الدولة المدنية من رؤى متنوعة إلى إطار مشترك

الدولة المدنية: من رؤى متنوعة إلى إطار مشترك

(على ضوء الثورة المصرية)

 07/04/2011

    نظم مركز الحضارة للدراسات السياسية بالتعاون مع مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، حلقة نقاشية حول "الدولة المدنية: من رؤى متنوعة إلى إطار مشترك(على ضوء الثورة المصرية)"يوم الخميس 7 أبريل 2011، فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

 

 سعت هذه الحلقة إلى إجراء حوار من أجل استيضاح مفهوم الدولة المدنية عند كافة التيارات: معناها و مرجعيتها ومحتواها ولوازمها، حتى لا يتم احتكار مفهوم الدولة المدنية من قبل جماعة دون أخرى. ولذا ناقشت الحلقة كيفية تناول الرؤى المختلفة للدولة المدنية

ومن ثم صياغة خطاب التوافق حول الدولة المدنية. شارك فى الحلقة  مجموعة من المفكرين والباحثين والناشطين المنتمين للتيارات الفكرية والسياسية المتنوعة.

 

المتحدثون:

1-أ.سمير مرقص

2-أ.عصام سلطان

3-أ.وائل خليل

 

 تم إعداد ثلاث أوراق خلفية للحلقة:

1-   الجدل حول الاستفتاء على التعديلات الدستورية  في وسائل الإعلام.

    2- نقد الجدل والمفاهيم المستخدمة فيه.

3- ملامح الخطاب التوافقى حول الدولة المدنية .

 

 

 

 

 

 

 

الجدل حول الاستفتاء على التعديلات الدستورية  في وسائل الإعلام

                                                                        محمد كمال محمد*

 

شهدت مصر جدلاً واسعًا بشأن الاستفتاء على التعديلات الدستورية في أعقاب ثورة 25 يناير، فطرح المؤيدون والمعارضون مواقفهم وحججهم في مختلف وسائل الإعلام التى لعبت دورًا مثيرا لتساؤلات عديدة حول أدائها. وتضمن هذا الجدل استخدامًا لعدة مفاهيم مثل الاستقرار، والطائفية، الواجب الشرعى، الدولة المدنية.  

ومن أجل رسم خريطة لتبين معالم هذا الجدل تم متابعة أحد عشر مصدرًا؛ ست صحف: ثلاثة مملوكة للدولة وهي: الأهرام والأخبار والجمهورية، وصحفية حزبية (الوفد)، وصحفتين خاصتين: الشروق والمصري اليوم، وخمس قنوات: القناة الثانية ونيل لايف بالتلفزيون المصري، قنوات دريم، والحياة، والجزيرة مباشر مصر، وأون تي في، بالتركيز على برامج "التوك شو". حيث استغرق الرصد عشرة أيام  بالنسبة للقنوات تحديداً من 20 إلى29 مارس. وتم الرجوع إلى فترة ما قبل الاستفتاء لبيان المسار الذي اتخذه الجدل من خلال تسجيل لبعض البرامج كاملة وأجزاء من برامج أخرى. كما تم الرجوع إلى الصحف قبل هذا التاريخ لنفس السبب. قام بالمتابعة والرصد فريق من الباحثين([1][1])، وهم من طلاب الدراسات العليا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسيةفي مرحلتي الماجستير والدكتوراه لهم سابق خبرة بأعمال الرصد من خلال عملهم بمؤسسات بحثية مختلفة. وانصب التركيز على بيان مواقف وآراء مختلف الأطراف من خلال مقالاتهم في الصحف وحوارتهم في القنوات التليفزيونية المشار إليها.

 

بدأ الجدل حول التعديلات الدستورية هادئًا وبدا الاعتراض على تشكيل لجنة صياغة التعديلات الدستورية برئاسة المستشار طارق البشري خافتًا من أصوات قليلة كانت تسبق هذا التحفظ باعترافها بقدر هذه الشخصية الكبيرة وقيمتها الفكرية والقانونية. أما الاعتراض الأكبر فانصب على عضوية أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين لهذه اللجنة.

وقد احتدم النقاش حول التعديلات الدستورية مع عقد جريدة المصري اليوم مؤتمرًا بعنوان «مصر بكره» في السابع من مارس. وذكرت تغطية الصحيفة ذاتها للمؤتمر في عنوان الخبر وجود مناقشات ساخنة حول هذه التعديلات بينما سرد باقي الخبر مواقف وحجج المعترضين على تلك التعديلات وهم المستشارة تهانى الجبالي، و د.منى ذو الفقار، والأستاذ سامح عاشور، والأستاذ نجاد البرعي، و د. حسام عيسى و د.محمد نور فرحات ولم تتناول حجج الطرف الآخر، ولم يشِر الخبر إلى وجود تصويت على التعديلات([2][2]). في اليوم التالي نشرت الجريدة خبرًا عن نتيجة هذا المؤتمر حيث انتهى إلى "إصدار بيان يرفض إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية وصوت المشاركون بالأغلبية على الرفض بنسبة ٩٠.٤٪، وشكل المؤتمر لجنة من الحضور لتسليم البيان إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وطالبت أغلبية المشاركين الناخبين -إذا ما أصر المجلس الأعلى للقوات المسلحة على إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية- بالذهاب إلى صناديق الاقتراع والتصويت بـ«لا» دون أي إضافات حتى لا يبطل الصوت. وشدد المشاركون على ضرورة إجراء انتخابات رئاسية قبل البرلمانية، ضماناً لعدم وثوب القوى المعادية للثورة مرة أخرى، وإمعاناً في تقوية الأحزاب السياسية القائمة والجديدة"([3][3]).

وأخذت حدة الجدل في التصاعد يومًا بعد يوم مع اقتراب موعد الاستفتاء وأثيرت شكوك حول إجراء الاستفاء بسب الظروف الأمنية والضغوط الإعلامية لجبهة المعارضة على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعدم وجود حوار حول تفاصيل تلك التعديلات.

 

حجج المؤيدين والمعارضين

   بنى كل فريق موقفه على أساس حجج كلية تترجم رؤيته لطبيعة المرحلة الانتقالية  وأخرى فرعية تتعلق بما تحققه أو لا تحققه هذه التعديلات. رغم أن "نعم" أو "لا" سيؤديان في النهاية إلى دستور جديد لمصر.

لكن السبب الرئيسي في الاختلاف على التصويت بنعم أو لا في استفتاء 19 مارس هو رؤية كل طرف للمراحل التي يمكن من خلالها الوصول إلى هذا الدستور الجديد وترتيب هذه المراحل.فالمؤيدون للتعديلات يرون أن التعديلات ستسمح بإجراء انتخابات برلمانية أولا ثم رئاسية ويتم بعدها الاعتماد على مجلس الشعب الجديد المنتخب ديمقراطيًا لوضع دستور جديد، كما ينهي حكم المجلس العسكري الحالي لمصر بطريقة أسرع.

بينما الرافضون للتعديلات يرون أن أحد مطالب الثورة منذ البداية كان تعديل الدستور بالكامل لأنه يضم مواد تحتاج للتغيير الكامل وبقاء الدستور الحالي يحد من فرص الكثير من المرشحين خصوصًا ممن لم يكن لهم وجود قبل الثورة ومعناه أن من سيفوزون في انتخابات البرلمان القادمة هم من سيضعون مواد الدستور الجديد، وأعلن الرافضون عن تخوفهم من أن يعود البرلمان المصري مرة أخرى إلى سيطرة الإخوان باعتبارهم جماعة منظمة والحزب الوطني الذي استغل الكثير من مرشحيه سابقًا سلاح المال ورشوة بعض الناخبين الفقراء.

ورأى المؤيدون  أن التعديلات الدستورية تمثل ضمانًا لعملية انتقال سلس وسلمي للسلطة، ووجد أصحاب هذا الرأى بكثرة في جريدة الجمهورية بشكل كبير في حين اهتمت الأهرام والأخبار بإحداث توازن بين من يقول نعم ومن يقول لا. أما الوفد والمصري اليوم والشروق فلم تحفل بإحداث هذا التوزن، مع وجود كتابات للمستشار البشري الذي كتب مقالة بعنوان "الخائفون من الديمقراطية"، والأستاذ فهمي هويدي والدكتور معتز عبد الفتاح مؤيدة للتعديلات كممر آمن  للمرحلة الانتقالية في صحيفة الشروق. وظهر على التلفزيون بعض أعضاء لجنة التعديل  بعد مضي وقت على احتداد الجدل.

أما من عارض التعديلات الدستورية في الصحف وعلى شاشات التليفزيون فهم كثيرون نذكر منهم على سبيل المثال د.حسن نافعة الذي كتب قبل الاستفتاء "لماذا يتعين رفض التعديلات الدستورية"([4][4])، و"لماذا سأصوت بلا على التعديلات الدستورية"([5][5])، ورد بعد الاستفتاءعلى  مقالة المستشار البشري بمقالة "الخائفون على الديمقراطية"([6][6])، د.حسام عيسى، د.إبراهيم درويش...إلخ.

