تصفية الخلافة، والصراع الصفوي، وتنامي التنافسية غير الحميدة بين الأعراق المختلفة مثل الفرس والترك والعرب.

وقد كرس ذلك التدخل الخارجي، والذي تمثلت بعض ملامحه في محاولات التقسيم (سايكس بيكو)، فرض وزرع كيانات دخيلة (إسرائيل)، طرح المشروعات الإقليمية وعبر الإقليمية على حساب الدائرة الإسلامية.. وغيرها.

 

مؤشرات على استمرار الانتماء للدائرة الإسلامية:

يقدم الواقع الراهن بعض المؤشرات الدالة –رغم وجود بعض ملامح فك الارتباط- على استمرار الانتماء للدائرة الإسلامية، ومحاولات تنميتها بالدعم مقابل ما تواجهه من تحديات، وتظهر هذه المؤشرات سواءً على مستوى الفرد والجماعة والدولة. ومن أمثلتها:

-        لا تزال اللغة العربية، رغم عن كل ما يقال عن ضعفها، عاملا مهمًا يربط بين الشعوب الإسلامية.

-        وجود المؤسسات التعليمية الكبرى، وعلى رأسها الأزهر الشريف.

-        منظمة المؤتمر الإسلامي.

-        الوقف (عبر الحدود الوطنية).

-        الحج.

-        جماعات عبر الحدود (الحركات الدعوية، الصوفية...)

-        الانتفاض الجماعي لنصرة المسلمين، خاصة وقت الأزمات والحروب...(على مستوى الأفراد والجماعات).

-        خطابات بعض الدول (مثل إيران، السعودية)، وبعض الدول الأخرى في المناسبات.

-        الخطابات الإسلامية الدعوية والإصلاحية التي ترسخ في الذهن وجود كيان جماعي، وإن كان الواقع السياسي يجزأه ويحول دون تفعيله.

-        نظرة ووعي القوى الكبرى للدول الإسلامية باعتبارها كيان جماعي، وإن كانت تتعامل معها فرادى بهدف تفتيتها وتفريقها.

 

*ختامًا، طرحت الدكتورة نادية بعض الأسئلة المهمة التي يثيرها الحديث عن الانتماء للدائرة الإسلامية، من قبيل:

لماذا الحديث الآن عن الانتماء للدائرة الإسلامية؟ وإجابة ذلك أن التاريخ يثبت وجود هذه الدائرة، وأن تعزيزها يحقق مصالح والعكس.

من هذه التساؤلات المهمة أيضًا: ماذا تحتاج هذه الدائرة لتعزيز الانتماء إليها؟

إن تعزيز الانتماء للدائرة الإسلامية لا يحتاج جهودًا سياسية واقتصادية فقط، وإنما أيضًا جهودًا معرفية. وهو ما أكده بعض الأساتذة ودعموه؛ فقد ذكر الأستاذ الدكتور حامد ربيع (رحمه الله) –على سبيل المثال- أن من مصادر اهتمامه وحرصه على الانتماء للدائرة الإسلامية هو تشجيع وإعجاب أستاذه الإيطالي بانتمائه لحضارته، والذي شجعه على ضرورة تفعيل هذا الانتماء معرفيًا وعلميًا، انطلاقًا من تعرفه على الآخر.

كما أكدت الدكتورة منى أبو الفضل أن الأمة لن تستطيع تجديد ذاتها إلا إذا استطاعت تجدد فكرها. وذكر المستشار طارق البشري أيضًا (في مقدمة العدو الأول من كتاب "أمتي في العالم") أن أولى خطوات تعزيز الانتماء للدائرة الإسلامية هو المتابعة الإخبارية، وإن كان هذا الاهتمام وهذه المتابعة لا تفعل –مع الأسف- إلا وقت الأزمات.

ولكن كيف يتحقق ذلك؟

طرحت الدكتورة نادية مصطفى بعض الآليات والوسائل العملية لتعزيز الانتماء للدائرة الإسلامية، مثل: تنمية الروابط عبر الإقليمية بين الشعوب، في كل الأوقات وليس فقط وقت الأزمات، ودعم الانتماء بأساليب جديدة.

 

المداخلات

أعقب ذلك طرح بعض المداخلات والتساؤلات من قِبل الحضور:

-       ما هي السبل والآليات العملية لتفعيل الانتماء للدائرة الإسلامية؟

-       هل وصف القضية الفلسطينية بأنها إسلامية يوسع أم يضيق من المدافعين دائرة عنها؟

-       هل سياسات الدول تعزز الانتماء للدائرة العربية؟

-       البعض يرى أن "العلمانية الجزئية" أو "الإنسانية" أكثر اتساعًا، فما رأيكم في ذلك؟

-       أرى أن الانتماء لـ"الجنسية" يضم -ضمنًا- الانتماء لدوائر متعددة.

-       كيف ننمي انتماء دول آسيا الوسطى للدائرة الإسلامية؟

والتي صنفتها الدكتورة نادية في محاور ثلاثة على النحو التالي:

أولاً- الخلط بين الدائرة العقيدية والدائرة الحضارية؛ فمهوم الدائرة العقيدية أضيق من الدائرة الحضارية. ومن ثم، فالحضارة الإسلامية تضم كل من ينتمون للحضارة الإسلامية، من المسلمين وغيرهم. وبالتالي فانتماء القضية الفلسطينية للدائرة الحضارية الإسلامية يشمل اهتمام غير المسلمين بها أيضًا.

ثانيًا- إن صفات الأمة (حتى وإن كانت دولة) تتحدد وفق سياقاتها التاريخية والجغرافية، وبالتالي فإن دعم المصلحة الوطنية لا يتحقق إلا بدعم الانتماء للدوائر الأوسع، والاهتمام بالدوائر المحيطة أيضًا.

فمن المهم -في هذا السياق- ألا نسقط مصطلحات معاصرة على خبرات سابقة؛ فالمواطنة هي إدارة التعددية، أيا كانت تنوعاتها، دون قصرها على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

ثالثًا- هل الدائرة الإسلامية الحضارية ذات أبعاد إنسانية؟ بمعنى أن اهتماماتها تمتد لتشمل قضايا غير المنتمين إليها، في ظل إدعاء البعض أن الرؤية الإسلامية تنطلق في نظرتها للغير من منطلق العقيدة فقط.

إن الرؤية المعرفية الإسلامية رؤية إنسانية؛ فـ"إنسانية" الرؤية/ المنظور الإسلامي لا تعني فرص أحكام الإسلام على غير المسلمين، وإنما هي مجموعة من القيم تحكم علاقة المسلمين بغير المسلمين، داخليًا وخارجيًا.

واختتمت الدكتورة نادية حديثها بالتأكيد على أن الانتماء للدائرة الإسلامية لا ينفي الدوائر الأخرى، وأن مفهوم "الدائرة الإسلامية" مفهوم حضاري وليس عقيديًا، وأن تفعيله يحقق مصالح ثابتة تاريخيًا.


(*) أستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد – جامعة القاهرة.