 

حجج المؤيدين:

·    أن هذه التعديلات الجزئية تتيح إجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة لمجلسي الشعب والشورى خلال فترة وجيزة لا تزيد عن أربعة أشهر في أقصى تقدير "أي قبل أغسطس وهو الموعد المحدد لإجراء انتخابات الرئاسة" من خلال إشراف قضائي كامل ولا يشترط أن تجرى في يوم واحد.

·    أن انتخابات المؤسسة التشريعية التي من وظيفتها الرقابة على المؤسسة التنفيذية "الرئاسة" ستجري أولا، وبالتالي وفي ظل غياب الدستور، فإن الرئيس سيحكم بالقوانين الحالية، وفي حالة طلب اقتراح قانون فلا بد أن يعرضه على مجلس الشعب الذي له الحق في الرفض أو الموافقة وقد بنى العديد من كتاب الأهرام الذين قالوا نعم للتعديلات رأيهم على هذه الحجة.

·    أن هؤلاء النواب المنتخبين وفق المادة 189 مكرر (والتي أضافتها لجنة الصياغة) من مجلسي الشعب والشورى سيقومون باختيار جمعية تأسيسية من مائة عضو لوضع الدستور في أول جلسة مشتركة للمجلسين بعد إجراء الانتخابات، ومن ثم فلا عبرة ولا دخل للرئيس القادم المنتخب في الدعوة لعملية التعديل من عدمه.. وهذه الفقرة تحديدا وضعت بصورة استثنائية ولكي يتم تطبيقها مرة واحدة فقط لتقييد حق الرئيس في الدعوة لوضع الدستور الجديد القادم، لأنه ربما يرفض توجيه هذه الدعوة. ومعنى هذا أنه ليس لرئيس البلاد القادم دور في طلب التعديل من عدمه وفق هذه المادة الاستثنائية التي سيعمل بها خلال الدستور القادم فقط، كما أن هذه المادة حددت مدة زمنية لعمل لجنة الصياغة لا تزيد عن ستة أشهر، ومعنى هذا أن هذه اللجنة إذا فرغت من التشكيل خلال شهرين مثلا، فإن الدستور سيطرح للاستفتاء خلال 15 يوما.وهذه نقطة إيجابية في منتهى الأهمية. إذ حددت اللجنة الجهة الشعبية التي ستختار هذه الجمعية، وهم النواب المنتخبون فقط، وليسوا المعينين من قبل الرئيس "ثلث أعضاء مجلس الشورى"، كما أنها استبعدت أي دور للرئيس في طلب تعديل الدستور"، على عكس لمادة 189 المعدلة والتي أعطت للرئيس في الوضع الطبيعي – طلب تعديل الدستور بموافقة الحكومة-، أي أن هذه المادة استثنائية ومقيدة للرئيس، أو بمعنى آخر سيعمل بها خلال صياغة الدستور القادم فقط، وليس بعد ذلك.

·    أن هذه التعديلات قلصت مدة الصلاحية من ست سنوات قابلة للتمديد لفترات أخرى لأربع سنوات فقط، ولمدة واحدة تالية، بمعنى أن من حق الرئيس الفائز بالانتخابات الترشح في الانتخابات التالية فقط. يعني أن المدة لن تزيد عن ثمان سنوات، بل ربما تصبح أربع سنوات فقط.

·    أن التعديلات ألغت قانون الإرهاب الذي كان يساء استغلاله وفق المادة 189، كما أنها قيدت صلاحيات الرئيس في إعلان حالة الطوارئ لأسبوع واحد فقط لحين عرض الأمر على مجلس الشعب الذي ينعقد على الفور لبحث الأمر، ولا يجوز للمجلس أن يسمح بالطوارئ إلا لفترة ستة أشهر فقط، وفي حالة الرغبة في التمديد لمدة إضافية يعرض الأمر على الشعب صاحب الاختصاص الأصيل لمعرفة رأيه في التمديد.

ومن الجدير بالملاحظة أن هناك الكثير من الأقلام التى أيدت التعديلات صنفت على أنها من الإتجاه الإسلامى على الرغم من أن هناك جناح كبير من هذه الأراء خصوصا الذي كتب في الصحف القومية  لا يمكن وضعهم ضمن هذا التصنيف.

 

حجج المعارضين  :

ركز معظم أنصار هذا الاتجاه على التأكيد على عدم قبول هذه التعديلات على عدة أساس مهمة. إذ يرى أنصار هذا الاتجاه أن تلك التعديلات تعد عودة إلى الخلف وسطو على مكتسبات الثورة وتقليل لها واختزالها فيما يسمى بالتعديلات الدستورية التى لا تتوافق حسب وجهة نظرهم مع الوضع الحالى بعد الثورة الذي يفرض العديد من الأمور الجديدة التى هى أكبر من مجرد تعديلات.

·           سقط الدستور بقيام الثورة وتسلم المجلس العسكري مقاليد الأمور؛ وبالتالي لا بد من دستور جديد ووجهة النظر هذه نبعة من أن الدستور الجديد سوف يعنى بناء ديمقراطى حقيقى وفعال وسليم وله وجهة النظر التى تدعمة وهى الحركة الثورية المتمثلة في الشباب الطامح للتغير الشامل بعد الثورة وقد وجدنا ان من رفض التعديلات في كل هذه الصحف إتفق على هذه الحجة بل كانت هى الحجة الأساسية لهم والتى يتم بناء باقى الحجج عليها. 

·           التعديلات تجميل للنظام السابق.

·           قرار تعديل الدستور جاء من النظام القديم؛ فلماذا نرقع ما يجب تغييره.

·           هناك استعجال غير مبرر لعلاج أمور بالغة التعقيد.

·           لا لترقيع الدستور، ولا بد من دستور جديد يحترم حقوق الإنسان، ويوازن بين سلطات الحكم الثلاث.

·           جاءت صياغة التعديلات غير دقيقة، وخالية من أية ضمانات، ومليئة بثغرات، واحتمالات خلق ديكتاتور جديد، واحتمالات إقصاء أي قوى سياسية، وبدون ضمانات لشكل مجلس الشعب الذي سيصنع الدستور.

·           التعديلات الدستورية أهملت نصوصًا قانونية تقيد الكثير مما فيه، ومن ذلك: تقييد الحق في إنشاء الأحزاب السياسية.

·           لا يمكن القبول بأنصاف الحلول.

·           المادة 75 قيدت الحرية؛ حيث حرمت المصريين بالخارج من حق الترشح لرئاسة الجمهورية عندما تكون الزوجة غير حاصلة على الجنسية المصرية.

·           لا ينبغي حرمان من حمل جنسية أخرى ثم تنازل عنها من الترشح للرئاسة.

·           لا ينبغي معاقبة أحد على فعل ارتكبه آخر (فحرمان البعض من الترشح لأن أحد والديه حمل جنسية أخرى غير عادل)

·           التشدد في اشتراط الجنسية وجنسية الزوجة، يقابله تفريط بعدم النص على منع حرم الرئيس من ممارسة نشاط عام، أو غصب مهام تنفيذية أثناء ولاية زوجها.

·           مواد الدستور التي لم تعدل، تمنح الرئيس أكثر من 75% من صلاحيات سلطات الدولة و التعديل الجديد للمادة 76، أبقى على معظم مساوئها في الدستور المعطل، كونها تتضمن 3 مخالفات دستورية بوضعها المطروح حاليًا، أولها: مخالفتها لمبدأ المساواة بين المستقلين الذين يمثلون غالبية الشعب المصري وبين الأحزاب السياسية التي حصلت على ميزة إضافية، وهي حق من ينتمي إلى أي حزب سياسى له مقعد في البرلمان في الترشح للرئاسة..

·            وكذلك احتفظت المادة بنفس العبارات السابقة، فقررت عدم جواز الطعن على الانتخابات الرئاسية؛ مما يعني حرمان المواطن من حقه الدستوري في التقاضي والطعن على أي مخالفة يراها، أما الثالثة: المحكمة الدستورية العليا تفصل في قانون الانتخابات الرئاسية قبل تطبيقه، وهذا يخالف مبدأ الرقابة القضائية التى تأتي بعد تطبيق القوانين وليس قبلها.

·           المادة 76 كان لا بد أن تجعل الانتخاب على درجتين، بهدف إجراء تصفية واختيار عدد أقل (اثنين مثلاً) حاصل على أعلى قدر من الأصوات، ليتم الانتخاب من بينهم في الدرجة الثانية، وهذا هو النظام الفرنسي و المادة 77 المتعلقة بمدة الرئاسة، لم تلتفت اللجنة لمادة أخرى تعارضها وهي المادة 190، والتي تنص على "تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء 6 سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيسًا للجمهورية".

·           المادة 139 تمنح الرئيس الحق في تعيين نائب له خلال ستين يومًا من تاريخ انتخابه، لكنها لم تحدد أية معايير يجب توافرها في هذا النائب، وخاصة استبعاد صلات القرابة و المادة 139 أجازت للرئيس عزل نائبه وتعيين غيره دون التقيد بمدة محددة يلتزم خلالها بتعيين نائب آخر.

·            المادة 148 لم تحدد شكل الأغلبية التي توافق أو ترفض إعلان الرئيس لحالة الطوارئ، وهل هي أغلبية بسيطة أم مطلقة، ولم تتحدث عن البديل، هل تنتفي حالة الطوارئ أم يلزم صدور قرار آخر أم ماذا سيحدث؟ و المادة 189 مكرر تمنح رئيس الجمهورية ومجلسي الشعب والشورى الحق في تشكيل اللجنة التأسيسية التى ستعمل على تعديل الدستور.

·             المادة 189 قصرت انتخاب اللجنة على أعضاء مجلسي الشعب والشورى المنتخبين، في حين سمحت لهم بأن يكونوا أعضاء في هذه اللجنة (حيث لم تنص على عكس ذلك) إذا لا بد من جمعية تأسيسية لوضع دستور مؤقت جديد خلال الفترة المقبلة.

ومن الملاحظ ان معظم من رفضوا التعديلات الدستورية  في الصحف أو القنوات الفضائية التى تم متابعتها اتفقوا على هذه النقاط التى حاولوا بشتى الطرق إقناع الجميع بأن التعديلات كلها غير سليمة ومبنية على أسس باطلة وصياغتها غير دقيقة.  ثم تلى جولة أخرى من الجدل  حاول فيه كل فريق الرد على الحجج الكلية والفرعية للطرف الآخر.

 

الآليات المستخدمة

 اتسمت الحملة الإعلامية المعارضة للتعديلات بالتنظيم  وارتفاع مستوى التقنية فيها إذ جمعت بين الإعلانات مدفوعة الأجر في الصحف المملوكة للدولة والخاصة وإعلانات تليفزيونية ضمت شخصيات شهيرة من بينها مرشحون لرئاسة الجمهورية ورجال أعمال وفنانين وبعض الدعاة المشهورين...إلخ  تعلن أنها ستصوت بلا وتذكر أسباب ذلك. ومجموعة مقالات لعدد كبير منهم في الصحف المملوكة للدولة والصحف الخاصة.

أما المؤيدون فقد كان لهم حضور أقل في وسائل الإعلام حاولوا تعويضه برصيدهم وخبرتهم في الشارع فوضعوا الملصقات ولافتات المؤيدة للتعديل. فظهرت لافتة في الإسكندرية نسبت إلى أحد الدعاة (الشيخ أحمد المحلاوى) قوله إن تأييد التعديلات واجب شرعي وتبين أنها حملت توقيع الإخوان المسلمين واستهجنها المتحدث باسم الجماعة وطلب رفعها، لكن صورتها ظلت تنشر في الصحف مرارًا وتكرارًا. وقام السلفييون  بعمل لافتات وتوزيع بيانات فحواه أن التصويت بنعم نصر للدين وحفاظ على المادة الثانية للدستور.

 

 

 

 

 

ما بعد نتيجة الاستفتاء

 شارك في الاستفتاء أكثر من 18 مليوناً من المصريين، في إقبال غير مسبوق على صناديق الاقتراع. وقد صوت 77.2 بالمائة من المقترعين بالموافقة على التعديلات، بينما بلغت نسبة الرافضين لها 22.8 بالمائة. كانت أعلى نسبة للمصوتين بلا في الجيزة والقاهرة والإسكندرية. ولكن لم تقل نسبة التأييد للتعديلات عن 60 بالمائة في هذه المحافظات.

 واختلف تبريرات  الفريقان  لنتيجة الاستفتاء. فبينما رأى المؤيدون أن الفارق الكبيربين نسبة من وافق على التعديلات ومن صوت بلا دليل على أن أغلبية المصريين تبنوا  وجهة نظرهم في  ترتيب خطوات المرحلة الانتقالية وأن هذا أمر طبيعي.

أما المعارضون فقد ذهب بعضهم إلى القول بأن من صوتوا بنعم ينقسمون لأربعة فئات:

 (1)الإخوان المسلمون ومن في حكمهم من سلفيين ووهابيين وجهاديين وكان ذلك بتعليمات محددة من المرشد العام أو من في مستواه من أمراء وشيوخ.

 (2) كتلة هائلة من سكان الريف والأحياء الجانبية تأثرت بدعاية دينية سوداء عن إلغاء المادة الثانية وتولي المسيحيين الرئاسة وغيرها.

 (3) تيار لا يستهان به من المواطنين تصور أن قبول التعديلات سينهي حالة الجمود والكساد الاقتصادي الذي تمر به البلاد.

(4) جماعات مختلفة وثقوا في الجيش وقدروا ما فعل للثورة وتصوروا أنه يريد التعديلات ليعود إلي الثكنات([7][7]).

وقد جاءت نتييجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية على عكس مواقف كافة المرشحين للانتخابات الرئاسية القادمة في مصر، الذين رفضوا جميعهم التعديلات الدستورية مطالبين بدستور جديد بعد ثورة 25 يناير.فأبرز المرشحين الذين أعربوا عن نيتهم لخوض منافسات الانتخابات الرئاسية المقبلة وهم عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأيمن نور مؤسس حزب الغد، ومحمد البرادعي الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمستشار هشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقض، وحمدين صباحي مؤسس حزب الكرامة المصرية، أعربوا عن رفضهم لتلك التعديلات التي قالوا عنها إنها لا تحقق طموحات الشعب، في الوقت الذي وافق فيه الأغلبية على تلك التعديلات. وبالطبع فإن هذا لا يعد مؤشرًا كافيًا على مدى شعبيتهم، فهذا أمر آخر.

  قالت أغلبية المصريين "نعم" للتعديلات، بالرغم من حدة الحملة التي دعت إلى التصويت بـ "لا". وقبل العديد من المعارضين بالنتيجة باعتبارها تعبيراً عن اختيار الشعب الديمقراطي؛ بينما ندد آخرون بسيطرة الإسلاميين على الرأي العام، واستعادوا لغة التخويف الغربية المعتادة من القوى الإسلامية السياسية، كل القوى الإسلامية السياسية بلا تمييز. رغم أن لإخوان قد أعلنوا مبكراً عزمهم المنافسة على 30 بالمائة فقط من مقاعد مجلس الشعب الجديد، وأنهم لن يتقدموا بمرشح لرئاسة الجمهورية، رغبة منهم في طمأنة الرأي العام.ولكنالإعلام ركز على ما قاله أحد الوعاظ السلفيين من أن "نعم" انتصار للإسلاموأن من يعترض على ذلك فتأشيرات أمريكا وكندا متوفرة لديهم يمكنهم مغادرةالبلاد. ثم عاد وقال أنه لم يقصد ما فُهم من ذلك، وهو نفس ماقاله الأستاذالدكتور يحي الجمل نائب رئيس الوزراء عندماانتقده كثيرون على ما اعتبروه عيبًا في الذات الألهية.

وعن استخدام الدين في الاستفتاء  وصف البعض التصويت بأنه طائفى([8][8])، قسم المجتمع،  وذهب رأى آخر إلى أنه "حدث تجاوز بسيط من الجانبين (نعم – لا ) لاستخدام الدين في الاستفتاء، ولكن هذا التجاوز لم يكن مؤثرا على النتيجة"([9][9]).  وصاحب هذا الرأى هو الذي قال قبل يوم من إعلان النتيجة "قطاع واسع من المواطنين صوت بنعم أملا في الاستقرار من ناحية، بلإضافة إلى استغلال بعض الجماعات الظروف الحالية لإقناعهم بالموافقة، واستخدامهم لخطاب التوعية الدينية وإثارة بلبلة حول المادة الثانية للدستور"([10][10]).وعلى الجانب الآخر، ذهب المؤيدون إلأن ثمة  "قرائن كثيرة تدل على أن نسبة معتبرة من المصوتين بنعم كانوا مشغولين بقضية الاستقرار، بعدما أقلقهم استمرار الاعتصامات والاضرابات.. وأنه ليس صحيحا أن كل الذين صوتوا لصالح التعديلات ينتمون إلى التيار الإسلامى، وإنما كان منهم ليبراليون وقوميون ويساريون أنحازوا إليها لسبب أو آخر. في الوقت ذاته فإن الذين تحدثوا بين الإسلاميين عن الواجب الشرعى كانوا قلة استثنائية.. تأثيرها بين الناس كان أضعف من تأثير توجيهات الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية اللتين نصحتا أتباعهما برفض التعديلات"([11][11]).

الدولة المدنية

لم ينقطع الحديث عن الدولة المدنية في مصر منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العام الماضى بل وقبلها، حيث استخدم المفهوم بكثافة الدكتور جابر عصفور، وصارت عنوانًا صحفيًا استخدمه المقربون من النظام السابق في مقالاتهم وحوارتهم التليفزيونية في الدفاع عن النظام وبيان خطر الإخوان المسلمين على الدولة المصرية.

وكان من أهم ما طرح في إطار الجدل حول الاستفتاء بشأن التعديلات الدستورية ذلك الأمر المتعلق بالدولة المدنية، وما يُقال بشأن مخاوف من دولة دينية. و طرحت مدنية الدولة بكثافة في وساءل الإعلام، فكتب اللدكتور يحيى الجمل قبل الاستفتاء "الدولة المدنية هى دولة تقوم على أساس المواطنةالمتساوية، بمعنى أن كل مواطن في الدولة يتساوى مع كل مواطن آخر فيها. المواطنون في الدولة المدنية سواء في الحقوق والواجبات لا تفرقة بينهم لأى سبب من الأسباب طالماكانوا يحملون جنسية الدولة أى طالما كانوا مواطنين في الدولة. والدولة المدنية علىهذا النحو لا يمكن أن تكون دولة دينية أو دولة بوليسية، لأن الدولة الدينية تفرقبين المواطنين على أساس الانتماء الدينى، أما الدولة البوليسية فهى لا تعرف الحق في المساواة، ومن ثم لا تعرف المعنى الصحيح للمواطنة. وعن موقف الدولة المنية من الدين قالل: "الدولة المدنية ليست معادية للدين. الدين ضرورة اجتماعية وضرورة أخلاقية، ولكنالدين يجب أن يظل بعيداً عن السياسة والسياسة يجب أن تظل بعيدة عن الدين. الدينمطلق والسياسة نسبية وتتغير بتغير الأزمان والمجتمعات والظروف وليس كذلك الدين([12][12]).

بعد نتيجة الاستفتاء تصاعد الحديث عن الدولة المدنية فذكر حمدين صباحى أن الدولة المدنية تقوم على المساواة الحقيقية أمام القانون بلا تمييز، ورحب بكل من يلتزم بذلك([13][13]). أم المستشار هشام البسطويسى فأكد إن الدولة الدينة لا وجود لها في الإسلام([14][14]).

ورأى أحد الأكاديمين الذين لا يمكن حسابهم على التيار الإسلامى أن "المصريين جميعا يرفضون فكرة الدولة الدينية، والعالم الإسلامي لم يعرف الإشكالية الكبرى بين الدولة المدنية وبين الدين من قبل، وكذلك لم يعرف مفهوم الدولة الدينية، والماوردي ذكر أن مهام الحاكم تدور حول حراسة الدين وسياسة الدنيا، وهو ما يشير لمعنى الدولة في الإسلام، وفي تاريخ الخلافة الإسلامية كان هناك فصل بين الخليفة والفقيه، لان هناك أهل العلم وهناك أهل السياسة، والحديث عن الدولة الدينية حديث تجاوزه الزمن، وفي عهد الخلافة كانت مصر تحكم بدستور بمسميات مختلفة لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

وأضاف "التاريخ الإسلامي يشير إلى أن الدولة الإسلامية القوية هي دولة مدنية، ولكن في حالة ضعف الدولة يكثر الحديث عن الصراع ما بين الدين والسياسة، والنموذج التركي هو نموذج الدولة المدنية الحديثة، وأنا من أشد المؤيدين للنموذج التركي الحالي، وأرى أن تبقى المادة الثانية كما هي على أن ينص الدستور على احترام عقائد وشرائع غير المسلمين"([15][15]). ومازال الجدل حول الدولة المدنية مستمرًا.

ختامًا، لا بد من القول بأن الجدل الذي ثار حول الاستفتاء حول التعديلات الدستورية، ودور الإعلام فيه، وما استخدم فيه من مفاهيم يحتاج إلى نقاش هادئ،  يتجاوز وهج الكاميرات وسخونة العناوين الصحفية. وهو أمر منوط بالمفكرين والمثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن العام، حتى يتم ترشيد هذا الجدل ليكون جدلا بصيرًا.

  

نقد الجدل والمفاهيم المستخدمة فيه

محمد كمال محمد *

 

اتسم الجدل حول التعديلات الدستورية ونتيجة الاستفتاء في كثير من الأحيان بالعصبية والانفعال، والتناول الجزئي، وعدم الدقة في استخدام المفاهيم. وقد ساهمت طبيعة وسائل الإعلام التى كانت ساحات لهذا الجدل في تشويهه ووقوعه في هذه المثالب. فالإعلام المصري المملوك للدولة والخاص هو المسئول الأساسي عن تأجيج الحرب الكلامية التي دارت رحاها في فترة الاستفتاء.

 

   ومن المهم الإشارة إلى أن ملكية أوسع وسائل الإعلام الخاص انتشارًا وأكثرها تأثيرًا (صحيفتي الشروق والمصري اليوم، وقنوات دريم والحياة وأون تي في) تنحصر في مجموعة من رجال الأعمال الذين لا يزيد عددهم على أصابع اليد الواحدة: إبراهيم المعلم وكامل دياب وأحمد بهجت والسيد البدوي و ساويرس، ولكل منهم مصالحه وحساباته الاقتصادية والسياسية.

يضاف إلى ذلك  ما يتعلق بالعاملين في  هذه الصحف والقنوات، ففي كثير من الأحيان يكون هناك تداخل كبير فيما بينهم؛ فبعض مقدمي برامج "التوك شو" صحفيون أساسًا، وبالمثل معظم فرق الإعداد في هذه البرامج صحفيون باعتبار صلاتهم بمصادر الأخبار والقدرة على التواصل معهم. فالناظر في تلك الصلات يدرك أن هناك مصالح متبادلة في أن يتم التركيز في البرامج على الأخبار الواردة في هذه الصحف التى تعيد نشر محتوى هذه البرامج، وهكذا يتحكم عدد قليل في القضايا والموضوعات التى تطرح في الإعلام وتحدد اتجاه النقاش ومحتواه وفي النهاية ترجيح رأى بعينه.

 

وبالنظر إلى موقف الإعلام من تناول مسألة التعديلات الدستورية، نجد أن معظم الكتابات والبرامج في هذه الوسائل الإعلامية كانت تدفع باتجاه معارضة التعديلات الدستورية وإن لم

تخلُ في أحيان قليلة ممن يؤيدها، إلا أن نبرة المعارضين كانت أعلى وأكثر حضورًا من صوت "نعم" في تلك الوسائل، واتخذ المؤيدون موقفًا دفاعيًا.

فكانت الحملة الإعلانية لفريق "لا" التي قادها الإعلام الخاص مبالغًا فيها جدًا: إعلانات في معظم الصحف اليومية تتميز بالأخراج الفنى  المهنى سواء في قناة "أون تي في" أو معظم الصحف اليومية سواء المملوكة للدولة أو الخاصة. على الجانب الآخر، فإن استخدام الشعارات الدينية في فريق "نعم" وخصوصًا التيار السلفي والقائلة بأن التصويت بـ"نعم" خدمة للإسلام وواجب شرعي، وإن كان هذا لم يستخدم في الإعلام بل في المساجد، كما أن الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية دفعت بأتباعها للتصويت "بلا" لأن ذلك يحقق مصالح المسيحيين كطائفة.

 

أما بالنسبة لأداء الإعلام الحكومي فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية فقد كان  مثيرًا للجدل؛ فقد تأخر في عرض تفاصيلها واستضافة أعضاء اللجنة التي صاغتها، إلا بعد أن بالغت المحطات الخاصة في استضافة المعارضين لتلك التعديلات. ويلاحظ أن البرامج التي استضافت أعضاء اللجنة التي قامت بصياغة التعديلات الدستورية كانت متربصة بهم وتقاطعهم قبل استكمال فكرتهم، فيما خلا ممثل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كما كانت هذه البرامج تستقبل مدخلات في معظمها معارضة للتعديلات الدستورية.

وذهب البعض إلى أن حيازة من أسموهم "أصحاب الدولة المدنية" - وكأن هناك توكيل حصري يقصر الدولة المدنية على فريق بعينه- للوقت الأكبر في الإعلام الحكومي والخاص له مايبرره، "فللإخوان دائمًا وأبداً أماكن وفضائيات كثيرة ومتنوعة في كل مصر، وفي خارج مصر.. فلا تحرموا المجتمع المدني وأصحاب الدولة المدنية من فضائهم الوحيد وهو الإعلام المدني الحكومي والخاص"[16][16].

 

   وقد تميز الجدل في أحيان غير قليلة بالسطحية والتناول الجزئي والتسرع؛ فمن الصادم حقًا أن يعترض المستشار هشام البسطويسي في مداخلة تليفونية لبرنامج العاشرة مساءً يوم 17/3/2011 على تعديل المادة 198 مكرر التي تنص على أن "يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور لاختيار الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من انتخابهم، وذلك كله وفقًا لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 189"، بقوله أنه من المعروف أن كل قاعدة قانونية تنص على العقوبة التى تترتب على مخالفتها، وأنه ليس في هذه المادة عقوبة إذا ما تم الامتناع عن تنفيذها!! وكأنه يلزم في المواد الدستورية وجود هذه العقوبة، وهو أمر غير صحيح. لكن يبدو أنه كانت هناك رغبة ما لقول شيء جديد لم يسبق قوله.

 

 كما تضمن الجدل استخدام عدة مفاهيم  بشكل سريع وجزئي يتماشى مع طبيعة وسائل الإعلام، وفيما يلي عرض موجز لأهم تلك المفاهيم:

التوافق العام

شهدت الثورة المصرية في فترة أوجها من 25 يناير حتى 11 فبراير مساحات من الود والعمل المشترك بين كافة القوى السياسية والمجتمعية, وتم تجاوز النظري إلى العملي في ظل نضال مشترك في مواجهة نظام مستبد. لكن ماجرى من جدل وخلاف بعد ذلك في تصور القوى السياسية لطبيعة المرحلة الانتقالية أحدث استقطابًا حادًا بينها, أخذت هذه الهوة تتسع خصوصُا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء.

ويكاد هذا الانقسام ينحصر بين من يُوصفون بالنخبة السياسية، فالنتيجة التى أسفر عنها الاستفتاء لا تؤشر -بمعايير دراسات الرأي العام- على وجود انقسام مجتمعي؛ حيث أن مفاهيم قياسات الرأي العام تقول إنه كلما قل الفرق بين التأييد والرفض، زادت حدة الانقسام وقلت فرص التوافق العام، وتقول أن العكس صحيح كذلك. فالفارق الكبير بين نسبة المؤيدين (77.8%) ونسبة المعارضين (22.8%)  لا يدل على وجود انقسام مجتمعي.

لكن الأمر في نظر بعض النخبة التى تظهر في الإعلام كان انقسامًا مجتمعيًا، فقد نظرت إلى الاستفتاء على أنه معركة الإسلاميين وغيرهم، ونسي الجميع أن معظم المشاركين في الثورة-وفي الاستفتاء بالطبع-  لدى أغلبهم إيمان ديني لا يجعله حتمًا في خانة "الإسلاميين", ولكنه أيضًا لا يقبل بأن  يوصف بأنه "علماني"، على الرغم من أن الوصف الأخير لا يعني أن صاحبه ليس لديه إيمان ديني، وإنما يقصره على علاقته الشخصية بربه.

ويصعب قبول القول بأن التوافق على طبيعة النظام السياسي التي ستستمر مدة طويلة يتأثر بها جموع المواطنين، يتجاوز توفر دعم الأغلبية لهذا النظام أو ذلك، وافتراض وجوب حدوث توافق مع الأقلية[17][17]. يضع هذا الرأي الأغلبية في جهة والتوافق العام في الجهة المضادة وكأنهما خصمان، فالتوافق العام عنده لا يعني الأغلبية، خصوصًا إذا كانت الأقلية تضم ما يعتبره قوى سياسية تضم الشباب والأحزاب السياسية وبعض فقهاء القانون والشخصيات العامة. طبعًا جاء هذا الطرح بعد إعلان نتيجة الاستفتاء، ولم يطرح أثناء الجدل بشأن التعديلات الدستورية.

ولا يمكن وضع هذا الرأي في سلة واحدة  مع من قال أن "لا بمائة ألف  نعم مما تحسبون"، لكن مد الحجة الأولى على استقامتها يمكن أن تقودنا إلى عنصرية واستعلاء المقولة الثانية. ومن المؤكد أن المقولتين تذكرانا بتفاوت قيمة أوزان الأصوات الانتخابية في مطلع التجربة الديمقراطية في أوروبا بعد الإقطاع، وهو ما يسدد ضربة قاضية للمبدأ الديمقراطي المعروف من أن قيمة الصوت الانتخابي واحدة بغض النظر عن المستوى الاقتصادي أو التعليمي لصاحب الصوت (On man, one vote).

كما أن تحديد مستقبل النظام السياسي في مجتمع ما لا يمكن أن يتم بعيدًا عن الإرادة العامة للشعب، وخير معبر عنها هو الاستفتاءات والانتخابات الحرة النزيهة. والقوى السياسية التي لا تستطيع أن تقنع هذه الإرادة بموقفها والتصويت لصالحها يجب أن تراجع نفسها: فكرها وآلياتها، لا أن تطالب بأن تعطى مكانة وحجمًا وتأثيرًا لم تحققه على أرض الواقع، والأجدر بها أن تراجع تعريفها لنفسها بأنها قوة سياسية في ظل هذا الإخفاق رغم ضخامة إمكانيتها الإعلامية وسهولة حركة أي تيار سياسي في الشارع. 

 

والتوافق المجتمعي العام  حول مجموعة مترابطة من القيم العامة يتم الاتفاق عليها من خلال آليات التفاعل بين أفراد مجتمع ما، ولكنه لا يقتصر على دائرة الانتخابات والاستفاءات.  وهو أمر يستلزم تجاوز ثنائية البدء من أعلى أو من أسفل للوصول لهذا التوافق؛ فالطبيعة المجتمعية لهذا التوافق أعقد بكثير من هذه الطريقة الخطية في التفكير. ومن الأوفق توافر حوار مجتمعي صاعد من أسفل بين كافة الأطياف المجتمعية في الريف والحضر، الدلتا والصعيد، سيناء وسيوة، وحوار آخر بين النخب. بشرط وجود تفاعل بين هذين الحوارين ليتبادلا التأثير، فلا تستأثر العاصمة والنخبة بالتوجيه الفوقي وتحديد قضايا وآليات الحوار، فربما تختلف أولويات الأقاليم عن العاصمة. ربما حان الوقت لكسر المعادلة التي تصف العلاقة بين العاصمة والأقاليم التي عبر عنها جمال حمدان بالرأس الكاسح والجسد الكسيح.

فهدف التوافق المجتمعي هو تحقيق العيْش المشترك بين كافة الأطراف في ظل الاتفاق على قيم عامة موجهة للسلوك وضابطة للتفاعلات الحياتية وحامية للبناء الاجتماعي. وربما يتصور البعض صعوبة إجراء الحوار القاعدي المجتمعي لعدم توافر ثقافة الحوار لكن يبدو أن التوافق في هذا المستوى أقل صعوبة من التوافق في صفوف النخبة، لغياب الاستقطاب الإيديولوجي إلى حد كبير في هذه الدوائر، بالإضافة للطبيعة العملية لمحتوى الحوار القاعدي، مع الأخذ في الاعتبار أثر العشائرية والعصبية في بعض المناطق.

 

 

الاستقرار

يبدو أن الاستقرار الذى صوت من أجله نسبة ممن أيدو التعديلات الدستورية  ليس المقصود به ما تعارفت عليه بعض الأوساط الفكرية من أن الاستقرار هو ثبات الأحوال وتجمد المؤسسات على ما هى عليه سواء كان فسادا وتدهورا في الأداء، وأن ذلك أفضل من التغيير غير معلوم الاتجاه، والقول بأن التشبث بهذا الاستقرار هو ترديد لمقولات المدافعين عن النظام السابق والذين خرجوا في مظاهرات لتأييده. ما سعى إليه من صوتوا بنعم يمكن وصفه بأنه يجمع ما بين ثلاثة مفاهيم متكاملة: الأول مفهوم سيكولوجي (الأمن) من خلال عودة الشرطة وإن كانت بطيئة وتدريجية، والثاني مفهوم اقتصادي (التنمية) بالعودة إلى العمل ووقف نزيف الخسائر المترتبة على الانقطاع عنه والسعى لعلاج مشكلات من فقدوا وظائفهم،  والثالث مفهوم قانوني (الشرعية) بالتمهيد لخطوة في اتجاه نقل هذه الشرعية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى البرلمان والرئيس من خلال انتخابات حرة ونزيهة في مدة معقولة في نظر الجماهير، التى لا تعنيها مصلحة الأحزاب التى ترى أن المدة المقترحة غير ملائمة له حتى تستعد للانتخابات، بقدر حرصها على مصلحتها في الأمن والتنمية والشرعية.  

الطائفية

وصف عبدالله السناوي ما جرى في الاستفتاء بأنه تصويت طائفي في برنامج صالون إبراهيم عيسى في قناة الجزيرة مباشر (الاثنين 21 مارس)، وهو وصف يتناقض مع الواقع. فلم يكن التصويت بنعم حكرًا على التيار الإسلامى بل صوت الأغلبية و فريق من الاشتراكين كما قال وائل خليل في برنامج "مصر النهاردة" في مساء يوم الاستفتاء بنعم، بالإضافة إلى ما قاله عماد جاد على القناة الأولى في نفس اليوم من أن هناك مسيحيون صوتوا بنعم وإن كانوا قلة صغيرة جدا. إذن لم تكن هناك خطوط طائفية فاصلة في الاستفتاء.

فضلا عن أن استخدام وصف "الطائفى" يعكس عصبية شديدة لوصف ما حدث لا يبررها انزعاج من استخدمه من الفرق الكبير بين نسبة من أيد التعديلات ومن رفضها حيث كان يظن أن الفرق لصالح نعم لن يزيد أن 5%. أما قمة المأساة فتتمثل في قوله بأن المسيحين لن يقبلوا نتيجة الاستفتاء لأن رئيس اللجنة المشرفة عليه بدأ الاعلان عن النتيجة بتلاوة أية من القرآن الكريم وختمها بدعاء!!

  ما جرى في الاستفتاء لم يكن شعورا عدائيًا لطائفة تجاه طائفة أخرى أو إستراتيجية موازية استخدمتها بعض النخبة السياسية في التنافس على السلطة أو سياسة منهجية اتبعتها سلطة معينة في سبيل تأمين قاعدة اجتماعية أو إثنية أو مذهبية تعزز مواقعها الإستراتيجية، لكن ترجمة لواقع يقول أنه لم يكن الفرق كبيرا لهذا الدرجة بين وجهتى النظر فالجميع متفق على ضروة صياغة دستور جديد والخلاف كان على آلية الوصل لذلك الهدف: تعديلا تؤدى لانتخابات لاختيار جمعية تأسيسية لصياغة الدستور أو تعيين وانتخاب هذه الجمعية على الفور، وكل قال رأيه ورضى الجميع بالنتيجة، أين الطائفية في ذلك؟

 

الواجب الشرعي

لم يقل أحد بهذا المفهوم في الإعلام ولكن ذُكر أن الأخوان المسلمين علقوا لافتة فحواها أن التصويت بنعم واجب شرعى وقد نفوا ذلك.  كما ذُكر أن التيار السفلى يدعو في مساجده  إلى وجوب التصويت بنعم في التعديلات الدستورية، وبالفعل وزع السلفيون بيانات بهذا المعنى. ومن المعروف أن الواجب الشرعى هو ما أمر به الشارع أمراً جازماً على وجه الإلزام بالفعل، يثاب من فعله ويُعاقب من تركه، وبالتأكيد فإن تأييد التعديلات الدستورية  ليست محل لاستخدام هذا المصطلح.

 

الدولة المدنية

أكثر المفاهيم استعمالا في الجدل حو الاستفتاء هو مفهوم الدولة المدنية، معظم من استخدمه لم يتناوله بتفصيل. فشاب معظم الكتابات والحديث عنه غموض كبير، بدون تناول يوضح أصل المفهوم وظروف ظهوره.

وبالرجوع إلى قواميس المفاهيم والمصطلحات السياسية يتبين أنه لا توجد في اللغة الإنجليزية أو الفرنسية ما يسمى بالدولة المدنية، لكن هناك الدولة الحديثة، الدولة العلمانية، كما أن الفكر السياسى الغربي لا يعرف هذا المفهوم. أما مفهوم الدولة-المدينة فهو إشارة إلى تجربة تاريخية عند اليونان ومنه نشأ الاتجاه الذى يرى أن السياسة ترتبط بشكل خاص بفن الحكم وأنشطة الدولة، وهو التعريف الكلاسيكي للسياسة الناشئ عن المعنى الأصلي لكلمة Politics في اللغة اليونانية القديمة ( وهي مشتقة من كلمة Polis وتعي حرفياً المدينة )[18][18].

أما في اللغة العربية فقد وضع الإمام محمد عبده مفهوم الدولة المدنية, للتفريق بين الدولة الإسلامية والدولة الدينية التى عرفها الغرب في العصور الوسطى في رده على فرح أنطون فقال: "ليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه" مؤكدُا أن "قلب السلطة الدينية والإتيان على أساسها أصل من من أصول الإسلام الجليلة  فقد هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها.... ولم يجعل لأحد من أهله أن يحل ولا أن يربط  لا في الأرض ولا في السماء...فليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير عن الشر... وهي سلطة خوَّلها الله لكل المسلمين، أدناهم وأعلاهم... والأمة هي التي تولي الحاكم... وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة، عند المسلمين، بما يسميه الأفرنج "ثيوكراتيك" ]كما في الأصل[، أي سلطان إلهي... فليس للخليفة -بل ولا للقاضي، أو المفتي، أو شيخ الإسلام- أدنى سلطة على العقائد وتحرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية، قدرها الشرع الإسلامي[19][19] 

 

وقد رصد د. رفيق حبيب هذا الجدل وله في هذا المقام رأى جدير بالنظر فيه يسوغ نقله باستفاضة إذ يقول:

" في عملية ترويج منظم، قامت قطاعات واسعة من النخب العلمانية بالترويج لفكرة الدولة المدنية، في مواجهة ما سمي الدولة الدينية. وأصبحت الدولة المدنية شرطا من شروط العمل السياسي، فمن يقبل بها يحق له العمل في المجال السياسي، ومن يرفضها يرفض من المجال السياسي، وتعزله النخب، وكأن لها سلطة تحديد من يتمتع بالحرية السياسية ومن يحرم منها. وتعبير الدولة المدنية له وقع إيجابي بالطبع، ولكن أهم ما ميزه عدم تحديد تعريف واضح له، حتي يظل تعبيرا فضفاضا، يسمح باستخدامه بمعانٍ متعددة. ورفعت النخب العلمانية شرط الدولة المدنية في وجه الحركات الإسلامية، باعتباره شرطا للتعاون أو التنسيق بينهما. ثم تكرر الحديث عن عدم التزام الحركة الإسلامية بالدولة المدنية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، لأنها هي التي تمارس عملاً سياسيًا. أما بالنسبة لبقية الحركات الإسلامية، خاصة التيار السلفي، فهو متهم بالطبع من قبل النخب العلمانية بعدم الإيمان بالدولة المدنية.... وجملة هذه المواقف تجعل النخب العلمانية هي الوصي الرسمي لمفهوم الدولة المدنية، وهي واضع الامتحان، الذي يحق له امتحان الحركات الإسلامية، وتحديد الدرجة النهائية لها، وبالتالي يمكنه منحها صك النجاح أو صك الفشل والرسوب.

والواضح أن قطاعا معتبرا من النخب العلمانية يمارس دور محاكم التفتيش بأسلوب حديث، ويجعل من الحداثة الغربية كتابا مقدسا، ومفاهيم مطلقة لا يجوز الخروج عليها، مما يجعل النموذج الغربي العلماني الليبرالي هو الكتاب المقدس للسياسة، وبالتالي تصبح النخب العلمانية الليبرالية هي الوصي علي تعاليم الليبرالية الغربية المقدسة، وهي التي تمنح صكوك الغفران السياسية، لتحدد من يحق له العمل في المجال السياسي، ومن يحرم من هذا الحق وتستباح كل حقوقه المدنية والسياسية. وتلك هي ملامح العلمانية المستبدة، وملامح الدولة الدينية العلمانية، التي تحكم بالحق المطلق غير الإلهي، وتعطي لنفسها سلطة الحكم المطلق.

مدنية الدولة لا خلاف عليها، وجماعة الإخوان المسلمين، وكل الحركات الإسلامية، لم تعرف فكرة الدولة الدينية المستبدة، والتي تحكم بالحق الإلهي المطلق، ولم تعرف بالتالي الحاكم الذي يحكم باسم الله. والدولة المدنية هي دولة المجتمع، وهي وكيل عنه، تلتزم بقيمه ومرجعيته، ويقوم الحكم فيها علي الوكالة عن المجتمع، ويصبح الحاكم وكيلاً، والدولة وكيلة. وفي الدولة المدنية لا مكان للاستبداد أيا كان نوعه أو مبرره، وفي الدولة المدنية أيضا لا مكان للحكم العسكري أو الديكتاتوري. الدولة المدنية إذن، هي دولة تقوم علي ولاية الأمة، وعلي مبدأ أن الأمة مصدر السلطات، وفيها تختار الأمة مرجعيتها ودستورها، وتختار حاكمها وممثليها. ولا خلاف بين التيارات السياسية حول تلك الدولة، ولكن ممارسات بعض النخب العلمانية تهدم أسس الدولة المدنية، عندما تضع شروطا لمدنية الدولة، يتضح منها أنها دولة مدنية، ولكن علمانية، وتلك هي المشكلة.

فالدولة المدنية متفق عليها، ولكن مرجعيتها مختلف حولها، فالبعض يراها مرجعية بشرية لا دينية، وهم النخب والتيارات العلمانية، والبعض يراها مرجعية إلهية دينية، وهم الحركات الإسلامية، ومنهم جماعة الإخوان المسلمين. والاختيار إذن، بين دولة مدنية دينية، وبين دولة مدنية لا دينية. وهنا لا ينبغي لطرف أن يدعي لنفسه حق الاختيار نيابة عن المجتمع، ولا ينبغي لطرف أن يفرض الوصاية علي الأطراف الأخري، أو يفرض الوصاية علي المجتمع. فالدولة المدنية الدينية لا تقوم إلا في مجتمع يغلب عليه الطابع المدني الديني، والدولة المدنية غير الدينية، لا تقوم إلا في مجتمع يغلب عليه الطابع المدني غير الديني. فالدولة الإسلامية تقوم في المجتمع الإسلامي، والدولة العلمانية تقوم في المجتمع العلماني، والمجتمع هو صاحب الحق في اختيار مرجعيته..والحرية الحقيقية، هي الحرية التي تمكن المجتمع من اختيار مستقبله الذي يتمناه، ومادمنا نعيش أزهي عصور الاستبداد، فالحل يكمن في تحرير إرادة المجتمع حتي يختار المرجعية التي يريده"[20][20].

 

وقد خطت الثورة خطوات معتبرة في تحرير المجتمع المصري من الاستبداد، وهي مستمرة في مواجهة الاستبداد بكل أنواعه ومسوغاته سواء كان استبداد باسم الدين أو استبداد باسم الحداثة. والمجتمع كل المجتمع هو صاحب القرار في اختيار مرجعية الدولة المدنية التي يتفق عليها الكثرة الغالبة من المصريين.

وفى شأن الإعلام لا بد من القول أن مضمون الإعلام يتراوح ما بين  الخبر والرأي، ودوره هو التعبير عن الرأي العام والمشاركة في صناعته، ورسالته هى خدمة المصلحة العامة المرتبطة بالإرادة الشعبية. وللمهنية في الإعلام مواصفات عديدة، بدءا بالشمولية مع التخصص وانتهاء بالتقنية والجمالية، ومنها ما يرتبط بوضوح الخط الرقيق الفاصل بين الخبر والرأي، بحيث يستطيع "المستهلك للإعلام" أن يميّز بين معلومة تصل إليه، فيأخذ علما بها، ورأي يُعرَض عليه، فيقبله أو يرفضه، ويهبط مستوى المهنية بقدر ما تكون المعلومة بحد ذاتها ناقصة أو مجتزأة أو تقدم جزءا محدودا من الموضوع المرتبطة به، كما يهبط بقدر ما تكون الآراء المطروحة صادرة عن مشكاة واحدة دون سواها. والحكم على مهنية المصادر التى رصدنها طبقًا لهذه المعايير هو حق لكل من قرأها  أوشاهدها .

 

ملامح  الخطاب التوافقي حول

الدولة المدنية

                                                       سمية عبد المحسن*

 

تتجدد الحوارات والنقاشات، والجدالات، حول الدولة المدنية وهل هي مقابل للدولة الدينية؟ وهل تتناقض الدولة المدنية مع  قيام أحزاب سياسية على أساس ديني؟ وهل يُقبل الإفصاح عن مرجعية دينية أو استدعاء أي خطاب للدين (إيجابًا أو سلبًا) في المجال العام؟ إلى غير ذلك من القضايا التي تدخل في إطار الحديث عن العلاقة بين الديني والسياسي (وقد يضاف إليها المدني)، مع ضيق واتساع تلك المفاهيم.

وهذه السجالات ليست بجديدة على الساحة المصرية، وإن كانت الآن تتم في مجال أكثر اتساعًا، وعلى مرأى ومسمع من عموم المواطنين، بعد أن كانت تتم من قبل في قاعات مغلقة بين النخب الفكرية والسياسية، وكان النظام الحاكم السابق يستدعيها إلى هذا المجال (استدعاء مسيَّسا) عند الحاجة للضغط على فصيل أو تيار سياسي معين أو استبعاده من اللعبة السياسية.

 

ولكن في المقابل، كانت هناك نقاشات جادة تناولت قضية العلاقة بين الديني والسياسي بالحوار والدراسة العلمية المتوازنة، بعيدا عن السجالات السياسية أو المسيَّسة (إذا جاز هذا الوصف)، من أمثلة ذلك الندوة التي عقدت منذ ما يزيد عن أربعة أعوام (31 يناير 2007) بمركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حول "العلاقة بين الديني والسياسي: مصر والعالم..رؤى متنوعة وخبرات متعددة" شارك فيها مفكرون وباحثون من كافة الاتجاهات، بهدف رصد القضية في تأسيسها النظري من جانب، واستعراض الخبرات المقارنة في إطار العلاقة بين الدين – المجتمع – الدولة – المواطنة من جانب آخر، وانعكاس ذلك في الواقع المصري من جانب ثالث. وقد تزامن عقد تلك الندوة مع طرح تعديلات على بعض المواد الدستورية آنذاك، لذا تمت مناقشة القضية في ظل سياق يتشابه كثيرًا مع السياق الموجود خلال الفترة التي نعيشها الآن.

 

وفى إطار تأسيس خطاب توافقي حول الدولة المدنية فى ظل الظروف الراهنة من المهم البناء على هذا المجهود العلمي المشترك. ويجدر القول بداية أن تلك الندوة، التي صدرت أعمالها في كتاب([21][21])، قد أشارت إلى بعض الضوابط المهمة لما يدور من نقاشات وحوارات؛ حيث تم التأكيد على ضرورة التركيز على القضايا الكلية (قبل) الانشغال عنها بالجزئيات وتفاصيلها الإجرائية، ورد القضايا الجزئية إلى أصولها وسياقاتها المختلفة، ومن مداخل متنوعة، والنظر إلى مآلاتها المستقبلية.

إن تناول قضية العلاقة بين الديني والسياسي يهدف إلى إزالة عدد من الالتباسات من قبيل:

§        الفرق بين "حزب ديني" و"حزب على أساس تفرقة دينية" وبين هذين وبين "حزب ذي مرجعية دينية".

§        الفرق بين "الدولة المدنية" و"الدولة الدينية" و"الدولة التي تعد فيها الشريعة مصدرا أساسيا للتشريع".

§        العلاقة بين المواطنة والنص على دين الدولة في الدستور.

§        العلاقة بين الثقافة السائدة والمخزون الحضاري باعتبارهما مصدرا أساسيا للهوية، والمواطنة باعتبارها مرجعية للحقوق السياسية والمجتمعية للجميع دون تمييز بسبب دين أو جنس أو قوم.

§        الفارق بين تديين المجال العام بيد النظام القائم، وبين تديين قوى المعارضة للمجال العام.

§        هل إثارة الجدل بشأن العلاقة بين الديني (الإسلامي على وجه التحديد) والسياسي هو تخويف من فصيل سياسي ذي مرجعية إسلامية، أم التخويف من المرجعية الإسلامية ذاتها بالنسبة للمجتمع بأسره، باعتبارها تهديدا للمواطنة والوحدة الوطنية ومثيرة للفتنة الطائفية؟

 

وفي هذا الصدد فإن هناك بعض المعايير اللازمة لرفع الالتباس بين الديني والسياسي وتتمثل في:

§        الوقوف ضد العلمانية الفجة التي تستبعد الدين من جملة فاعليات الحياة، وفي المقابل أيضا ضد من يتخذ من مفهوم الدين معنى شكليا دون أن يتعرف على أصول فاعلياته في الحياة.

§        التأكيد على أن الولاية الدينية لا تعطي أهلية لأي إنسان أن يتدخل في الأمر الفني دون اختصاص، وإنما لابد أن يعود الناس في كل اختصاص إلى صاحب الولاية الفنية والاختصاصية ("أنتم أعلم بأمور دنياكم").

§        توضيح أن السياسي في الإسلام ليس بعيدًا عن الدين، ولكن ذلك لا يعني أن يسيطر أو يتحكم شخوص الدين بالسياسي، وإنما بمعنى كيف يمكن أن يرفد الدين المجال السياسي بكل ما يؤدي إلى تنظيم فعالياته وتقويم مساراته واستثمار طاقاته.

§        أهمية التمييز في الشريعة الإسلامية بين الثابت والمتغير والعلاقة بينهما؛ وأن الثابت ورد أكثر تفصيلا في الشريعة، بينما المتغير يرد أكثر إجمالا (لفتح باب الاجتهاد وفق ظروف كل عصر).

 

وقد تناولت الندوة عددًا من القضايا المهمة التي تثور مجددًا الآن وتثار حولها ذات النقاشات والحوارات، من تلك القضايا:

المواطنة والعلاقة بين الديني والمدني والسياسي:

برز مفهوم "المدني" في الحضارة الغربية كوسط أحاط بالمجالات المختلفة للنشاط الإنساني (الشخصي – الخاص – السياسي – العام)، فمثَّل أحد مجالات المواطنة، إلا أنه مع تعاظم مفهوم "المدني" زحف على دوائر مختلفة بمساعدة العولمي ونهج الحياة العلماني، فأتى على علاقته بمجالات أخرى تبدو منازعة له في تشكيل ذلك الوسط، كان على رأسها "الديني"، حتى إن البعض وضع المدني في مواجهة الديني.

في حين أن المواطنة الصحيحة تقوم على أساسين مهمين؛ أولهما البنية المجتمعية التي تتمثل في المرجعية الفكرية والقيمية والحضارية المشتركة بين أفراد المجتمع، وتترتب عليها حقوق وواجبات في حق الجميع. أما الأساس الآخر فتشكله البنية المؤسسية التي تتضمن الشق الدستوري والقانوني الملزم للجميع على قدم المساواة دون تمييز على أي أساس، وشق السياسات المترجمة للأساس الفكري في شكل برامج، والشق المؤسسي المتعلق بتنفيذ البرامج والسياسات.

 

الديني والمدني والسياسي في الدستور:

·        قضايا كلية:

أولا- التوجه العام الذي يحكم (التغيير) الدستوري

ثانيا- الدوافع القانونية والسياسية لحظر/ إتاحة النشاط السياسي على أساس الدين أو اللون أو الجنس؟

ثالثا- مآل المجتمع في ظل الصياغة الجديدة للدستور، ومراعاة تحقيق تداول حقيقي للسلطة، وتعددية حزبية حقيقية وتوازن بين السلطات.

 

·        فيما يتعلق بالمادة الثانية والمادة الخامسة:

أشارت إحدى الدراسات المقدمة في الندوة إلى تفسير المحكمة الدستورية للمادة الثانية من الدستور، التي تنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع"؛ حيث يقول التفسير بأن مبادئ الشريعة الإسلامية تنصرف إلى المبادئ قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهي مبادئ إنسانية عامة. وذلك في مقابل الرأي القائل بأن المادة الثانية تتعارض مع المواطنة؛ فالمواطنة هي المبدأ الحاكم للتشريع، ولا يجوز التمييز بين المواطنين على أي أساس.

ويذكر –في هذا الصدد- أن كثيرًا من التداعيات الذهنية التي تترتب على استخدام مفاهيم "الديني" و"المدني"، و"الديني" و"السياسي" تشير إلى الخبرة التاريخية الغربية، ولا صلة لها بالخبرة الإسلامية. كما أن المرجعية الإسلامية تفرض مجموعة من المبادئ التي تحول دون التحول إلى الخبرة الغربية المتصلة بالعلاقة بين الديني والمدني والسياسي، وتتمثل هذه المبادئ في: إقرار احترام كرامة الإنسان، إقرار العدالة لمحاربة الظلم، إقرار الشورى لمحاربة الاستبداد، الدعوة إلى المشاركة.

 

موقع الاقتصادي من العلاقة بين الديني والسياسي:

تتجاهل جُل الحوارات الدائرة حول العلاقة بين الديني والسياسي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار مفهوم السياسي بمعناه الشامل. وهو ما تداركته تلك الندوة بالحديث عن موقع الاقتصادي من العلاقة بين الديني والسياسي. حيث تم التأكيد على أن صياغة الدستور لابد أن تعكس منظومة (الديني – المدني - السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي)، فالحديث عن الدساتير والحق بلسان قانوني لا يعكس كيف تصنع هذه القوانين؟ ولصالح أي قوى تصاغ؟

فلابد من الحديث بشكل واضح عن العلاقة بين الحداثة والاقتصاد والرأسمالية وبين علاقات المواطنة، فالسوق لا يتحدث عن المواطنة ولا يعرف مفاهيم الحقوق أو الكرامة أو المساواة فالسوق له قوانينه الخاصة المجردة. فالليبرالية آلة لها وجهان: وجه اقتصادي وآخر سياسي، وقد وجدت فكرة التنافسية (الحزبية) كان لضبط العلاقات التنافسية والتفاوض، ولإدارة الاختلاف.

فما يحدث هو التركيز على الديني منعزلا عن السياق المحيط به، فيتم التركيز –على سبيل المثال- على المادة الثانية من الدستور ويثور حولها الكثير من الجدل بينما لا ينتبه أحد مثلا إلى ما يتعلق بـ"اشتراكية النظام"، فمن غير المتصور إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في نظام غير اشتراكي بمعنى ما (دور الدولة ومساحته في ظل المتغيرات العالمية).

 

المواطنة والمجال العام:

المجال العام هو الساحة الأساسية لممارسة المواطنة. وطرحت –في هذا الإطار- مسألة "مدنية المجال العام"، التي تعني أن يكون المجال العام مفتوحًا أمام جميع المواطنين يمارسون فيه حركتهم بحرية ويعلنون فيه عن تصوراتهم وبرامجهم دون حظر، لا يختطفه تيار أو قوة سياسية بعينها تستأثر به وحدها وتبعد سائر القوى الأخرى.

ووفقا لهذا الطرح، فإن مدنية المجال العام تتحقق بتطبيق عدد من الضوابط الأساسية التي تحكم مرجعية العلاقة بين الديني والسياسي، من خلال عدم استخدام الدين في عدد من مجالات، وهي:

-       التعبئة السياسية: الشعارات والخطابات، دون أن يحول ذلك من تبني أي تيار سياسي مرجعية دينية لحركته في المجال العام.

-       الشرعية السياسية: فأساس شرعية أي تيار سياسي سواء كان في الحكومة أو المعارضة لابد أن يكون على أساس الإنجاز، لا أن يبني شرعيته باسم الدين دون تحقيق إنجاز على الأرَض.

-       تبرير السياسات

-       إقصاء المواطنين

-       إغلاق المجال العام: لا يصح لأي قوة سياسية –بما في ذلك الحزب الحاكم- احتكار المجال العام وطرد الآخرين منه صراحة أو ضمنا، والمدخل الحقيقي لذلك هو عودة مختلف منظمات المجتمع لممارسة وظائفها التي نشأت من أجلها.

-       تسويغ العنف

-       التوظيف العشوائي: عدم استدعاء الدين من حين لآخر بشكل عشوائي وذرائعي في مواجهة أفراد أو جماعات معينة.

 

 

وفيما يتعلق بدور العوامل الخارجية في تشكيل العلاقة بين الديني والسياسي تناولت الندوة

§        الخوف من صعود الكيان الإسلامي، وتأثير ذلك في العلاقات الدولية.

§        الخوف من الدين الإسلامي بعد انتشاره في أوروبا.

§        نشر العلمنة باعتبارها لصيقة ومقدمة لعمليات التحديث وباعتبارها الشرط التأسيسي لها.

§        النظرة العولمية للأديان باعتبارها نوعا من الممانعة والمواجهة والمقاومة.

 

ما سبق يمثل أسسًا واضحة ومعالم جلية يمكن استثمارها فى محاولة التوافق حول الدولة المدنية، بحيث لا يبدأ النقاش فى كل مرة من نقطة الصفر مما يمثل هدرًا للجهد والوقت ويُدخل كافة الحوارت فى دوائر مفرغة، يُعاد فيها طرح نفس الأسئلة والقضايا ولا يتقدم الحوار خطوة واحدة. وهو ما لا نريده جميعًا لبلدنا بعد أن بذل شهداء الثورة دماءهم الغالية في ثورة 25 يناير التي خلصت مجتمعنا من بعض أركان النظام السابق وتجلت في ميدان التحرير وميادين مصر كلها روح التوافق الذي يجب أن نحرص عليه لأنه أهم أسباب استمرار الثورة حتى تحقق كامل أهدافها ومنها الدولة المدنية.

 

 

 

 



* باحث بمركز الحضارة للعلوم السياسية

[22][1]  تكون فريق البحث من حسن محمد، شيماء بهاء الدين،عبد الله عرفان، محمد السنوسي، محمد كمال.

 

[23][2]"مناقشات ساخنة في مؤتمر «المصري اليوم» حول الاستفتاء على التعديلات الدستورية" المصرى اليوم،8مارس2011

"[1][3]مؤتمر «المصري اليوم»: المشاركون يرفضون الاستفتاء على التعديلات.. ويطالبون بالانتخابات الرئاسية أولاً"المصرى اليوم،9 مارس 2011
  

[24][4]المصرى اليوم، 13 مارس 2011

[25][5]المصرى اليوم، 18 مارس2011

[26][6]المصرى اليوم،،27 مارس 2011

[27][7]ممدوح حمزة،برنامج صالون أبراهيم عيسى، قناة الجزيرة مباشر مصر، 21مارس 2011

[28][8]عبدالله السناوى، برنامج صالون أبراهيم عيسى، قناة الجزيرة مباشر مصر، 21مارس 2011

[29][9]د. عمرو حمزاوى،برنامج مصر النهاردة، القناة الثانية في التلفزيون المصرى، 21مارس2011

[30][10].د.عمرو حمزاوى، برنامج من قلب مصر، قناة نايل لايف،التليفزيون المصرى،20 مارس2011.

[31][11]فهمى هويدى،" هل نغير الشعوب" الشروق، 23مارس.2011

[32][12]د.يحي الجمل، نحو عقد اجتماعى جديد، المصرى اليوم، 7فبراير 2011

[33][13]برنامج واحد من الناس، قناة دريم،24 مارس 2011

[34][14]بنامج الحياة اليوم،28 مارس 2011

[35][15] د. محمد عفيفي - رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة القاهرة، برنامج "مصر النهاردة"،القناة الثانيةالتلفزيون المصرى،27 مارس 2011

* باحث بمركز الحضارة للعلوم السياسية

[36][16]فاطمة المعدول، اسمحوا لى لماذا الأخوان، الوفد 24/3/2011

[37][17]د. مصطفي كامل السيد،الأغلبية والأقلية وبناء التوافق في مصر الثورة، الشروق،21مارس2011.

[38][18]-Hey, Wood Andrew , Key Concepts ( England: Palgrove , 2000 ) P. 33 0

[39][19]انظر الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده،الإصلاح الفكرى والتربوي والإلهيات تحقيق وتقديم د. محمد عمارة( القاهرةدار الشروق، مكتبة الأسرة،2010) ص ص 306-3011-

 

[40][20]د. رفيق حبيب، الدولة المدنية دينية أم لادينية، الدستور 15 مايو 2010.

* باحثة بمركز الحضارة للدراسات السياسية

[41][21]د.نادية مصطفى ، د.سيف الدين عبد الفتاح (تنسيق وإشراف)،العلاقة بين الديني والسياسي: مصر والعالم..رؤى متنوعة وخبرات متعددة (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2008).

 




للحصول علي الملف بصيغة pdf

اضغط هنا